واشنطن تقيد تصدير الرقائق إلى الصين.. هكذا تحاول عزلها عن هذه الصناعة

منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

تتخذ الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة، قرارات غير مسبوقة لضبط تصدير تكنولوجيا أشباه الموصلات إلى الصين، في خطوة يقرأها مراقبون على أنها بداية عهد جديد في العلاقات بين القوتين العظميين.

وفي ظل المنافسة الشديدة بهذا المجال، شددت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في 29 مارس/آذار 2024، ضوابط تصدير الرقائق إلى الصين.

وتهدف مراجعة الضوابط إلى منع بكين من الحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي ومعدات تصنيع الرقائق الأميركية، بحسب ما يقول موقع “الصين. نت”.

ويسرد الموقع الصيني كيف أصبح مجال أشباه الموصلات ساحة معركة رئيسة في المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين وأحد محاور معركتهما الجيوستراتيجية.

تصعيد أميركي

وأوضح  لموقع أن إدارة جو بايدن تواصل منذ توليها السلطة تصعيد وتشديد الضوابط على تصدير أشباه الموصلات إلى الصين على أساس ما يسمى "الأمن القومي".

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2022، أصدر مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية "قاعدة نهائية مؤقتة" لفرض قيود مراقبة العملية الكاملة على الصين من جميع جوانب سلسلة توريد أشباه الموصلات والمعدات التقنية ذات الصلة بالمواهب المهنية.

وعلى حد قول الصحيفة، كانت شدة القرارات "غير مسبوقة"، مما جعل هذه الخطوة تبدو وكأنها "بداية عصر جديد في العلاقات الصينية الأميركية وحتى السياسة الدولية".

وفي أكتوبر 2023، بناء على "القاعدة النهائية المؤقتة"، عززت إدارة بايدن ضوابط التصدير إلى الصين على أشباه الموصلات الحاسوبية المتقدمة ومعدات تصنيعها بالإضافة إلى العناصر التي تدعم تطبيقات الحوسبة الفائقة.

وفي هذا الصدد، يقول الموقع إن "الإدارة الأميركية تعمل باستمرار على تصحيح الثغرات في ضوابط التصدير إلى الصين بناء على التطوير الفعلي لتكنولوجيا أشباه الموصلات".

ومن أجل تجاوز الحظر الذي فرضته إدارة بايدن على صادرات أشباه الموصلات إلى الصين في أكتوبر 2022، أجرت شركة التكنولوجيا الأميركية متعددة الجنسيات "إنفيديا" تعديلات على أساس الرقائق التجارية A100 وH100 وأطلقت رقائق A800 وH800 خصيصا للسوق الصينية. 

وكرد فعل، حدثت إدارة بايدن قواعد مراقبة الصادرات في أكتوبر 2023، مستهدفة أساليب الاستجابة الخاصة بشركة "إنفيديا". 

كما اتهمت وزيرة التجارة الأميركية غينا ريموندو، شركة إنفيديا، بأنها "تتلاعب فيما يتعلق بقيود التصدير المفروضة على الصين".

وبحسب "الصين.نت"، هددت ريموندو الشركة بأنها "إذا أعادت تصميم الرقائق في إطار قيود محددة بحيث يمكن استخدامها في مجال الذكاء الاصطناعي، فستضبط هذه الرقائق في غضون يومين".

وأكدت الوزيرة أنه "مع التقدم التكنولوجي، ستواصل الولايات المتحدة تحديث قواعد مراقبة تصدير أشباه الموصلات لتقييد وصول الصين إلى الأنواع المتقدمة منها".

وفي هذا الإطار، يبرز الموقع الصيني أن نظام قواعد مراقبة الصادرات في الولايات المتحدة يتسم بـ "إضافات وقيود تعسفية".

وبما أن إدارة بايدن لم توضح تعريف ونطاق "التقنيات الجديدة" و"أشباه الموصلات المتقدمة" التي يجب السيطرة عليها، فيمكن للحكومة الأميركية تعديل سياسة تصديرها إلى الصين في أي وقت حسب الحاجة.

