نور الدين آيت حمودة.. سياسي جزائري هاجم الأمير عبدالقادر ورموز الدولة
.jpg)
"إفراج مؤقت" استفاد منه النائب الجزائري السابق نور الدين آيت حمودة، بعد شهرين من الاعتقال جراء تصريحات أثارت لغطا كبيرا في البلاد، ووصفت بـ"المستفزة" لاستهدافها "شخصيات تاريخية".
وفي 29 أغسطس/آب 2021، أعلنت محكمة جزائرية الإفراج المؤقت عن آيت حمودة، المتهم بـ"إهانة رموز للدولة"، في انتظار انتهاء التحقيق وتحديد موعد جديد للنطق بالحكم.
ووضع نجل العقيد الراحل، عميروش آيت حمودة، رمز حرب الاستقلال، قيد الاعتقال في 27 يونيو/حزيران 2021، بعد اتهامه بإهانة شخصيات من تاريخ الجزائر المناهض للاستعمار، ووجهت إليه تهم "الاعتداء على رموز الدولة والثورة ورئيس جمهورية سابق، وعلى الوحدة الوطنية والتحريض على الكراهية والتمييز العنصري".
وكان النائب السابق قد أثار غضبا حقيقيا من خلال وصفه للأمير عبد القادر، بطل المقاومة الأولى ضد فرنسا الاستعمارية، والرئيس الأسبق هواري بومدين، والزعيم القومي مسالي الحاج بـ"الخونة"، خلال برنامج تلفزيوني.
معارض ابن مقاوم
عقب تصريحاته، أعلنت وزارة المجاهدين أنها ستصبح طرفا مدنيا في الدعاوى القضائية المرفوعة ضد "الذين هاجموا رموز الأمة"، فيما رفع أفراد من عائلة الأمير عبد القادر قضية ضد النائب البرلماني.
نور الدين آيت حمودة، 71 عاما، هو عضو سابق في حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، وهو حزب علماني معارض، من الحركة الثقافية الأمازيغية، تم استبعاده منه في عام 2015.
أدى الجدل الذي أشعلته الحلقة من البرنامج التي حل عليها النائب، والتي قال فيها: إن الأمير عبد القادر "باع الجزائر لفرنسا"، إلى قيام الهيئة العليا لمراقبة المجال السمعي البصري بإصدار قرار بوقف مؤقت لبرامج قناة "الحياة" الخاصة التي بثت هذه التصريحات المثيرة للجدل.
آيت حمودة المعارض السياسي الأمازيغي الجزائري الذي يثير الجدل دائما بتصريحاته، اسمه الحقيقي "عمران"، وولد في 15 يوليو/تموز 1949 بمنطقة آث يني في ولاية تيزي وزو شرق العاصمة الجزائر.
كان عضوا في المجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية 1997 إلى 2002 ثم الفترة التي تلتها ما بين 2002 إلى 2007، وما بين 2017 إلى غاية 2021.
انتمى إلى حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" المعارض، الذي يرأسه السعيد سعدي، وانتخب عدة مرات نائبا في البرلمان عن ولاية تيزي وزو باسم الحزب الذي تربطه علاقة صداقة قوية مع رئيسه.
يعتبر آيت حمودة من رموز الحراك الأمازيغي في الجزائر، حيث شارك في الكثير من الاحتجاجات التي مرت بالمنطقة ونظم عدة اعتصامات وإضرابات، واعتقل عدة مرات من طرف الأمن.
في 2016، تداولت وسائل الإعلام أنباء عن تنحي القيادي في الحزب من مهامه، وعمم الحزب على مكاتبه بيانا يلزم بـ"عدم التعامل سياسيا مع البرلماني السابق وأحد أبرز قياديي الحزب آيت حمودة"، وتحدثت المصادر ذاتها على "عمل آيت حمودة ضد مرشح الحزب في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة".
تهم ثقيلة
أثار النائب السابق ضجة عندما وصف الأمير عبد القادر بـ"الخائن الذي باع بلاده لفرنسا"، تلته عاصفة إعلامية، أطلقها نجل العقيد عميروش -أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية- تصريحاته دون تفكير، استنادا بحسب ما يقول، على الوثائق التاريخية الوطنية والفرنسية، وكذلك على الشهادات التي جمعها على مدى العقود الخمسة الماضية.
