"زعامة العالم الغربي".. هل تنتقل من ترامب إلى كير ستارمر؟

منذ ١٠ أيام

12

طباعة

مشاركة

تشهد السياسة العالمية في السنوات الأخيرة تحولات جذرية أثرت على مفهوم "زعيم العالم الغربي"، والذي ارتبط تقليديا برئيس الولايات المتحدة.

ومع تغير السياسات الدولية، برز رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، كقائد عالمي مؤثر، خاصة في ظل جهوده لتعزيز وحدة أوروبا ودعمه المستمر لأوكرانيا، بحسب موقع "ميدوزا" الروسي.

ويوضح الموقع أنه بعد فوز حزب "العمال" في انتخابات 2024، قاد ستارمر إصلاحات داخلية كبرى، كما لعب دورا محوريا في العلاقات الدولية، لا سيما في التعامل مع إدارة دونالد ترامب. 

وبينما شهدت العلاقات بين واشنطن وكييف توترا، ظهر ستارمر كوسيط بين الطرفين، ما عزز مكانته كزعيم قادر على توجيه السياسات الدولية في مرحلة من عدم الاستقرار العالمي.

مسيرة لافتة

يبدأ الموقع الروسي تقريره بسرد حياة رئيس الوزراء البريطاني، موضحا أنه "قبل توليه رئاسة الوزراء، كان ستارمر محاميا متخصصا في الدفاع عن حقوق الإنسان". 

ويذكر الموقع أنه خلال الأشهر الثمانية الأولى من ولايته، شكّل حكومة شاملة ومتنوعة.

وإلى جانب ذلك، يلفت الموقع إلى أن ستارمر بدأ مسيرته السياسية متأخرا نسبيا؛ حيث كان محاميا محترفا تلقى تعليمه في جامعتي "ليدز" و"أكسفورد".

كما عمل لسنوات طويلة في مجال المحاماة، مع التركيز على قضايا حقوق الإنسان.

وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ساعد اثنان من نشطاء منظمة "غرينبيس" في تقديم شكوى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد شركة "ماكدونالدز"، التي اتهمتهم بالتشهير. 

وبحسب ما ورد عن الموقع، أصبح هذا النزاع القضائي أطول محاكمة مدنية في تاريخ المملكة المتحدة.

وفي بداية الألفينات، شغل ستارمر منصب مستشار لحقوق الإنسان في شرطة أيرلندا الشمالية.

ثم عُين في عام 2008 رئيسا لدائرة الادعاء الملكية؛ حيث قاد تحقيقات في عدد من القضايا البارزة. 

وهنا، ينوه الموقع الروسي إلى أنه لم يكن آنذاك ناشطا سياسيا، لكنه أدلى ببعض التصريحات السياسية؛ إذ صرح عام 2005 برغبته في إلغاء النظام الملكي البريطاني. 

ومع ذلك، لم يمنعه هذا الأمر بعد تسع سنوات من قبول لقب "فارس" من الملكة إليزابيث الثانية، تقديرا لمساهماته في النظام القضائي الجنائي.

وفي عام 2015، دخل ستارمر البرلمان لأول مرة بعد انتخابه نائبا عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس في لندن.

وبعد عام واحد فقط، أصبح عضوا في حزب "العمال"، الذي كان آنذاك في المعارضة، وتولى مسؤولية الإشراف على ملف “بريكست”.

وكما وصفها الموقع فإن "لحظة التألق الحقيقية" للمحامي، بدأت في عام 2020، عندما انتُخب زعيما لحزب العمال. 

جدير بالإشارة إلى أن الحزب، قبل ذلك بعام تعرض لأسوأ هزيمة انتخابية له خلال التسعين عاما الماضية، وكان على ستارمر العمل على إصلاحه.

ومن خلال تبني أجندة أكثر وسطية وعسكرية، تمكن الزعيم الجديد من تحقيق نتيجة مذهلة، وفق وصف التقرير.

ففي الانتخابات المبكرة التي جرت في يوليو/ تموز 2024، حصل حزب "العمال" على ضعف عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات 2019. كما حصل ستارمر على تفويض من الملك لتشكيل الحكومة.

وجاءت حكومته شاملة ومتنوعة، حيث ضمت ثلاثة ممثلين عن الأقليات العرقية وعددا قياسيا من النساء، اللاتي حصلن على نصف الحقائب الوزارية.

وكانت بداية ستارمر في الحكم تقدمية أيضا، إذ أعلن في أول يوم له في منصبه أن "خطة ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى رواندا، التي كان يروج لها سلفه ريشي سوناك، أصبحت ميتة ومدفونة".

وبشكل عام، يقول الموقع إنه "خلال الأشهر الثمانية الأولى من توليه السلطة، تمكنت حكومة حزب "العمال" من رفع الأجور في قطاعي الصحة والسكك الحديدية".

مضيفا أنها "فرضت إجراءات لحماية حقوق العمال من الفصل التعسفي، بالإضافة إلى إعلانها عن خطط لتأميم السكك الحديدية وزيادة الحد الأدنى للأجور، وهو ما كان متوافقا مع المبادئ التقليدية للحزب".

