بعد كورونا.. هكذا تتسبب الصين بانهيار الأسواق الناشئة في العالم

12

طباعة

مشاركة

تسبب فيروس كورونا التاجي الجديد في توقف الاقتصاد العالمي بشكل حاد، حيث من المتوقع أن ينخفض ​​النمو العالمي من 2.9 بالمئة في 2019 إلى قيمة سالبة عميقة في عام 2020، وهو ما قد حدث مرة واحدة سابقا، عام 2009، منذ الحرب العالمية الثانية. 

وفي تقرير نشرته مجلة أميركية، توضح فيه المخاطر التي تحيط بالدول النامية والفقيرة، قالت: "إن القيود الحكومية لمنع الفيروس من الظهور مجددا ستمنع الإنتاج والاستهلاك".

كما ستؤدي إلى تعثر الشركات والإفلاس وتسريح الموظفين الذي أدى بالفعل إلى مطالبات إعانة بطالة قياسية في الولايات المتحدة. وقالت مجلة فورين أفيرز: "لن تتحمل كل البلدان ألم الركود العالمي على قدم المساواة".

وتعاني البلدان منخفضة الدخل من ضعف البنية التحتية الصحية، مما يعوق قدرتها على محاربة الفيروس التاجي. بالإضافة إلى أنه لدى العديد منها مستويات عالية من الديون بشكل خطير حتى قبل أن يتطلب الوباء إنفاقا طارئا هائلا، وفق التقرير. 

تمويل عاجل

وتابع التقرير: "يسحب المستثمرون الأجانب الآن رأس المال من الأسواق الناشئة ويعيدونه إلى العالم الغني بحثا عن ملاذ آمن".

ونتيجة لذلك، فإن بلدانا مثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا تشهد انخفاضا كبيرا في قيمة عملاتها؛ مما يجعل من الصعب عليها، إن لم يكن من المستحيل، خدمة القروض الأجنبية.

وفي مواجهة خطر الدمار المالي، لجأت الدول الفقيرة إلى المؤسسات المالية متعددة الأطراف مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. 

وقد منح صندوق النقد تمويلا عاجلا إلى 39 دولة على الأقل، وبحلول نهاية مارس/آذار 2020، تقدمت أكثر من 40 دولة أخرى للحصول على المساعدة، كما وفر البنك الدولي 14 مليار دولار بسرعة لجهود الإغاثة من الأزمات، وفق التقرير.

ورغم هذا الكم الهائل من المساعدات المالية، "يعرف صندوق النقد والبنك الدوليين أن هذه المبالغ لن تكون كافية". ولهذا السبب، دعيا الدول الدائنة لمجموعة العشرين إلى تعليق تحصيل مدفوعات الفائدة على القروض التي قدمتها إلى البلدان منخفضة الدخل. 

وفي 15 أبريل/نيسان 2020، استجابت المجموعة. فقد وافق جميع أعضائها على تعليق التزامات السداد هذه حتى نهاية العام، جميع الأعضاء باستثناء عضو واحد، وفق التقرير.

ويوضح التقرير: "فقد وقعت الصين على تعهد مجموعة العشرين مع بعض التحفظات التي تفرغ القرار من محتواه".

تحفظات تستبعد بها الصين بشكل فعال مئات القروض الكبيرة المقدمة من خلال مبادرة الحزام والطريق (BRI) لتطوير البنية التحتية، وفق التقرير.

وتابع: أنه في اليوم التالي لإعلان مجموعة العشرين، أعلنت "جلوبال تايمز" في بكين، أن "القروض التفضيلية" مثل تلك التي قدمها بنك التصدير والاستيراد الصيني (EximBank)، غير مشمولة في حزمة الديون المخففة.

ومن خلال الاستمرار في طلب مدفوعات الفائدة على القروض، ستجبر الصين الدول الفقيرة على الاختيار بين خدمة الديون أو استيراد السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والإمدادات الطبية، وفق التقرير.

تفضيلية أم افتراسية؟

ويوضح التقرير حجم الإقراض الصيني بالقول: "استنادا إلى المعلومات التي جمعناها من مجموعة واسعة من المصادر، نقدر أنه بين عامي 2013 -2017، أقرضت الصين أكثر من 120 مليار دولار إلى 67 دولة نامية معظمها من خلال BRI".

من المستحيل الحصول على الأرقام الدقيقة بسبب غموض اتفاقيات الإقراض هذه، لكن النمو في الإقراض الذي أبلغت عنه الصين لعامي 2018-2019 يشير إلى أن ديون (BRI) لهذه البلدان يبلغ اليوم 135 مليار دولار على الأقل، وفق التقرير.

ويتابع: "أرقام مثل هذه تضع الصين في أعلى مستوى من المقرضين الدوليين".

اعتبارا من عام 2017، اقترضت باكستان، على سبيل المثال، ما لا يقل عن 21 مليار دولار من الصين، أو 7 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. 

واقترضت جنوب إفريقيا حوالي 14 مليار دولار، أو 4 ٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. كلا البلدين، مثل العديد من البلدان الأخرى، مدينان للصين أكثر بكثير من البنك الدولي، وفقا للتقرير. 

ويتابع: "تدين دول أخرى للصين بنسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي". وبحلول عام 2017، بلغت ديون جيبوتي للصين 80 ٪ من الناتج المحلي. 

وبلغت ديون إثيوبيا حوالي 20 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن قيرغيزستان، وهي من أوائل الدول التي تلقت أموالا من صندوق النقد الدولي، تدين للصين بأكثر من 40 في المائة من ناتجها المحلي. 

