رسائل عديدة.. ماذا وراء إعلان النظام السوري إخلاء سبيل عشرات المعتقلين؟

بشكل مفاجئ ودون قوائم محددة، أفرج النظام السوري بداية من مطلع مايو/ أيار 2022 عن عشرات المعتقلين في سجونه المتهمين بالمشاركة في الثورة الشعبية ضد بشار الأسد.
واستند النظام السوري في عملية الإفراج إلى ما يسمى "مرسوم عفو" حمل رقم (7)، أصدره الأسد في 30 إبريل/ نيسان 2022، ويشمل "عفوا عاما" عن "الجرائم الإرهابية" المرتكبة قبل تاريخ صدوره مباشرة، عدا التي أفضت إلى موت إنسان.
وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع غليان شعبي في أرجاء سوريا كافة، عقب نشر صحيفة "الغارديان" البريطانية في 27 أبريل، تسجيلا مصورا يظهر مجزرة إعدام جماعي لـ41 مدنيا رميا بالرصاص في أبريل 2013 بحي التضامن جنوب العاصمة دمشق، من قبل ضابط برتبة صغيرة في قوات الأسد.
وزعم نائب وزير العدل في حكومة النظام السوري "نزار صدقني"، عن وجود أعداد كبيرة من المعتقلين الذين شملهم "العفو الرئاسي" الأخير ممن جرى اعتقالهم خلال سنوات الثورة السورية.
إلا أن "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" المعارضة، أكدت إفراج مخابرات الأسد عما لا يقل عن 341 شخصا من مختلف السجون المدنية والعسكرية في المحافظات السورية، بينهم 44 سيدة و8 أشخاص كانوا أطفالا حين تم اعتقالهم، وذلك في الفترة الممتدة من 1 - 6 مايو/أيار 2022.
وتوقعت الشبكة أن يفرج النظام السوري عن قرابة 1800 شخص كحد أقصى، بينما لا يزال يحتجز لديه 132 ألف مواطن سوري، من بينهم 87 ألف مختف قسريا.
وتشير إلى أن معظم المفرج عنهم ينتمون لمحافظات دمشق وريف دمشق ودرعا، وتتراوح مدة اعتقال معظمهم من 3 إلى 8 سنوات، وقضى عديد منهم أكثر من ثلثي مدة أحكامهم، بينما يقبع حاليا آلاف من المعتقلين في سجون الأسد دون محاكمات.
وسرعان ما لاقت عملية الإفراج عن المعتقلين انتقادات واسعة، من ناحية العشوائية في عملية الإطلاق، وعدم إصدار النظام إحصائية تتضمن أعداد المفرج عنهم، كما أنها لم تشمل نشطاء بارزين جرى اعتقالهم خلال عامي 2011 و2012.
كما لوحظ أن النظام السوري أفرج عن 73 معتقلا من أبناء محافظة درعا، وبعد التدقيق في قوائم الأسماء المفرج عنهم من قبل ناشطين ومؤسسات حقوقية تبين أنهم خرجوا من سجن "عدرا" المدني بريف دمشق، ومعظمهم بتهم جنائية واعتقلوا بعد التسوية الأمنية التي جرت بالمحافظة في يوليو/ تموز 2018.
وبحسب كثير من الحقوقيين السوريين، فإن التخبط بدا واضحا في عملية إطلاق سراح المعتقلين التي لم تشمل أولا القدامى، فضلا عن أن العفو بنصه تحدث عن "الجرائم الإرهابية"، فيما جرى الإفراج عن متهمين بجرائم جنائية.
تغطية المجزرة
وفي هذا الإطار، أكد المحامي السوري عبد الناصر حوشان لـ "الاستقلال"، أن "مرسوم العفو" رقم (7)، هو "أقرب إلى الاستثناء وليس العفو العام كما زعم النظام السوري".
لكونه وفق المحامي "جاء على عجالة وتبين أنه صدر بصيغة وعبارات مجملة ولم يحدد الجرائم الإرهابية، وجاء بصيغة العموم ولم يفصل الجرائم والمواد المشمولة به، و إنما اكتفى بعبارة جرائم الإرهاب المنصوص عنها في قانون الإرهاب رقم 19 لعام 2012 وقانون العقوبات العام".
