بعد الخلافات والانشقاقات.. ما مستقبل تجمع المهنيين في السودان؟
.jpg)
مع اندلاع موجة مظاهرات 30 يونيو/ حزيران 2020 في السودان، جاء الخلاف الأخير الذي ضرب تجمع المهنيين، بمثابة نذير سوء حول قدرة التجمع الذي أسقط الرئيس عمر البشير على إدارة البلاد، وتجاوز المرحلة الانتقالية بكفاءة، في ظل أزمات واسعة تحيط بالبلاد داخليا وخارجيا.
استلهم تجمع المهنيين السودانيين، تجربته في الاحتجاجات ضد البشير، من جبهة الهيئات في ثورة 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، والتجمع النقابي في انتفاضة أبريل/نيسان 1985 التي أنهت نظام جعفر نميري.
ومع استلام الحكومة الانتقالية السودانية زمام الأمور في البلاد بقيادة عبد الله حمدوك، بدأت تبرز أزمات متلاحقة داخل أروقة تجمع المهنيين ما بين دعوات لإعادة هيكلة القيادة المركزية، وسكرتارية التجمع، وبين الانصراف إلى الاصطفاف خلف الحكومة، وإدارة المرحلة الانتقالية.
وكانت أولى بوادر ظهور الخلافات، ما حدث مع شبكة الصحفيين السودانيين أحد الأعضاء المؤسسين لتجمع المهنيين، في 2019، عندما أصدروا بيانا انتقدوا فيه الأوضاع داخل التجمع وطالبوا بإعادة هيكلته.
ووصلت ذروة الخلافات في مايو/ أيار 2020، مع عقد انتخابات السكرتارية الجديدة لتبدأ بعدها حرب البيانات بين الأجسام المكونة، للتجمع، واستفحل الموقف في 30 يونيو/ حزيران 2020، مع وصول الخلاف لمرحلة الانشقاقات الكاملة واختطاف الصفحات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وبداية حرب البيانات من جميع الأطراف.
انشقاق واختطاف
البداية كانت في 10 مايو/ أيار 2020، عندما اندلعت خلافات داخل مكونات "تجمع المهنيين السودانيين"، أحد أبرز مكونات "قوى إعلان الحرية والتغيير" قائدة الحراك الاحتجاجي بالبلاد، على خلفية اختيار أعضاء أمانة عامة جديدة للتجمع، وبعدها بدأت التباينات تشتد داخل ذلك التيار الرئيسي المغذي للحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك.
وتحظى السكرتارية الجديدة لتجمع المهنيين بمساندة 11 من الكيانات المكونة له، بينما تساند 6 كيانات المنشقين على رأسها لجنة الأطباء وتحالف المحامين، في حين انقسمت لجنة المعلمين بين التيارين، واختارت اللجنة المركزية للمختبرات الطبية الوقوف على الحياد.
وفي 1 يوليو/ تموز 2020، وصلت الأزمة إلى ذروتها مع انشقاق فصيل داخل التجمع، عن الكيان الرئيسي، ووصل الأمر إلى أن الفصيل المنشق، سيطر على الصفحة الرسمية للتجمع بموقع "فيسبوك"، والتي يتابعها مئات الآلاف مما أشعل الخلافات مجددا بالتزامن مع مظاهرات مليونية 30 يونيو/حزيران.
وقال التجمع في بيان له: "يؤسفنا أن ننقل لكم أن صفحة تجمع المهنيين، الموسومة بالعلامة الزرقاء على فيسبوك قد جرى اختطافها منذ الثالثة والربع عصر الثلاثاء بواسطة المجموعة المنشقة".
وأضاف البيان: "سيتابع تجمع المهنيين كل الإجراءات الفنية والقانونية لاستعادة الصفحة، وما يُنشر عليها لا يمثل مواقف التجمع".
أما الفصيل المنشق فرد ببيان مضاد، قال فيه: "قناعة منا أن هذه الصفحة ملك لشعبنا، وانطلاقا من واقع مسؤوليتنا جميعا بأمن وتأمين مواكب اليوم، رأينا أنه لا بد من استلام دفة النشر في الصفحة".
وشدد أنه "ستظل الصفحة مملوكة بشكل كامل لقوى الثورة، ولرفاقنا فى الضفة الأخرى ولا نسعى إلى الاستبداد بإدارتها".
وكانت أبلغ دلائل الخلافات الواقعة اصطفاف لجنة "أطباء السودان" المركزية إلى جانب المنشقين و"نقابة الأطباء" مع السكرتارية الجديدة للتجمع، وهو ما تكرر مع واجهتين للمهندسين والبياطرة.
اتهامات للشيوعيين
القيادي المنشق عن تجمع المهنيين السودانيين، محمد الأصم، اعترف بوجود خلافات جوهرية، وقال: "وقع صراع داخلي معطل ومشوه لدور التجمع، ونحن مارسنا أعلى درجات الصبر من أجل إيجاد الحلول في سبيل وحدته وإصلاحه".
وأكد الأصم في تصريح لوكالة السودان للأنباء بتاريخ 6 يونيو/ حزيران 2020، أن "هناك تيارا سيطر على هيكل التجمع، وأصدر مواقف مضرة بالثورة".
