جنوب لبنان بلا جسور.. هل بدأ عزل الليطاني تمهيدًا لاحتلال إسرائيلي جديد؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع نهاية مارس/آذار 2026، تغيّر المشهد على ضفاف نهر الليطاني جنوب لبنان، بعد أن دمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي معظم معابره وجسوره، ضمن خطته لتوسيع حدوده والسيطرة على المنطقة.

هذا العدوان الذي بدأ بعد دخول حزب الله المعركة إلى جانب طهران في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، رافقه تصريحات سياسية إسرائيلية تُلمّح إلى احتلال جديد ضمن ما أطلق عليه “ترتيب حدودي”.

ماذا جرى؟

يعبر نهر الليطاني في قطاعه الجنوبي سبعة جسور ومعابر ثابتة تشكّل شبكة الربط الأساسية بين الساحل والداخل، وتتقدمها أربعة جسور رئيسة هي القاسمية، والخردلي، وقعقعية الجسر، والمعبر الواصل بين الزرارية وطير فلساي.

فيما تتوزع الجسور والمعابر الأصغر على محاور فرعية أبرزها القاسمية القديم، ومعبر الزرارية الفرعي. وتنبع أهمية هذا العدد المحدود من الجسور من أن أي استهداف متزامن لها لا يعطل المرور فحسب، بل يحول الليطاني نفسه إلى خطّ فصل فعلي بين جنوب لبنان وبقية البلاد.

وشملت الضربات الأخيرة جسر القاسمية الساحلي، وجسر قعقعية، والزرارية – طير فلساي، والمعبر الشرقي المعروف في بعض المصادر باسم جسر الدلافة، إضافة إلى معبر ثانوي قرب القاسمية، وإلى الطريق المؤدية إلى جسر الخردلي.

في التفاصيل، أعلنت إسرائيل للمرة الأولى في 13 مارس/آذار أنها قصفت الزرارية على الليطاني، مدعية أن حزب الله كان يستخدمه للتنقل بين شمال وجنوب النهر. 

وزير جيش الاحتلال إسرائيل كاتس حذر في البيان نفسه من أن الحكومة اللبنانية ستدفع “أثمانًا متزايدة عبر تدمير البنية التحتية وفقدان الأرض” إذا لم يُنزع سلاح حزب الله.

بعد خمسة أيام، أعلن كاتس أن جيشه دمّر جسرين إضافيين فوق النهر لكنه لم يحدّد موقعيهما، في حين أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن الضربات شملت طريقًا يؤدي إلى جسر خردلي عند وادي الحجير. 

في 22 مارس، قصفت المقاتلات الإسرائيلية جسر القاسمية على الطريق الساحلي الرابط بين صيدا وصور مرتين، وهو معبر رئيس للمدنيين والإمدادات، ثم صدرت أوامر عسكرية بتدمير جميع المعابر فوق الليطاني.

وفي 24 مارس، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن الجيش أنه ضرب “معبرا رئيسا آخر” هو جسر الدلافة، موضحًا أنه سبق أن “فجّر كل الجسور التي استخدمها حزب الله” وسيطر على الباقي لإقامة منطقة أمنية حتى حدود الليطاني. 

بعد يومين أكّد كاتس في تصريح لرويترز أن خمسة جسور دُمّرت بالفعل وأن الجيش سيُبقي على تدمير ما تبقى وفرض سيطرة على “المنطقة الأمنية حتى الليطاني”. 

لكن صحيفة واشنطن بوست أشارت إلى تدمير السبعة جسور على طول النهر، بينما أحصى مكتب أوتشا سبعة معابر رئيسة وثانوية في المنطقة، بعضها دمّر بالكامل وبعضها عُطّل.

وبحسب تحديث أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أدت الغارات بين 22 و23 مارس إلى تعطيل ثلاثة معابر رئيسة – تشمل جسور القاسمية –قعقعية والدلافّة –. 

فيما قال مركز "ألما" الإسرائيلي للأبحاث: إن الجيش استهدف ستة جسور أو معابر رئيسية حتى 24 مارس/آذار.

قصف جسر قعقعية الذي كان متضررًا سابقًا جعله غير صالح للخدمة تمامًا، أما قصف جسر الدلافة الذي يربط حاصبيا ومرجعيون بجزين والبقاع الغربي والشوف، فقد شدد عزل شرق الجنوب عن الغرب. 

عزل جغرافي

لا يقتصر استهداف الجسور على تدمير بنية فوق نهر؛ إذ إن العدوان ينقل الحرب إلى الجغرافيا المدنية ويعيد رسم خريطة المنطقة ويحول النهر إلى حاجز فعلي.

