المواجهات على الحدود اللبنانية.. تقرب ملء الفراغ الرئاسي أم تزيد الهوة؟

مازالت قضية اختيار رئيس جمهورية في لبنان، تشكّل العقبة الأكبر في المشهد السياسي اللبناني، وذلك بعد بقاء كرسي الرئاسة خاليا منذ مغادرة الرئيس السابق ميشيل عون في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وإخفاق البرلمان بأكثر من جلسة في انتخاب شخصية بديلة.
ففي 14 يونيو/ حزيران 2023، فشل البرلمان اللبناني، للمرة الـ12، في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إذ لم تعقد الدورة الثانية لجلسة انتخاب الرئيس لعدم اكتمال النصاب القانوني، إثر انسحاب كتلتي الثنائي الشيعي "حزب الله" و"حركة أمل" وبعض المستقلين.
مبادرة جديدة
على ضوء الركود الطويل في هذه القضية، أعلنت كتلة "الاعتدال الوطني" في البرلمان اللبناني التي تقف على الحياد من الأزمة، إطلاقها مبادرة لانتخاب رئيس جديد للبلاد، وذلك بالتزامن مع حراك سياسي يقوده سفراء عدد من الدول بالاتجاه ذاته.
"الاعتدال الوطني"، التي تشكلت من ستة برلمانيين في يونيو 2022، تجري جولة على الكتل النيابية لعرض خطوط المبادرة والدعوة إلى تبنّي آلية تؤمن انتخاب رئيس في أقرب وقت.
ووفقا لما نشره موقع "الكتائب" اللبناني في 26 فبراير/ شباط 2024، فإن مبادرة الحوار التي دعت إليها كتلة "الاعتدال الوطني" البرلمانية تأتي كصيغة وسطية، بعد رفض المعارضة مرات عدة الحوار الذي كان دعا إليه رئيس البرلمان نبيه بري.
وتتركز مبادرة "الاعتدال" على لقاء نواب من كل الكتل في المجلس النيابي والتشاور على الهامش في الموضوع الرئاسي، فإن تم الاتفاق على مرشح، يدعو بري إلى جلسة لانتخاب الرئيس، وإن لم يتفقوا يُحدد موعدا لجلسة رئاسية مفتوحة بدورات متتالية حتى انتخابه.
ونقل الموقع عن أمين سر الكتلة هادي حبيش، قوله إن "الاجتماعات مع الكتل النيابية تتكثف، والسعي يجري لتتبنى كل الكتل الاقتراح بأن يتداعى النواب للنزول إلى المجلس النيابي لتأمين نصاب 86 نائبا".
وأوضح حبيش أن "المبادرة لا تشمل طاولة حوار تقليدية يرأسها شخص، ولا تفرض الاتفاق المسبق على اسم مرشح رئاسي واحد، بل يتم على أساسها عقد جلسة نيابية تشاورية ليوم فقط بدلا من 7 أيام، ويتعهد الحضور بعدم مقاطعة الدورات الانتخابية لحين فوز أحدهم وتصويت 65 نائبًا".
وتوقع حبيش الذهاب إلى "أكثر من دورتين، وأن الكل داعم للحراك الذي لاقى تجاوبا من غالبية مكونات اللجنة الخماسية (سفراء: فرنسا وأميركا ومصر والسعودية وقطر)، التي تبلغت من رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الضوء الأخضر أُعطي له".
وأردف: "على هذا الأساس، تواصلنا مع غالبية سفراء الخماسية وأطلعناهم على كل التفاصيل"، مشيرا إلى أنه "ليس المطلوب التخلي عن سليمان فرنجية أو جهاد أزعور إنما المطلوب أن يذهب الجميع إلى دورات متتالية".
وتابع، قائلا: "سنبارك للفائز أيا يكن، وقد نجحنا لليوم بتأمين أكثر من 86 نائبا مؤيدا للمبادرة"، مؤكدا أن كتله "لن تدخل بلعبة طرح أسماء مرشحين إنما خلال الجلسة التشاورية ستُطرح الأسماء من الكتل النيابية، وإذا تم التوافق على اسم واحد نكون قد نجحنا".
وأوضح حبيش: "أما إذا جرى التوافق من قبل الكتل على أكثر من اسم مرشح فحينها سنطلب من الرئيس بري فتح المجلس بدورات متتالية حتى يفوز أحد الأسماء المطروحة".
وأشار إلى أنه "بعدما تشاورنا مع الرئيس بري و(حزب) القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر، والكتائب والمستقلين، وافق الجميع على السير بالمبادرة، تشاورنا اليوم مع كتلة تجدد وتحالف التغيير والكل أبدى استعداده للسير بها".