ولكن في الوقت نفسه، كانت الإجراءات المتعلقة بالميزانية أقل توافقا مع سياسات حزب "العمال". 

وهنا، يشير الموقع إلى أنه بهدف "تقليص عجز الموازنة"، اقترحت وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، ليس فقط خفض إنفاق الوزارات، بل أيضا تقليل المساعدات المخصصة للمتقاعدين. 

وقد أثار هذا الاقتراح انقساما داخل الحزب، حيث عارضه معظم الأعضاء، ما أدى في النهاية إلى عرقلته في مجلس اللوردات.

وسيط دبلوماسي

وفي هذا الإطار، يتحدث الموقع عن أن "ستارمر دبلوماسي يسعى لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ويظهر دعما ثابتا لأوكرانيا".

ويوضح الموقع أن المحامي السابق وجه دعوة "غير مسبوقة" لترامب للقاء ملك بريطانيا.

وعلى حد وصف الموقع الروسي، فإن ستارمر يحاول تعويض تحدياته في السياسة الداخلية من خلال تحقيق نجاحات في السياسة الخارجية.

ومن ناحية أخرى، يعكس الموقع أنه بفضل دعمه لأوكرانيا، أصبح يُنظر إلي ستارمر كـ"زعيم للعالم الحر"، حيث كان يصر على دعم أوكرانيا ودعوة محاكمة بوتين ورفاقه بسبب الحرب العدوانية. 

وفي هذا الصدد، يؤكد الموقع الروسي أن بريطانيا تُعد من أبرز الدول التي تقدم المساعدات العسكرية لأوكرانيا. 

ففي بداية توليه منصبه، التقى ستارمر بالرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مؤكدا دعم بلاده المستمر لأوكرانيا حتى عام 2030.

وذلك إلى جانب تقديم مساعدات عسكرية سنوية قيمتها ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، بحسب ما لفت إليه الموقع. 

وفي يناير/ كانون الثاني 2025، يذكر الموقع أن ستارمر زار أوكرانيا وأعلن عن "تدريب الجنود الأوكرانيين وتقديم 150 قطعة مدفعية ونظام دفاع جوي صاروخي متنقل". 

كما وقع البلدان اتفاقية "الشراكة المئوية" لمواجهة النشاط الروسي في بحر البلطيق والبحر الأسود.

ومن ناحية أخرى، يضيف الموقع أن ستارمر أكد، في فبراير/ شباط 2025، استعداده لإرسال قوات حفظ سلام بريطانية إلى أوكرانيا.

لكن مع بداية رئاسة ترامب، تغيرت طبيعة التعاون بين كييف ولندن، خاصة بعد أن بدأ ترامب بإلقاء اللوم على سلفه أو كييف في اندلاع الحرب.

وبالتالي، اضطر ستارمر لتعديل نهجه؛ حيث تجنب التصريحات الحادة التي قد تثير غضب ترامب، مع الحفاظ على دعم أوكرانيا.

وبحسب ما نوه إليه الموقع الروسي، فقد بدأ ستارمر التحضير مسبقا لهذه التغيرات في السياسة الأميركية. 

ففي أوائل 2024، جرت أولى الاتصالات بين حزب "العمال" البريطاني والجمهوريين الأميركيين، وبدأ المسؤولون البريطانيون في بناء علاقات مع المقربين من ترامب.

وفي 27 فبراير/ شباط 2025، زار ستارمر واشنطن وأعطى ترامب رسالة من الملك تشارلز الثالث، تتضمن دعوة لزيارة المملكة المتحدة. 

ويبرز الموقع هنا أن ستارمر أكد على أن الدعوة "غير مسبوقة" وتحمل "طابعا تاريخيا". من جانبه، استقبل ترامب الدعوة بحفاوة معلنا أنه سيقبلها. 

وبحسب وصف الموقع، كان اللقاء ناجحا من حيث الشكل؛ حيث أشاد ترامب بلهجة ستارمر ووصفه بأنه "مفاوض صعب". 

ومع ذلك، كانت النتائج محدودة؛ حيث أعلن ترامب عن احتمالية إبرام اتفاق تجارة حرة بين الدولتين، وهو ما يهم المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. 

ومن جهة أخرى، يبين الموقع أن ستارمر دعا ترامب للاستمرار في دعم أوكرانيا.

جدير بالذكر أن الرد من الجانب الأميركي كان أن المفاوضات مع أوكرانيا "تسير بشكل ممتاز".

وهنا، يتعجب الموقع من أنه بعد أقل من شهرين في السلطة، أظهر ترامب قدرته على تغيير مواقفه بسرعة؛ حيث دخل في خلاف مع زيلينسكي.

وبينما وصفت الـ"بي بي سي" هذا الخلاف بأنه أشبه بـ"الفضيحة"، يقول الموقع الروسي: إن "ستارمر تعامل مع الأمر بدبلوماسية، مشيرا إلى ثقته في الولايات المتحدة وترامب". 

كما استقبل رئيس الوزراء البريطاني زيلينسكي في لندن وأكد له دعم المملكة المتحدة الكامل.