وفقا لتقرير أوتشا، أدى تدمير معابر القاسمية (الرئيسة والداخلية) وقعقعية والدلافة إلى عزل أكثر من 150 ألف شخص في جنوب لبنان عن الساحل والسهل، وقطع الطريق الساحلي بين صور وصيدا، وأربك الربط بين الساحل والداخل الجنوبي.

كما أصبح تأمين الغذاء والدواء رهينة طرق زراعية ضيقة تمر عبر بساتين الموز، فيما يحتاج المريض إلى ساعات للوصول إلى أقرب مستشفى شمالا. 

وأصبحت العائلات التي نزحت إلى قرى البقاع عاجزة عن العودة لأن الطرق المحاذية لليطاني جرى قطعها بفعل القصف الإسرائيلي.

ويمتد هذا العزل إلى القطاعات الاقتصادية، فجسر الدلافة مثلا كان شريانًا حيويًا لتجار الخضار ومزارعي الزيتون الذين ينقلون منتجاتهم من حاصبيا ومرجعيون إلى أسواق صيدا وجبل لبنان، ولذلك فإن تدميره أجبرهم على استخدام طرق جبلية تزيد تكلفة النقل وتعرضهم لخطر القصف.

كذلك، أدى تعطيل جسر قعقعية إلى فصل النبطية وبنت جبيل عن بعضها، ما أثّر على حركة الأهالي والطلاب. في المقابل، استخدم المدنيون جسور الكنّايات الداخلية بعد تدمير جسر القاسمية الرئيس، لكن القصف اللاحق جعله خارج الخدمة، ولم يتبقَّ سوى مسارب ضيقة عبر حقول الموز.

تأثير هذه الضربات على حزب الله لا يقل أهمية؛ فالجسور المستهدفة كانت تربط بين شرق والجنوب، إذ يوجد محور بلدات النبطية والبقاع الغربي، وغربه، حيث تنتشر القرى الساحلية، إذ وفّرت هذه الطرق مسارات لإمداد السلاح والتموين وإعادة الانتشار بسرعة.

كما عرقل تدمير جسر الزرارية ومحيط الدلافة، نقل التعزيزات من قضاء صور إلى منطقة جزين ومنع إعادة تموضع العناصر بسرعة. 

أما ضرب الطريق المؤدية إلى جسر خردلي فيعني قطع الربط بين مرجعيون والبقاع الغربي؛ حيث يُعتقد أن حزب الله يستفيد من التضاريس الجبلية لحركة قواته.

 ولا يضرب قطع المعابر حزب الله فحسب، إذ يزيد الضغوط على السكان ويجبرهم على البقاء في مناطق المواجهة أو النزوح عبر طرق وعرة.

 وبحسب ادعاءات جيش الاحتلال، استهدفت الضربات “منع نقل تعزيزات وأسلحة” من حزب الله إلى الجنوب، إلا أن النتيجة العملية تمثلت في عزل الأهالي عن المستشفيات والمدارس والأسواق.

ولم تقتصر الأضرار على الطرق، فقد تسببت الضربات في تلف أنابيب المياه في مرجعيون ومحطة كهرباء في سلطانية، مما رفع مخاطر نقص المياه وانقطاع الكهرباء. 

كما تجعل الضربات التنسيق بين الدفاع المدني والمنظمات الإنسانية أكثر تعقيدًا؛ إذ أشارت مذكرة لـ “أوتشا” إلى أنّ تضرر المعابر "يعطل بشكل كبير الوصول الإنساني"، وأن المنطقة باتت تعتمد على “قوارب صغيرة” لعبور المرضى ونقل المساعدات.

تمهيد للاحتلال؟

يحضر الليطاني في المخيال الأمني الإسرائيلي منذ عقود، ففي اجتياح 1978 ثم حرب 1982 ظهرت فكرة “الحزام الأمني” بين الحدود وفوق النهر. 

وأعاد القرار 1701 لعام 2006 تثبيت الليطاني كخطّ أمني مرجعي، عبر الدعوة إلى إنشاء منطقة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من أي أفراد أو أسلحة أو أصول عسكرية غير التابعة للدولة اللبنانية واليونيفيل.

هذا القرار جعل النهر خطًا افتراضيًا لتحديد منطقة خالية من سلاح حزب الله، لكنه لم يتطرّق لحدود دائمة ولم يمنح إسرائيل حق السيطرة على الضفة الشمالية.

ولا يُنظر إلى نهر الليطاني في هذا السياق بوصفه مجرد مجرى مائي لبناني، بل كأصل إستراتيجي يعيد تعريف جغرافية الجنوب كله، فهو أطول الأنهار اللبنانية وأغزرها، وينبع ويجري ويصب داخل الحدود اللبنانية، ما يجعله موردًا وطنيًا خالصًا لا تشاركه فيه دولة أخرى قانونيًا.