ومنذ عام 2013، قدمت الصين ما يقرب من نصف جميع القروض الجديدة للدول التي تعتبر عرضة لخطر التخلف عن السداد، وفق التقرير.

ويتابع: "تفرض الصين فائدة كبيرة على قروضها. على الرغم من أن بكين تصف أسعارها بأنها "تفضيلية"، إلا أن بعض مشروعات BRI، وخاصة الكبيرة منها، تحمل أسعار فائدة تصل إلى ما يقرب من 4 إلى 6 ٪".

وعلى النقيض من ذلك، فإن قروض البنك الدولي بالدولار إلى البلدان المنخفضة الدخل لديها معدلات بالكاد تتجاوز الواحد بالمائة، وفق التقرير.

وبالنظر إلى أن الصين نفسها هي واحدة من أكبر المقترضين من البنك الدولي، مع وجود 16 مليار دولار من القروض المستحقة، فإن البلاد تقترض بفائدة متدنية من العالم المتقدم، وتعيد قروضها، من خلال BRI، بفائدة أعلى، وفق التقرير.

خيار مستحيل

ويشير التقرير إلى صعوبة الوضع بالنسبة للدول المقترضة بالقول: "يعتمد المقترضون من الصين، من ذوي الدخل المنخفض، على الدولار واليورو والعملات الأجنبية الرئيسية الأخرى لدفع ثمن الواردات وخدمة الديون".

لكن الكثير يفتقرون إلى احتياطيات كافية لتغطية كليهما. فتمتلك زامبيا، عميل BRI الذي اقترض أكثر من 6 مليارات دولار من الصين، احتياطيات كافية لتغطية ثلثي المدفوعات الأجنبية التي تحتاج إلى دفعها خلال العام المقبل.

ومن المقرر أن تقوم الواردات وخدمة الديون خلال العام المقبل بمسح إجمالي احتياطيات جنوب إفريقيا، وفق التقرير.

ويتابع: "إذا تخلفت هذه الدول عن سداد ديونها السيادية، وهو الأمر الذي يبدو محتملا بشكل متزايد، فسوف يتم إبعادها عن أسواق الائتمان الدولية ولن تكون قادرة على إدارة الميزانية والعجز التجاري اللازم للحد من الوباء، لكن هذه الدول ليست الوحيدة التي ستعاني".

وأردف التقرير: "حتى إذا بدأ التخلف عن السداد في عدد قليل من البلدان، فسرعان ما ستلحق بها دول كثيرة بسبب إحجام المستثمرين واتجاههم إلى المسارات الآمنة التقليدية، مثل سندات الخزانة الأميركية والسندات الألمانية والذهب وغيرها". 

وقال: إنه "اعتبارا من أوائل أبريل/نيسان (2020)، كان المستثمرون الأجانب قد سحبوا بالفعل أكثر من 96 مليار دولار من الأسواق الناشئة، وهو معدل تدفق أعلى بكثير من ذلك الذي استقبل الأزمة المالية الأخيرة". ونتيجة لذلك، انخفض الراند الجنوب إفريقي والريال البرازيلي بنسبة 25 ٪ حتى الآن هذا العام. 

وسوف تدفع التدفقات الرأسمالية الإضافية هذه العملات إلى مزيد من الانخفاض، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الواردات الأساسية. وهذا ما حدث لأسعار المواد الغذائية بالفعل في جميع أنحاء إفريقيا، وفق التقرير.

وتابع: "تتوقع الأمم المتحدة أن القارة ستحتاج إلى إنفاق 10.6 مليار دولار إضافية على الرعاية الصحية هذا العام لمواجهة الوباء، معظمها لاستيراد المعدات الطبية والأدوية". 

وبالتالي، فإن المزيد من هروب رؤوس الأموال يعني تفاقم سوء التغذية وانتقال الأمراض بشكل أسرع والمزيد من الهجرة. وباختصار، إذا لم يتمكن العالم النامي من سداد ديونه، فإن الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية ستزداد سوءا على الجميع. 

ومن المؤكد أن الصين، حيث بدأ الوباء، تلقت ضربة اقتصادية. ويستدرك التقرير: "لكن مع وجود أكثر من 3 تريليونات دولار في احتياطي العملات الأجنبية، التي ظلت ثابتة طوال الأزمة، فإنها في وضع أفضل بكثير لمواجهة العاصفة من معظم المقترضين".

هؤلاء المقترضون، ومع انخفاض العملات، وفرار رأس المال، وتكاليف طبية باهظة تلوح في الأفق، ليسوا في وضع يسمح لهم بتسديد مستحقات الـ BRI إلى الصين، وفق التقرير.

على الرغم من أن بعض المعلقين يشبهون BRI منذ فترة طويلة بخطة مارشال للدول النامية، إلا أن المبادرتين لا يمكن أن تكونا أكثر اختلافا في النهج. 

ويوضح التقرير ذلك بالقول: "قد يكون حجم التمويل قابلا للمقارنة (بلغت قيمة مساعدات مارشال الأميركية حوالي 145 مليار دولار)، لكن أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد".

فقد كانت مساعدات مارشال كلها منحا، بينما كان تمويل BRI تقريبا كله ديون، وفق التقرير. ويتابع: "هذا الدين يخنق الآن الدول النامية وهي تكافح من أجل الخروج من جائحة مدمرة".

وبدلا من الإضافة إلى مشاكلهم، يتعين على الصين القيام بدورها للمساعدة في إخراج هذه الدول من الأزمة. يمكن أن تبدأ بإعلان وقف كامل لسداد ديون BRI حتى منتصف عام 2021 على الأقل، كما يقترح التقرير.