الإمارات وأوغندا وحميدتي.. ماذا يحدث في جنوب السودان؟

لا يمكن استبعاد دور الإمارات المشبوه في محاولة الانقلاب العسكري بدولة جنوب السودان
يوم 11 مارس/آذار 2025 تحدثت وسائل إعلام سودانية ودولية عن محاولة انقلاب عسكري في دولة جنوب السودان وتدخل الجيش الأوغندي لحماية الرئيس "سلفاكير ميارديت".
ويشهد جنوب السودان توترات عسكرية وسياسية متواصلة بين شريكي السلطة الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه الأول رياك مشار وصل حد المواجهات العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة، ما أثار مخاوف من اندلاع حرب أهلية جديدة، وإنهاء اتفاق السلام الهش الموقع عام 2018.
وأعلنت أوغندا أنها نشرت قوات خاصة في جوبا، عاصمة جنوب السودان، بعد اضطرابات داخلية، واستدعاء الرئيس الجنوبي لها، ما يشير لانفلات الأوضاع.
وتزامنت هذه الاضطرابات مع اتهامات من الجار الشمالي السودان للإمارات بدعم قوات الدعم السريع بقيادة حمدان قلو (حميدتي) عبر مستشفى أنشأته في جنوب السودان بالقرب من الحدود.
وتصنف جنوب السودان ضمن "الدول الفاشلة" منذ استقلالها عن السودان بسبب استمرار الحروب والصراعات داخلها، والفساد ونهب ثرواتها، رغم أنها تعتمد على النفط.
وانفصلت دولة جنوب السودان عن "السودان" عبر استفتاء شعبي في 2011، لكنها تشهد منذ عام 2013 حربا أهلية بين القوات الحكومية والمعارضة أخذت بعدا قبليا، بسبب الصراع بين الرئيس ونائبه رياك مشار.
ومنذ انفصال جنوب السودان، لم تجر أي انتخابات رئاسية، وتقول حكومة جوبا إنه من المقرر أن تجرى انتخابات رئاسية في عام 2026.

محاولة انقلاب
مصادر سودانية قالت لـ"الاستقلال": إن مواجهات مسلحة وقعت بين قوات الحكومة ومجموعات مسلحة، وجرى اعتقال وزراء ومسؤولين عسكريين، واستهداف مروحية أممية خلال الاشتباكات، ما أدى إلى مقتل 2 من طاقمها ومعهم جنرال من الجيش الجنوبي.
وأوضحت المصادر أنه تمت السيطرة على محاولة الانقلاب سريعا، والاستعانة بقوات أوغندا للانتشار في العاصمة ودعم قوات أمن وجيش سلفاكير.
وكشفت أن المحاولة الانقلابية قام بها "بنجامين بول ميل"، وهو نائب للرئيس سلفاكير، منذ 13 فبراير 2025، أي انقلب عليه بعد شهر واحد من تعيينه.
كما أنه قائد عسكري ورجل أعمال، له علاقات واسعة مع الإمارات، ومتهم بالفساد واستغلال النفوذ للحصول على عقود حكومية.
ويتردد بين السودانيين أنه "عميل يعمل لصالح المشروع الإماراتي"، وأن له صلة بمد الوقود والمرتزقة من جنوب السودان لمليشيا حميدتي بالسودان.
في 13 فبراير 2025، عينه الرئيس سلفاكير ميارديت نائبا له للشؤون الاقتصادية، وتُشير بعض المصادر إلى أن "بول ميل" يتمتع بعلاقات قوية مع دولة الإمارات ويوصف بأنه "رجل الإمارات الأول في جوبا".
وهو يقيم في مقاطعة أويل الشرقية بولاية شمال بحر الغزال التي شيدت بها الإمارات مستشفى لنقل مرتزقة وسلاح منها لقوات حميدتي في السودان، بحسب مراقبين.
وحين عيّنه الرئيس نائبا له، قالت وكالة "رويترز"، نقلا عن أبراهام كول نيون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا، أن: "كل المؤشرات حول بول ميل تتكشف، وأنه هو القوة الوحيدة التي يجب أن يحسب لها حساب في جنوب السودان".
وسبق في عام 2006، أن عمل "بول" في سكرتارية جيش الرب للمقاومة بقيادة رياك مشار، لكنه لاحقا تقرب من الرئيس سلفاكير وظل إلى جانبه خلال الصراعات الأخيرة.