وأوضح أن "ممارسات المجموعة، المحسوبة على تيار سياسي بعينه، تسعى لتخريب التجمع، واستغلال بعض الواجهات المحسوبة عليه بإصدار بيانات ومواقف لإضعافه".
وكشفت العديد من المصادر لوسائل الإعلام السودانية المحلية أن مجموعة محسوبة على الحزب الشيوعي اختطفت التجمع وسخرته لمصالح حزبية ضيقة.
وفي مؤتمر صحفي عقد بالخرطوم يوم 6 يونيو/ حزيران 2020، اتهم القيادي بالتجمع إسماعيل التاج، المجموعة التي تسيطر على دفة قيادته الآن بأنها "تحاول تخريب عملية السلام، إذ يعد جزءا رئيسيا في عملية المفاوضات التي تقودها الحكومة الحالية لتحقيق السلام في البلاد".
من جانبه، كشف القيادي الآخر في التجمع عثمان طه، خلال المؤتمر أن هناك "كيانات وأجساما نقابية مؤثرة، أعلنت رفضها القاطع للعملية الانتخابية التي أسفرت عن انتخاب قيادة جديدة للتجمع".
وأضاف: "اتهمت تلك الكيانات بعض المجموعات داخل التجمع بالتكتل الحزبي الواضح والتنسيق بين مناديب عدد من الأجسام، في مخالفة واضحة للوائح ومواثيق تجمع المهنيين"، كما تحدث عن "تآمر مجموعة تنتمي لأحد الأحزاب بالاتفاق على القائمة المنتخبة".
تلك الاتهامات دفعت الفصيل الآخر في تجمع المهنيين لإصدار بيان عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي.
وجاء في البيان: "في خطوة يائسة وخرق واضح لميثاقه، طالعنا اليوم مؤتمرا صحفيا لقيادات بعض أجسام تجمع المهنيين السودانيين، متضمنا عددا من المزاعم عن مضمون الخلافات داخل التجمع، من حيث تصويرها كمنازعة حول اختطافه لمصلحة تيار حزبي بعينه، وهي فرية مردودة".
ليسوا سواء
الناشط السوداني الدكتور عمر الخضر، قال لـ"الاستقلال": إن "تجمع المهنيين السودانيين ليس وليد اللحظة أو الثورة حتى، بل هو كيان قائم منذ سنوات، ويضم العديد من أطياف المجتمع السوداني من خلال النقابات المهنية المتعددة".
ورغم اتجاهاته الواسعة، كان التجمع في السابق على قلب رجل واحد خاصة خلال فترة حكم عمر البشير، يوحدهم معارضة الحكومة القائمة، ويقفون ضد الانتهاكات التي كانت تحدث في حق الشعب السوداني، من بخس الحقوق، والتجاوزات المتعلقة بالحريات، لذلك فقد خرجوا بشعارات براقة، وبنود لا يختلف عليها أحد، وفق الخضر.
وأضاف: أن "التقلبات التي حدثت في السودان عقب الإطاحة بالبشير، وبداية مرحلة الحكومة الانتقالية، واستلام أعضاء التجمع ومن معهم زمام السلطة، ساهم في اختلاف الأوضاع وخلق الأزمات".
وعزز من تلك التلقلبات، التباين في مجموعة من القضايا الأساسية والمنهجية، لا سيما العلاقة مع المجلس العسكري، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاكمة رموز النظام السابق وكذلك حكام الولايات من العسكريين، بالإضافة إلى أن طريقة إدارة المرحلة الانتقالية برمتها، أحدثت فرقا في صفوف التجمع والثوار.
وأردف الناشط السوداني: أن "النقطة الأخطر في كل تلك الخلافات، هي محاولة أصحاب الأجندات المحددة والمصالح الضيقة، السيطرة الكاملة على الكيان، وأعني الحزب الشيوعي السوداني، واليسار بشكل عام".
وتابع: "كان يجب أن تكون مظلة التجمع أوسع، وسياق الحكومة مختلف عن تلك الصراعات التي تؤذن بتدمير التجربة ككل، ولكنهم فضلوا الانزلاق إلى الصراعات التفصيلية، وتجاوزوا المهمة المحددة الملقاة على عاتقهم، خاصة ونحن في مرحلة بداية الطريق، وفي اختبار حقيقي أمام الشعب السوداني".
وشدد عمر الخضر، أن "أداء حكومة حمدوك حتى الآن لم يصل إلى المستوى المطلوب، ولم تنجز في وعودها، ودخلت في صدامات كثيرة مع تيارات مختلفة، ووجدت معارضة حتى في صفوف تجمع المهنيين أنفسهم".
وأكد أن "السلطة بشكل عام إذا لم تكن حاسمة، فإن أول ضحاياها من تولوا زمامها، وإخفاقات الحكومة تنذر بمزيد من الفرقة والانقسامات في المرحلة المقبلة".
المصادر
- تجمع المهنيين السودانيين: المجموعة المنشقة اختطفت صفحتنا الرسمية على فيسبوك
- اتهامات للحزب الشيوعي السوداني باختطاف تجمع المهنيين
- أول إقرار رسمي.. تجمع المهنيين السودانيين يؤكد وجود أزمة داخل صفوفه
- أيقونة الثورة في خطر.. الانقسامات تهدد تجمع المهنيين السودانيين
- تمهيدية الصحفيين ترفض ممثلها في سكرتارية تجمع المهنيين الجديدة