معركة المناهج التعليمية في السودان.. لماذا أثارت الغضب الشعبي؟

أحمد يحيى | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"السودان بلد القرآن، مايكل أنجلو لا يمثلني، والدين خط أحمر، لا للمناهج الكفرية".. لافتات رفعنها سودانيات، خلال وقفتهن أمام مقر وزارة التربية والتعليم في العاصمة الخرطوم، احتجاجا على مواد مخالفة للتعاليم الإسلامية، وردت ضمن المناهج التعليمية، للصفوف الابتدائية.

السودانيون صبوا جام غضبهم على مدير المركز القومي للمناهج عمر القراي، ورأوا أنه يعبث بهوية أبنائهم، بوضعه مواد مثيرة للجدل ومخالفة للعقيدة الإسلامية في المناهج الدراسية.

وتعد لوحة خلق آدم التي رسمها الفنان مايكل أنجلو عام 1511 ميلاديا، وتجسد حسب الإنجيل صورة "الإله وهو يقوم بنفخ الحياة في آدم كأول إنسان" من معلقات سقف كنيسة سيستين، المقر البابوي في الفاتيكان.

"خلق آدم"

لوحة "خلق آدم" التي رسمها الفنان الإيطالي مايكل أنجلو، ووضعت ضمن مناهج الصف السادس الأساسي، أثارت حفيظة المواطنين، على اعتبار أنها تنشر الإلحاد، والاغتراب بين الطلاب.

وفي 6 يناير/ كانون الثاني 2021، نظم عشرات السودانيات مظاهرات، انتهت بوقفة احتجاجية أمام مقر وزارة التربية والتعليم في العاصمة الخرطوم، للمطالبة بحذف لوحة للفنان الإيطالي، المنتمية إلى التراث المسيحي حول "خلق آدم" من كتاب الصف السادس الابتدائي.

المحتجات حملن لافتات مكتوب عليها: "ضد مناهج القراي.. إذا لله لم تغضب متى تغضب"، بينما طالب مواطنون بضرورة إقالة مدير المناهج والبحث التربوي في الوزارة، عمر أحمد القراي، لمخالفته تعاليم الإسلام الصريحة، وانتمائه إلى أفكار ومناهج يشوبها كثير من الاعتراضات. 

وفي 29 ديسمبر/ كانون الأول 2020، أفتى مجمع الفقه الإسلامي بالسودان، بتحريم تدريس كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي، معتبرا أنه يشتمل على مخالفات خطيرة وعظيمة، منها الإساءة القبيحة للذات الإلهية والأنبياء وتصويرها مجسدة للتلاميذ.

وقال المجمع في بيانه إن "الكتاب اختصر الفترات الإسلامية للممالك والحضارات اختصارا مخلا، ولم يظهر ما كان فيها من تطور وترابط لأجزاء التاريخ، كما اشتمل على أخطاء فادحة لا ينبغي أن تكون في منهج التاريخ، وأورد حقائق تاريخية مغلوطة".

فتنة "القراي"

عمر القراي، مدير المركز القومي للمناهج في السودان، والمشرف على وضع المناهج الجديدة لمراحل التعليم المختلفة، كان المسؤول المباشر عن وضع اللوحة المثيرة للجدل ضمن المناهج الدراسية.

منذ تعيينه مديرا لمركز المناهج في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، والقراي في حد ذاته محل جدل بسبب انتمائه إلى فكر "الإخوان الجمهوريين"، والذي تعرض زعيمهم محمود محمد طه للإعدام في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري بتهمة الردة عن الإسلام.

في خطبة الجمعة 1 يناير/ كانون الثاني 2021، شن الدكتور محمد الأمين إسماعيل، عضو مجمع الفقه الإسلامي، هجوما حادا على القراي، وهو يبكي على منبر الجمعة أسفا على ما ورد في المناهج الجديدة، معتبرا أن مدير المركز القومي للمناهج، أساء للذات الإلهية، ويعبث بعقيدة الشعب السوداني.

كما دعا القيادي في حزب الأمة القومي عبد الرحمن الغالي، الحكومة لإقالة القراي، وتساءل: إلى متى تتحمل الحكومة عبئه، وما مصلحتها في الإبقاء عليه رغم كل هذا الفشل في أدائه، ورغم جره البلاد لفتنة لا تحتملها؟.