في ديسمبر 2017، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بول بتهمة الفساد، مشيرة إلى استغلاله لعلاقاته مع الرئيس كير للحصول على عقود حكومية كبيرة لمشاريع بناء لم تُستكمل.
وشهدت الأسابيع الأخيرة زيادة ملحوظة في أعمال العنف في مناطق متفرقة من جنوب السودان.
ففي 5 مارس/آذار 2025، شهدت عاصمة جنوب السودان، جوبا، توترات متصاعدة إثر احتجاز نائب رئيس الأركان قابرييل دوب لام، المتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، المعارضة، التابعة لنائب الرئيس رياك مشار، وتم احتجازه في مقر قيادة الجيش.
ثم تم اعتقال وزير البترول بوت كانغ تشول والعديد من أعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضين من منازلهم، ما دفع قوات مشار للتحذير من انهيار اتفاق السلام بين قوات الحكومة والمعارضة الموقع عام 2018.
وتزامن هذا مع إعلان "الجيش الأبيض"، وهي ميليشيا تابعة لقبيلة "النوير"، ثالث القبائل المتنافسة في الجنوب بجانب الدينكا والشُلك، سيطرتها على مينة الناصر في ولاية أعالي النيل، قرب الحدود الإثيوبية، بعد اشتباكات مع القوات الحكومية.
واتهمت الحكومة "مشار" وحلفاءه بالتعاون مع مليشيا "الجيش الأبيض"، وأن هذا ما أدى إلى اعتقال عدد من حلفاء مشار.
وتهدد التوترات المتزايدة بإلغاء اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه عام 2018 ــ وهو اتفاق هش لتقاسم السلطة بين الزعيمين ــ والذي أنهى حربا أهلية وحشية استمرت خمس سنوات وأسفرت عن سقوط أكثر من 400 ألف قتيل.
ولو سقط النظام، واتفاقية 2018، ستكون هناك عواقب وخيمة وعودة المجازر والتطهير العرقي، وتحويل جنوب السودان إلى ساحة معركة للمليشيات والأنشطة غير القانونية، وخلق جبهة جديدة للصراعات بالوكالة في المنطقة.

رغم نفي جنوب السودان التقارير التي أفادت بوقوع انقلاب، أو نشر أوغندا قوات في عاصمتها جوبا، أكد المتحدث باسم الجيش الأوغندي فيليكس كولايجي، نشر القوات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في 11 مارس 2025 لكنه رفض الكشف عن التفاصيل.
ثم عاد متحدث الجيش الأوغندي ليقول لوكالة "رويترز" في 11 مارس إن "نشر القوات جاء بناء على طلب من حكومة جنوب السودان".
وأكد قائد الجيش الأوغندي الجنرال موهوزي كينيروجابا أن جنوده توجهوا بالفعل إلى دولة جنوب السودان لمساعدة رئيسها "سلفاكير" في "تأمين" المدينة.
وكتب الجنرال "كينيروجابا" على منصة التواصل الاجتماعي "إكس" يقول: "سنحمي كامل أراضي جنوب السودان كما لو كانت أراضينا".
ما علاقة الإمارات؟
بعد يومين فقط من زيارة وفد إماراتي لجنوب السودان بحجة افتتاح مستشفى يقع قرب حدود السودان، راجت أنباء محاولة الانقلاب والاشتباكات، واستعانة الرئيس سلفاكير بجيش أوغندا الحليفة.
الوفد كان برئاسة “شخبوط بن نهيان” وزير الشؤون الخارجية الإماراتي، ووفد استخباري إماراتي لافتتاح مستشفى "مادول" في 9 مارس 2025، والذي زار جوبا عدة مرات، آخرها في 22 نوفمبر 2024، والتقي رئيس السودان "سلفاكير ميارديت".
وربطت المصادر السودانية بين زيارة شخبوط لجوبا، وتوترات متصاعدة في دولة الجنوب، كان آخرها اندلاع اشتباكات عنيفة بين فصيل تابع لقائد المخابرات "أكول كور" في نوفمبر 2024، وقوات الحرس الجمهوري والجيش، بسبب إقالته من منصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه.
وأكد موقع "سودافاكس" أن هناك علاقة تربط "كور" مع الإماراتيين ولديه حسابات مالية في الإمارات.
وتفاعلا مع هذه الأنباء، قال الصحفي والناشط السوداني "مكاوي الملك": إن هذا ضمن "مخطط دويلة الشر الامارات"، مؤكدا أن "التدخلات الخارجية التي تقودها الإمارات ضمن أجندة صهيوغربية".
وقال، عبر أكس: إن هدف الإمارات من هذا الانقلاب والفوضى في جنوب السودان هو في نهاية المطاف السيطرة على مواردها المعدنية.
وأوضح أن السيناريو الإماراتي هو الانتقال من الفوضى إلى السيطرة، عبر إشعال النزاعات الداخلية، وإحياء الصراعات العرقية والسياسية القديمة بين الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار، لينهار اتفاق السلام الهش، وتعود الحرب الأهلية.
وأن ذلك يتم، كما فعلوا في السودان وليبيا، عبر استقطاب شخصيات سياسية وعسكرية، وتمويل مليشيات خاصة، بهدف خلق جيش موازٍ وتقويض السلطة المركزية، مما يسمح بالتحكم الكامل في البلاد عبر الفوضى.
ويعقب هذه الفوضى، وتفكك الحكومة المركزية، "فرض السيطرة الاقتصادية"، وانقضاض الإمارات على موارد جنوب السودان، خصوصا النفط والمعادن، تحت غطاء الاستثمارات، بينما يفرض مرتزقتها واقعا أمنيا يخدم مصالحها.
وتمتلك جنوب السودان احتياطات نفطية ضخمة ومعادن نادرة، وهي كنز تحاول الإمارات السيطرة عليه، مستفيدة من حالة عدم الاستقرار لإدخال شركاتها والاستحواذ على ثروات الجنوب تحت مسمى الاستثمار.
غطاء المستشفى
يوم 9 مارس 2025، افتتح “شخبوط بن نهيان” وزير الشؤون الخارجية الإماراتي، مستشفى "مادول" الميداني في جنوب السودان، في ولاية شمال بحر الغزال بجمهورية جنوب السودان، بحضور وزراء ومسؤولين من الإمارات وجنوب السودان.
رافق افتتاح المستشفى ثلاثة أمور لافتة: أولها، رصد تقارير سودانية وجود ضباط للاستخبارات الإماراتية خلال احتفال حاكم منطقة "أم أويل الشرقية" بافتتاح المستشفى.
والثاني: أن المستشفى تم افتتاحه في منطقة تقع على الحدود مباشرة بين جنوب السودان والسودان، وقرب مناطق تسيطر عليها قوات حميدتي.
والثالث: أن افتتاح المستشفى جاء بعد أيام من تقدم السودان بشكوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة "التواطؤ في إبادة جماعية" بسبب دعمها قوات الدعم السريع، الأمر الذي أثار غضب أبو ظبي، ودفعها لتحركات جديدة ضد السودان.