وزاد: "سنجتمع بكتلة النائب فيصل كرامي وكتلة اللقاء الديمقراطي التي عرفنا أن أجواءها إيجابية حيال الحراك، ويبقى حزب الله، وتيار المردة اللذين ننتظر موعدا منهما، ولاحقا المرجعيات الروحية".
وفي حال رفض، حزب الله، وتيار المردة، وكتلة النائب فيصل كرامي، تبني مبادرة كتلة "الاعتدال الوطني"، أجاب حبيش: "وفقا لمجريات الأمور، فإنه سيتداعى النواب الذين تجاوبوا مع الموضوع، والذين يفوق عددهم الـ86 وينتخبون رئيسا بمن حضر".
تهيئة الأرضية
وبخصوص مدى نجاح المبادرة، قالت الكاتبة اللبنانية شهير إدريس إن "تحرك كتلة الاعتدال باتجاه الفرقاء يصب في خانة التمهيد لمرحلة سياسية جديدة ويتلاقى مع جهود دولية تسعى لتسهيل وتسريع انتخاب الرئيس ولبننة هذا الاستحقاق، رغم ارتباطه بتفاهمات خارجية، ولا سيما منها الأميركية والإيرانية والفرنسية والسعودية".
وأشارت الكاتبة خلال مقال نشره موقع "هنا لبنان" في 28 فبراير، إلى أن "زيارة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الأخيرة إلى بيروت وما حملته من مواقف تصب في نفس الاتجاه أي السير بديناميكية جديدة تواكب ما بعد انتهاء حرب غزة وجنوب لبنان والتسويات الإقليمية التي قد تحصل".
وبحسب معلومات الكاتبة، فإنه "لا حراك رئاسي يجري على وقع الحرب إنما يجري العمل على تهيئة الأرضية المناسبة بطريقة ناعمة وسلسلة للوصول إلى مرحلة ثانية تواكب المستجدات والتي يتم على أساسها بناء الموقف المناسب من الملف الرئاسي".
واختمت شهيرة إدريس حديثها بالقول: "يبقى السؤال هل سيكتب النجاح لمبادرة الاعتدال ليتعدل معها مزاج قوى الممانعة، ولا سيما حزب الله وتتخلى عن فرض مرشحها رئيس تيار المردة سليمان فرنجية لصالح مصلحة الوطن، أم أن الشياطين تكمن في التفاصيل، وتكون المبادرة محاولة فاشلة جديدة لسد الفراغ الحاصل رئاسيا؟".
وبحسب المادة 49 من الدستور اللبناني، يُنتخب رئيس الجمهورية في دورة التصويت الأولى بغالبية الثلثين، ويُكتفى بالغالبية المطلقة (النصف+1) في الدورات التالية بحال حضور 86 نائبا من أصل 128.
وانحصرت المنافسة الرئيسة في آخر جلسة للبرلمان لانتخاب الرئيس في 14 يونيو 2023، بين مرشح المعارضة جهاد أزعور، ومرشح الثنائي الشيعي "حزب الله" و"حركة أمل" سليمان فرنجية.
وحصل أزعور الذي رشحته المعارضة وأغلب القوى المسيحية والحزب التقدمي الاشتراكي وآخرين على 59 صوتا، في حين حصل فرنجية مرشح حزب الله وحركة أل حمل الشيعيتين وحلفائهما، على 51، وتوزعت بقية الأصوات على مرشحين آخرين.
وإثر عدم اكتمال نصاب الدورة الثانية من الجلسة، خرج رئيس البرلمان، رئيس حركة أمل حليف حزب الله، نبيه بري، من القاعة من دون تحديد موعد جديد لانتخاب رئيس للبنان.
وجوبه ترشيح أزعور بحملة قوية من "حزب الله" و"حركة أمل" بوصفه بـ"مرشح التحدي"، بينما يدعمه مؤيدوه للرئاسة على خلفية الانقسام الحاد على مستوى الاستحقاق الرئاسي، وطرح اسمه كـ"شخص وسطي لا ينتمي إلى أي حزب".
"إحباط الخماسية"
وفي موازاة مبادرة "الاعتدال الوطني"، أكد سفراء المجموعة الخماسية، لدى لبنان عزمهم على تسهيل انتخاب رئيس للبلاد ودعمه، حسب بيان أصدرته السفارة الفرنسية في 20 فبراير بعد اجتماعهم بقصر الصنوبر (مقر السفير الفرنسي في بيروت).
وكتبت صحيفة "الجمهورية" اللبنانية، أن اجتماع سفراء دول اللجنة الخماسية في قصر الصنوبر، لم يصدر عنهم أي موقف يوحي بحصول تقدّم ما في مَسعاهم في شأن الاستحقاقات اللبنانية، بل بيان مقتضب ركّز على الأفكار العامة التي تتداولها اللجنة الخماسية وسفراؤها.