وأوضح حوشان أن "تخصيص العفو بقانون الإرهاب، وتخصيص مواد محددة في قانون الإرهاب أخرج القانون عن مفهوم العفو العام الذي أصدره النظام السوري".
ومضى يقول: "وبالتالي هذا دليل قاطع على أنه لا يمكن تسميته بقانون العفو أو العفو العام لأن هناك كثيرا من السوريين المحسوبين على الثورة جرى اتهامهم بجرائم سياسية وجنائية عادية وجرائم أمن دولة ولم يشملهم هذا العفو المزعوم".
وأرجع المحامي السوري إصدار النظام السوري القانون رقم 7، "من أجل التغطية على مجزرة التضامن".
وزاد: "كما أن محاكم الإرهاب في مناطق الأسد لا تعرف كيف ستطبق قانون العفو ومن يشمله، وبالتالي فإن خروج هذه الأعداد المحدودة من المعتقلين هو دليل على أن الهدف من العفو امتصاص الغضب بسبب مجزرة التضامن".
ولفت حوشان إلى وجود "مخاطر بقانون العفو وعلى رأسها إمكانية النائب العام وقضاة الحكم تبديل وتعديل وصف الجرائم وبالتالي يمكنهم تبديل وصف الجريمة لأي معتقل لا يريدون إخراجه من سجون الأسد".
وأشار كذلك إلى "وجود مذكرات بحث بحق الكثير من السوريين الصادرة عن أجهزة وفروع الأمن التابعة للأسد، مما يعني أن هذه المذكرات ليس للقضاء يد عليها، وبموجبها يمكن للمخابرات إلقاء القبض على أي شخص حتى ممن أطلق سراحه وإعادة التحقيق معهم، واتهامهم بجرائم مستثناة من قانون العفو الجديد".
بدوره نبه الائتلاف الوطني السوري المعارض إلى أن العفو المزعوم الذي أصدره رأس النظام بشار الأسد، ما هو إلا زيف أطلقه للتغطية على جريمته التي كشفتها صحيفة الغارديان أخيرا بحق المدنيين السوريين في حي التضامن.
واعتبر الائتلاف أن "الأوضاع الصحية التي خرج بها المعتقلون من فقدان للذاكرة أو إعاقة جسدية أو مرض مزمن، لهي مرآة تعكس فظاعة ما يتعرض له المعتقلون وأهاليهم على يد نظام الأسد الوحشي".
رسائل سياسية
وأشار الائتلاف السوري إلى أن هذا الكم الكبير من الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد بحق الشعب السوري عموما والمعتقلين خصوصا، تجعل كل الدول التي تساند هذا النظام أو تحاول ترميم علاقتها معه دولا مدانة وشريكة في قتل السوريين.
وتصطف كل من الإمارات، وسلطنة عمان، ولبنان، والأردن، والعراق، والجزائر، ومصر، في موقف موحد كأكبر الدول الداعمة لعودة النظام إلى الجامعة، والعمل على دفع مزيد من الدول للتطبيع معه وفتح علاقات معه وتجاوز "دماء السوريين".
ولهذا ربط أيضا كثير من المراقبين في الشأن السوري، خطوة النظام السوري في إطلاق سراح معتقلين في سجونه كعربون انفتاح جديد مع الدول الراغبة في التطبيع معه.
وفي هذا السياق يشير مدير البحوث بمركز عمران للدراسات الإستراتيجية، معن طلاع، في حديث مع "الاستقلال" إلى وجود ثلاثة أهداف سياسية من وراء "مرسوم العفو" رقم (7).
ويرى طلاع أن "الهدف الأول موجه إلى المجتمع الدولي بمعنى أن النظام السوري يبدي خطوات جديدة في مسار المصالحة عبر إصدار مرسوم عفو من حيث النص القانوني يبدو متماسكا إلا أن بعض الجمل فيه تترك مساحة تفسير أوسع للأجهزة الأمنية بتقدير العمل الإرهابي أو الانتماء إلى منظمة إرهابية عائدا لها".