وفي نفس يوم افتتاح المستشفى، فضح "محمد بشير أبو نمو"، وهو وزير المعادن السوداني، والذي يقود مفاوضات بلاده في الخارج، استغلال الإمارات المستشفيات كغطاء للتحرك من خلالها لمد متمردي حميدتي بالسلاح، كما سبق أن فعلت في تشاد.
واتهم "أبو نمو"، في تصريحات نشرتها صحف منها "الأخبار" السودانية، جنوب السودان بالسماح للإمارات بإنشاء ما أسماه "قاعدة عدوان" على أرضها ضد السودان، تحت غطاء مستشفى ميداني في منطقة أويل الشرقية.
وقال: "هل سأل حاكم شمال بحر الغزال (أوبر ماوت) نفسه: لماذا تقيم دولة الإمارات مستشفى ميدانيا في مقاطعة "أويل الشرقية" من دون كل مساحة دولة الجنوب السودان الواسعة؟"
أضاف: “من يصدق أن المستشفى ستقام من قبل الإمارات في مثل هذا الموقع بالذات لتحسين وتقديم الخدمات الصحية لسكان المنطقة كما ذكروا؟”
وانتقد الوزير السوداني مسؤولي جنوب السودان الذين يدافعون عن المستشفى الإماراتي على الحدود مع بلاده، مؤكدا أن مستشفى الإمارات يلعب نفس دور مستشفى مدينة "أم جرس" الحدودية في تشاد.
وهو المستشفى الذي أنشأه حكام أبو ظبي كغطاء لنقل السلاح عبر الحدود لقوات حميدتي، وزعموا أن الهدف منه هو "تقديم الخدمات للشعب التشادي"، ولكن تبين أنه لعلاج جرحى مليشيا الدعم السريع والمرتزقة التابعين لها، ونقل السلاح لهم.
وقال الوزير السوداني "محمد بشير أبو نمو" إن الغرض الأساسي وغير المعلن، لكنه معروف في السودان، لبناء المستشفيين الإماراتيين في تشاد وجنوب السودان، هو "تشوين المليشيا بالعتاد العسكري تحت غطاء عمليات الهلال الأحمر الإماراتي".
ونفى وزير الخارجية والتعاون الدولي في جنوب السودان، رمضان محمد عبد الله جوك، اتهامات "السودان" بشأن دعم المستشفى الذي شيدته الإمارات بالقرب من الحدود، لقوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
وادعى وزير الخارجية لموقع "سودان تربيون"، في 11 مارس 2025، أن المستشفى الميداني في شمال بحر الغزال "هدية من رئيس الإمارات لتعزيز العلاقات الثنائية"، و"ليس الهدف منه استخدامه كقاعدة ضد أي شخص".
المصادر
- South Sudan denies Ugandan troops have deployed to its capital
- Uganda says it has deployed troops in South Sudan capital
- South Sudan Drawing Closer to the Brink of All-Out War
- Mystery in South Sudan after sacked spy boss mired in gun battle
- جنوب السودان ..إطفاء حرائق الإمارات أم إشعالها ..؟!
- جنوب السودان يرفض المزاعم المثارة حول دعم مستشفى إماراتي لقوات الدعم السريع