كان الأمير عبد القادر (1808-1883) الذي يعتبره الجزائريون أبا للقومية ومؤسسا للدولة الحديثة، الموضوع البارز في الحلقة، وقال النائب السابق: "الأمير عبد القادر حارب بالتأكيد 15 عاما لكنه باع الجزائر لفرنسا".
واعتبر آيت حمودة أن "يمكن اعتبار الأمير خائنا للقضية الوطنية، ومؤيدا لفرنسا الاستعمارية التي منحته وسام جوقة الشرف".
وأضاف "ولاء الأمير لفرنسا هو الأكثر لفتا للانتباه، لأنه عارض بشدة التمرد الذي قاده الشيخ المقراني في منطقة القبائل الأمازيغية عام 1871 ضد القوات الفرنسية".
ويعتبر الأمير أول زعيم للمقاومة عام 1832، وشن الحرب لمدة 15 عاما قبل أن يستسلم عام 1847 للحاكم العام الفرنسي للجزائر، ومثل استسلامه أول غزو كبير لفرنسا وبداية لاستعمار الجزائر.
احتجز الأمير وعائلته وأتباعه في فرنسا لمدة أربع سنوات قبل أن يسمح لهم بالاستقرار في سوريا، حيث دفن الزعيم إلى جانب المعلم الصوفي ابن عربي.
أعيد رفات عظامه إلى الجزائر عام 1965، بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، لتدفن في مقبرة "العليا"، حيث استقرت الأسماء العظيمة للنضال ضد الاستعمار وزعماء الجزائر ما بعد الاستقلال.
يعتبر الأمير عبد القادر "شخصية مقدسة" في النضال من أجل الاستقلال، لدرجة أن أي محاولة للتشكيك في التزامها أو التشكيك في صلاتها بفرنسا ينظر إليها على أنها هجوم على رموز الثورة، وجريمة يعاقب عليها بالسجن.
شخصية تاريخية أخرى هاجمها آيت حمودة، مسالي الحاج، والذي حسب قوله أصبح منذ عام 1954 "خائنا" من خلال إنشاء الحركة الوطنية الجزائرية.
ويصنف مسالي الحاج، مثل الأمير عبد القادر، من الآباء المؤسسين للقومية الجزائرية منذ عشرينيات القرن الماضي.
وأدت خلافاته مع القوميين الآخرين حول وسائل القتال ضد فرنسا عام 1954 إلى معارضة جبهة التحرير الوطني من خلال إنشاء الحركة، التي تسببت حروبها بين الأشقاء في مقتل المئات.
تصفية حسابات
الشخصية الثالثة هو العقيد هواري بومدين، ثاني رئيس للجزائر، المتهم بالاستيلاء على السلطة بعد انقلاب يونيو/حزيران 1965، لكنه يعتبر من الشخصيات المقدسة في النضال ضد فرنسا الاستعمارية.
ووصف آيت حمودة بومدين أيضا بأنه "خائن"، وأعلن أنه "العقيد الوحيد في العالم الذي نال لقبه دون أن يطلق رصاصة واحدة خلال الثورة".
لكن السبب -وفق مؤرخين- وراء مهاجمة النائب السابق لبومدين، هو قتل الجيش الفرنسي عام 1959 العقيد عميروش، مع رفيقه في السلاح العقيد "سي الحواس"، وفي 1963، عثر بومدين -وزير الدفاع آنذاك- على عظام عميروش وسي الحواس ثم أخفاها في ثكنة لقوات الدرك على مرتفعات الجزائر العاصمة، رغبة منه بمحو كل آثار العقيد عميروش.
ما كان أمام ابنه نور الدين، إلا أن يطرق الأبواب ليعرف مكان الرفات الذي سيتم الكشف عنه بعد وفاة بومدين ووصول الشاذلي بن جديد، إلى السلطة (عام 1978).
وليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها آيت حمودة تصريحات ضد شخصيات في الدولة، فقد وجهها في مجلس النواب ضد الفساد و"المقاومين المزيفين".
مجلة "جون أفريك" الفرنسية، اعتبرت في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2021، أن الجدل الذي أعقب كلمات النائب السابق، الذي اشتهر خلال العشرية السوداء بتوليه رئاسة "هيئة منخرطة في محاربة الإرهاب"، يوضح مدى صعوبة استحضار التاريخ والذاكرة في الجزائر دون إطلاق العنان للجدل والغضب والدعاوى القضائية.