وبحسب تقرير للصحفية في 21 فبراير، فإنه "لولا انشغال أربعة أعضاء من اللجنة بموضوع وقف الحرب في غزة، لكانت قد حققت خطوات ما حول الاستحقاق الرئاسي بعد تغيير مقارباتها في التعاطي مع هذا الاستحقاق، والتي وصلت إلى حد الاختلاف بين الأعضاء".
وأشارت إلى أنه لم يكن أحد ينتظر أن يخرج اجتماع سفراء الخماسية في قصر الصنوبر بـ"دخان ابيض" أو بإعلان ما يتعلق بالملف الرئاسي، بل أتى ردا على الاحباط الذي ساد جرّاء إشاعة أجواء عن أن المجموعة أخفقت في دورها، وأن خلافاتها هي أكبر من أن تتفق.
ولفتت إلى أن "رئيس مجلس النواب نبيه بري ليس في صدد الدعوةإلى مشاورات ثنائية وثلاثية ولا إلى طاولة حوار أو تشاور، لأن مواقف القوى السياسية الرافضة لهذا الأمر لم تتغير، وبالتالي لا جدوى من أي طاولة تشاور طالما أن النيات مفقودة والمواقف محسومة".
وشارك في الاجتماع الخماسي، سفراء: فرنسا هيرفيه ماغرو، وأميركا ليزا جونسون، والسعودية وليد البخاري، والمصري علاء موسى، وقطر سعود بن عبد الرحمن آل ثاني.
وأفادت الصحيفة بأن "اللجنة الخماسية لم تتوصل بعد إلى توافق كامل حول آلية إنجاز الاستحقاق الرئاسي، نتيجة اختلاف الآراء بين مكوناتها حول عدد من النقاط والتوافق فقط حتى الآن على مواصفات الرئيس العتيد، ونتيجة الانقسام اللبناني أيضا حول هذا الاستحقاق".
وأشارت إلى أن "السفراء ذهبوا للاجتماع من دون وجود أي اقتراح مشترك يجمعهم، بل اجتمعوا لتبادل وجهات النظر ولمناقشة أفكار يمكن أن تشكل قواسم مشتركة بينهم وبين الأطراف اللبنانية، خصوصا أن النقاش ما زال يدور حول الأفكار نفسها التي تم تداولها منذ أكثر من شهر".
وبحسب الصحيفة، فإن "ملخص هذه الأفكار: هل تتبنى اللجنة اسم مرشح معين أو أكثر؟ وهل تحدد مهلة زمنية لمجلس النواب لانتخاب رئيس أم لا؟ وهل تذهب بعض دول اللجنة إلى فرض عقوبات أو إجراءات حول مُعرقلي الاستحقاق الرئاسي؟".
وفي السياق ذاته، قالت صحيفة "السياسة" اللبنانية، إن "سفراء المجموعة الخماسية يتحركون لإزالة العقبات أمام انتخاب رئيس جديد للبنان، لكن الصعوبات تحول دون ذلك طالما بقي الثنائي الشيعي متمسكا بترشيح سليمان فرنجية".
وبحسب الصحيفة، فإنه "بعدما تبين للسفراء، من خلال الاتصالات والمشاورات التي قاموا بها، أنه لن ينتخب إلا رئيس توافقي للبنان، وبالتالي فإن بقاء فرنجية مرشحاً يشكل عقبة أمام إنجاز الانتخابات الرئاسية".
وأشارت إلى أن "تصلب الثنائي الشيعي في موقفه وإصراره على عدم التنازل عن فرنجية أصاب (الخماسية) بخيبة أمل، وهو ما أبلغه رئيس البرلمان نبيه بري للسفراء خلال لقائهم به قبل أيام، الأمر الذي رسم علامات استفهام كبيرة حول جدية الفريق الشيعي في سعيه لانتخاب رئيس للبلد".
وخلصت الصحيفة إلى أن "سفراء (الخماسية) باتوا محبطين في ظل تراجع الأمور عوض حصول تقدم يفضي إلى حصول الانتخابات الرئاسية في وقت قريب".
المصادر
- هل تملأ مبادرة "الاعتدال الوطني" الفراغ الرئاسي في لبنان؟
- “الخماسية” محبطة: تمسك الثنائي الشيعي بفرنجية يعرقل انتخاب الرئيس
- الجمهورية: سفراء الخماسية قرروا استئناف جَولتهم… وبرّي: لم تتغيّر المواقف ولا النيّات
- لبنان.. البرلمان يفشل للمرة الـ 12 في انتخاب رئيس الجمهورية
- مبادرة كتلة الإعتدال الوطني.. تهيئة أرضية المرحلة المقبلة للرئاسة بطريقة ناعمة