والهدف الثاني، وفق طلاع "هي رسالة موجهة من النظام السوري إلى كل الدول الراغبة في التطبيع معه".
وتابع: "إذ هناك مجموعة من المؤشرات التي تدل على أن هذا المرسوم أتى استجابة لبعض المطالب الإماراتية التي تبحث مع الأسد في مساحات عمل جديدة تمكن أبوظبي وغيرها من الدول الراغبة في التطبيع من العمل مع النظام مجددا دون الخضوع لقانون قيصر الأميركي الذي طلب بشكل واضح أن يكون هناك بعض الإجراءات المتعلقة بموضوع المعتقلين".
وثالثا، هي "رسالة من النظام السوري إلى مبعوث الأمم المتحدة الرابع إلى سوريا غير بيدرسون بأنه يبدي خطوة مقابل خطوة التي طرحها الأخير، وكأنه يتماهى معها"، وفق الباحث السوري.
وتتلخص سياسة "خطوة مقابل خطوة" في أن تقدم الولايات المتحدة مع حلفائها على رفع أو تخفيف بعض العقوبات عن النظام السوري، مقابل دفع روسيا للأخير للتقدم خطوات في مسار عملية الحل السياسي المتعثرة، وعدم التصعيد عسكريا.
لكن وللمفارقة، هذه المقاربة رفضها النظام وكذلك انتقدتها "هيئة التفاوض" المعارضة، وأكدت على أن أي مبادرات أو آليات لا تؤدي بشكل عملي وواضح إلى تنفيذ القرار الأممي "2254" تمهيدا للوصول إلى الهدف الأساس له، الذي يتمثل بتحقيق الانتقال السياسي فهي مرفوضة.
غايات مرحلية
وذهب طلاع للقول: "يريد الأسد أن يبدي للداخل السوري أنه أمام مرحلة جديدة وأن هناك عددا من المعتقلين لا ضير في إخراجهم من سجونه، ولا سيما أن معظم القوائم التي بحثنا فيها وجدنا أن الأسماء جرى اعتقالهم عقب التسويات والمصالحات بعد عام 2018، وذلك لإعطاء إشارة بأنه مستمر وفق ما يراه من مخياله للحل السياسي في سوريا".
ويرى كثير من المراقبين أن "مرسوم العفو" شكلي، وله غاياته المرحلية من قبل النظام السوري، الذي يروج لإطلاق سراح المعتقلين، لكنه في الحقيقة فإن سجون الأسد وفقا لأعلى التقديرات يوجد فيها حوالي 20 ألف معتقل لا أكثر، بينما تخلص من البقية وصور قيصر المسربة أكبر دليل على ذلك.
ويؤكد هؤلاء أن سياسة النظام السوري التي يسعى إلى تمريرها للخارج تتمثل بترويجه على أنه أنهى ملف المعتقلين على خلفية الثورة ولم يتبق في سجونه سوى سجناء من ذوي الأحكام، وسيتم الإفراج عنهم أيضا بموجب مراسيم عفو جديدة لكن بعد دراسة إضباراتهم.
وحول هذه الجزئية يتفق الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، رشيد حوراني، مع الطروحات التي يقف خلفها النظام السوري من وراء هدفه في إطلاق سراح المعتقلين من سجونه.
ويقول حوراني لـ"الاستقلال"، إن "نظام الأسد يحاول مسايرة المجتمع الدولي الذي يرغب بالاعتراف به وإعادة تأهيله بمساعي روسية".
وألمح الباحث السوري إلى أن "نظام الأسد يحاول خطب ود الدول العربية التي اشترط بعضها شروطا لإعادة تطبيع العلاقات معه، وتأتي هذه الخطوة ضمن هذا السياق".
وختم حوراني بالقول: "النظام السوري سعى من وراء ذلك لإرسال رسالة للسوريين أن معتقليكم لدي، وجدد الأمل لدى ذويهم بخروج أبناءهم مقابل القبول به مجددا".