كما أن موقعه، الممتد من البقاع إلى البحر شمالي صور، منحه وزنًا يتجاوز الماء نفسه؛ لأنه يشكل خطًا طبيعيًا يفصل الجنوب عن بقية البلاد، ويربط في الوقت نفسه بين المورد الحيوي والمعنى الجيوسياسي.

وتنبع أهمية الليطاني أيضًا من كونه شريانًا اقتصاديًا ومائيًا للبنان، فمياهه تغذي بلدات واسعة، وتدعم مشاريع الري، وتخدم الأراضي الزراعية في البقاع والجنوب، كما ترتبط بدور حيوي في توليد الكهرباء عبر سد وبحيرة القرعون.

لذلك يبدو النهر، في هذا التصور، عنصرًا حاسمًا في الأمن المائي والغذائي والاقتصادي، لا مجرد مورد طبيعي يمكن الاستغناء عنه، بحسب دراسة سابقة لمجلة الدراسة الفلسطينية.

وأضافت الدراسة أنه “من هنا يصبح استهداف الليطاني منشآته أو تعطيل الاستثمار فيه وسيلة ضغط مباشرة على قدرة الجنوب على الصمود، وعلى استقرار سكانه وحياتهم اليومية”.

وقال الخبير العسكري والإستراتيجي حسن جوني في مقابلة تلفزيونية: إن استهداف الجسور الواقعة على نهر الليطاني يرتبط بأطماع إسرائيلية في مياه نهر الليطاني التاريخية بدأت منذ نشأة إسرائيل.

وأضاف أن الجسور لها أهمية كبيرة في البعد العسكري لكونها تشكل نقاط عبور أو نقاط اختناق، أي أن إغلاقها أو تدميرها يمنع الحركة أمام الآليات الثقيلة والخفيفة. مشيرا إلى أن تفجير الجسور يهدف لإضعاف فرص عبور حزب الله إلى المواقع التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي، لكنه لا يلغي هذا العبور.

وفي الحسابات العسكرية، تكمن أهمية الليطاني في تضاريسه، فمجراه، لا سيما في قسمه الغربي، يشكل حاجزًا طبيعيًا معقدًا تحيط به الوديان العميقة والخوانق الصخرية، بما يجعل المنطقة الواقعة جنوبه أقرب إلى جيب جغرافي يمكن عزله والتحكم بمنافذه.

 ولهذا تبدو السيطرة على الضفة الجنوبية للنهر، أو على المعابر المؤدية إليه، ذات قيمة تتجاوز بعدها الميداني المباشر؛ لأنها تمنح من يسيطر عليها قدرة على ضبط الحركة وعزل الجنوب عسكريًا بأقل كلفة نسبيًا، وفق مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS).

وأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل “توسع هذه المنطقة العازلة” ليبتعد خطر الصواريخ المضادة للدروع عن بلدات الشمال. 

فيما صرح يسرائيل كاتس أن الجيش سيسيطر على جسر الليطاني ويقيم منطقة أمنية حتى النهر، مؤكدًا أن "القوات الإسرائيلية ستسيطر على المعابر المتبقية". بالتوازي، صدرت أوامر إخلاء واسعة للسكان وتم تدمير منازل وأراضٍ زراعية، وتحدث المسؤولون عن “منطقة أمنية” و“حدود جديدة”. 

هذه التصريحات تتناغم مع نموذج ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة حيث أقامت منطقة عازلة واسعة عبر تدمير المنازل والأراضي الزراعية، كما ألمح كاتس بقوله: إن العمليات في لبنان تسير وفق “نموذج رفح وبيت حانون”.

لكن اللافت هو تصريح وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، حيث قال عبر إذاعة إسرائيلية: إن "الليطاني يجب أن يكون حدودنا الجديدة". ثم كررها في جلسة للكنيست قائلاً: إن الحرب يجب أن تنتهي بـ"واقع مختلف".

محللون في معهد تشاتام هاوس البريطاني حذروا من أن أي احتلال لمنطقة حتى الليطاني قد يُضاعف قوة حزب الله بدل أن يضعفها؛ إذ سيفاقم الغضب الشعبي ويعمق الكارثة الإنسانية. 

كما يشير تحليل لمركز كارنيجي الأميركي إلى أن قرار 1701 يفتقر لآلية تنفيذ وأن بعض الأصوات الإسرائيلية تطالب بدفع الحدود حتى نهر الأوّلي شمال صيدا، ملمحا إلى أن هذه التصريحات والضربات تعطي انطباعًا بأن النهر يُعاد هندسته كخط فصل عملي.