وفي هذا السياق، ينقل الموقع الروسي عن صحيفة "بوليتيكو" الأميركية أن "ستارمر كان هو من أصلح الخلاف بين زيلينسكي وترامب من خلال وساطة خاصة بعيدا عن الأضواء، وتواصل مع كلا الطرفين، كما شمل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في الوساطة". 

وبعد التدخل، أعرب زيلينسكي عن أسفه لما حدث في واشنطن ووافق على توقيع اتفاقية بشأن الموارد المعدنية.

علاوة على ذلك، يذكر الموقع أن "ستارمر أيضا أجرى مكالمة مع ترامب قبل المفاوضات بين كييف وواشنطن في السعودية".

حيث سعى لإقناع ترامب باستئناف المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا.

“لحظة فوكلاند”

ورغم ما ذُكر سابقا، يشير الموقع الروسي إلى أن "ثمة شكوكا في قدرات ستارمر القيادية، والذي يشكل تحالفا من الدول المستعدة لأن تكون ضامنة لأمن أوكرانيا".

وفي 2 مارس/ آذار 2025، عُقد في العاصمة البريطانية قمة حول أوكرانيا، شارك فيها قادة 15 دولة داعمة لكييف ورؤساء المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية والأمين العام لحلف الناتو.

من بين أبرز نتائج القمة، خطة تضمن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا والحفاظ على الضغوط والعقوبات على روسيا، إضافة إلى الالتزام بمبدأ أن كييف يجب أن تكون طرفا أساسيا في أي مفاوضات سلام.

إلى جانب ذلك، أعلن ستارمر عن حزمة مساعدات جديدة لأوكرانيا بقيمة 1.6 مليار جنيه إسترليني لشراء خمسة آلاف صاروخ للدفاع الجوي.

ومن ناحية أخرى، يضيف الموقع أن "رئيس الوزراء البريطاني يعمل على إنشاء "تحالف الراغبين"، الذي سيضم دولا مستعدة لأن تكون ضامنة لأمن أوكرانيا". 

ومن وجهة نظر الموقع، هذا النشاط الذي يبديه رئيس الحكومة البريطانية جعله قائدا للجزء من العالم الغربي الذي لا يزال يدعم أوكرانيا ويرى في روسيا تهديدا لأمن أوروبا. 

ومع ذلك، ينوه الموقع إلى أن "منتقديه يشككون في قدرته على النجاح". 

لافتا إلى أنهم "يؤكدون باستمرار أن ستارمر ممل ولا يستطيع إلهام الآخرين".

وبالإشارة إلى أنه "يمتلك عقلية محامٍ"، يقول المنتقدون: إنه "منهجي وبطيء في اتخاذ القرارات، وهو أمر مفيد في مهنة المحاماة، لكنه ليس دائما مناسبا للسياسي الذي يُطلب منه غالبا سرعة التفاعل".

علاوة على ذلك، ينقل الموقع الروسي عن المنتقدين أنهم يرون أن "رئيس الوزراء البريطاني لا يتمتع بقناعات أيديولوجية واضحة".

وليس من قبيل الصدفة أن أحد أسباب نجاحه في الانتخابات البرلمانية عام 2024 كان "جهوده في دفع حزب العمال إلى مواقف أكثر وسطية". 

وفي هذا الإطار، يؤكد الموقع أنه "من الصعب على ستارمر التنافس في الكاريزما مع ماكرون الطموح والجذاب، أو مع فريدريش ميرتس، زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، الطموح والحاد في مواقفه وأقواله".

ولكن رغم ذلك، يعتقد الموقع أنه "في ظل الظروف الحالية، قد تتحول الصفات التي يراها معارضوه عيوبا إلى مزايا".

ففي رأي الموقع، ربما يكون التسلسل والمنهجية ما يحتاجه لتنسيق التحالف الذي لا يزال في طور التشكيل من عشرين دولة، ولضمان مكان لكل من أوروبا والمملكة المتحدة على طاولة المفاوضات للسلام حول أوكرانيا.

وبغضّ النظر عن تطورات الأحداث في الساحة السياسية الخارجية، فإن تصرفات ستارمر قد بدأت تؤثر بالفعل -على الأقل- في المملكة المتحدة نفسها.

وفي النهاية، ينقل الموقع عن الصحافة المحلية أنها تشير إلى أن "أوكرانيا قد تصبح بالنسبة لستارمر “لحظة فوكلاند”، في إشارة للصراع مع الأرجنتين عام 1982.

موضحا أن "الجهود المبذولة في الاتجاه الأوكراني ستعزز شعبيته كما أثرت حرب فوكلاند في عام 1982 على شعبية مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء المملكة المتحدة". 

ويختتم الموقع تقريره بأن "البيانات الأخيرة من الاستطلاعات تفيد بأنه إذا كانت شعبية تأييد ستارمر قبل ثلاثة أشهر عند مستوى 23 بالمئة، فإن نشاطه الآن يُقيم بشكل إيجابي من قبل 30 بالمئة من البريطانيين".