استياء وغضب

حالة الاستياء والغضب من مناهج القراي التعليمية، جعلت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، يصدر قراره يوم 6 يناير/ كانون الثاني 2021، بتجميد العمل بالمقترحات المطروحة من إدارة المركز القومي للمناهج، لمنع مزيد من حالة الجدل والانقسام.

كما أصدر مكتب رئيس الوزراء بيانا، أكد خلاله "تكوين لجنة قومية تضم التربويين والعلماء المتخصصين وتمثل كافة أطياف الآراء والتوجهات في المجتمع، لتعمل على إعداد المناهج الجديدة حسب الأسس".

وفي نفس اليوم تقدم القراي باستقالته، احتجاجا على قرار حمدوك، موجها اتهامات للحكومة الانتقالية بـ"الإذعان لأصوات أنصار الرئيس المعزول عمر البشير" على حد وصفه.

وبينما اصطف بجانب القراي تيارات يسارية وعلمانية، أكد المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة، العميد الطاهر أبوهاجة، رفضه لطريقة تغيير المناهج، التي ينتهجها القراي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن تكون مواكبة للعصر وتطور أدوات المعرفة.

"حفيرة السوء"

الناشط السياسي السوداني خالد يوسف الركبي، قال "للاستقلال": إن "اختيار عمر القراي خطأ منذ البداية. السودانيون يعلمون من هو عمر القراي جيدا ويعلمون خلفياته الدينية والسياسية، وهو ما جاء إلى المنصب إلا للتلاعب بهوية الشعب السوداني، والأجيال القادمة".

وتساءل الركبي: "كيف يؤتمن رجل كان ينتمي يوما إلى حزب (إخوان جمهوريون)، وكان من تلامذة وأتباع محمود محمد طه، الذي اتهم بالردة وأعدم لهذا السبب، على الأجيال السودانية القادمة؟!".

وأضاف يوسف: "عندنا مثل شعبي دارج في السودان يقول (يا حافر حفيرة السوء وسع مراقدك فيها) والقراي منذ البداية قصد الشر، وكان دائم الظهور في الإعلام، ويهاجم القيم الدينية بحجة مهاجمة النظام السابق".

وتابع: "تلاعب القراي في المناهج الدراسية، وأراد أن يدس السم في العسل كما يقولون، فهو يضع دروسا إسلامية سطحية، وفيما بين السطور يمرر أفكارا هدامة، لكن الشعب السوداني أكبر من أن يخدع، لذلك فإن ما حصده القراي من غضب وهجوم جزاء ما زرعه".

وأورد الناشط السوداني أن "الزول (القراي) يقول إن نسبة الأمية تصل في السودان إلى 37%، لذلك لا بد من تغيير المناهج، فننتظر أن نرى مناهج وأفكار وخطابات تشجع على التعليم وتضع سياسات جديدة واضحة، لكن نفاجأ بمناهج هدامة، تنشر الإلحاد وتخالف الشريعة".

"أين إذا التطوير في لوحة مثل (خلق آدم)؟ ما الذي ستضيفه لعقلية التلاميذ والطلبة؟، هل هذه اللوحة ستكون سببا في تقدم السودان؟ ونحن نسأل القراي الذي سافر ودرس بالولايات المتحدة وأوروبا، هل الأطفال هناك يتلقون تعليما لا يعبر عن هويتهم رغم الحداثة والتقدم" هكذا تساءل الركبي.

واستكمل الركبي: "هل الطفل الأميركي، يدرس المدينة المنورة أو مكة المكرمة، والمظاهر الإسلامية هناك؟ فلماذا إذا يدرس الطفل السوداني المسلم لوحة من داخل الفاتيكان تنتمي إلى التراث المسيحي في الأساس، وتخالف تعاليم دينه؟ ما هو الهدف من ورائها؟!".

الناشط السوداني ختم حديثه بالقول: "لا شك أن قرار تجميد عمل مقترحات لجنة القراي من القرارات الجيدة التي تحسب للحكومة في الفترة الأخيرة، وحتى لا يحدث اختلاف مرة أخرى، يجب أن توجد لجان وأشخاص توافقيين يعبرون عن شرائح الشعب المختلفة، ويحترمون تقاليده وهويته".