استمالة الحلفاء

من جانب آخر، تعمل إدارة بايدن بنشاط على تجنيد الحلفاء لتشكيل "دوائر صغيرة" جديدة مختلفة لمراقبة صادرات أشباه الموصلات.

وهي تحاول بذلك "إجبار الدول الأخرى على فرض قيود التصدير وبناء خط دفاع دولي ضد الحصار التكنولوجي لصناعة أشباه الموصلات في الصين". 

وفي سبيل ذلك، في نهاية مارس/ آذار 2022، أطلقت واشنطن بادرة لتشكيل "تحالف الرقائق" لتوحيد شركات أشباه الموصلات الرائدة في اليابان وكوريا الجنوبية مع الشركات التايوانية، مثل TSMC وASE، للتحكم في توريد المواد وتصميم الرقائق وتصنيعها. 

ومن ناحية أخرى، في مايو/أيار 2023، أعلنت الحكومة اليابانية عن "قانون النقد الأجنبي والتجارة الخارجية" المنقح الذي يدعم لوائح التنفيذ الإداري لتعزيز ضوابط التصدير على 23 نوعا من معدات تصنيع أشباه الموصلات عالية الأداء في 6 فئات. 

ويضيف "الصين.نت" أنه في يونيو/حزيران 2023، أصدرت الحكومة الهولندية رسميا لوائح جديدة بشأن ضوابط التصدير الإضافية لمعدات أشباه الموصلات المتقدمة. 

ووفقا للائحة، فإن تصدير عناصر محددة متعلقة بتصنيع أشباه الموصلات من هولندا إلى وجهات خارج الاتحاد الأوروبي، يتطلب "التقدم بطلب للحصول على ترخيص تصدير مسبق من الجمارك الهولندية".

علاوة على ذلك، ينقل الموقع عن تقارير وسائل الإعلام الأجنبية أن إدارة بايدن تعمل بنشاط على إقناع الحلفاء، مثل ألمانيا وهولندا وكوريا الجنوبية واليابان، بفرض المزيد من القيود على تصدير المنتجات المتقدمة المتعلقة بالرقائق إلى الصين.

ضرر عالمي

ويشير إلى أن "الولايات المتحدة تكثف حملتها على تطوير صناعة أشباه الموصلات في الصين بهدف نهائي واحد فقط"، وهو "تسييس العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والتجارة واستغلالها كسلاح، للحفاظ على مزاياها وهيمنتها التكنولوجية". 

ونقلا عن تقرير إستراتيجية الأمن القومي لإدارة بايدن، يذكر بوضوح أن الولايات المتحدة تدعو بالفعل مشاركين "متشابهين في التفكير" لبناء نظام بيئي تكنولوجي دولي.

وبحسب التقرير، فإن هذا النظام البيئي "يحمي سلامة وضع المعايير الدولية ويعزز البيانات والتكنولوجيا والتدفق الحر للأفكار مع حماية أمننا وخصوصيتنا وحقوق الإنسان وتحسين قدرتنا التنافسية".

وفي هذا السياق، يؤكد "الصين.نت" أن "إدارة بايدن تحاول بناء نظام دولي جديد لأشباه الموصلات عالي التقنية غير مفتوح للمنافسين، وتجذب الدول القوية في صناعة الرقائق للانضمام إلى الحصار المفروض على بكين".

ولفت بذلك إلى أنها تتعمد إنشاء معسكرين من الرقائق، في محاولة لعزل الصين من سلسلة صناعتها للحفاظ على هيمنتها التكنولوجية.

ومع ذلك، يذكر أن “إدارة بايدن تواصل إساءة استخدام إجراءات مراقبة الصادرات، وهو الأمر الذي سيضر بمصالح الشركات الصينية والعالمية”.

فمن ناحية، أصبحت صناعة أشباه الموصلات معولمة إلى حد كبير، حيث أدت السيطرة غير السليمة من قبل إدارة بايدن إلى إعاقة التبادلات الاقتصادية والتجارية الطبيعية لشركات الرقائق والمواد وقطع الغيار في مختلف البلدان.

كما أنها قوضت قواعد السوق والاقتصاد والتجارة الدولية، وتهدد بشكل خطير استقرار وأمن السلسلة الصناعية العالمية وسلسلة التوريد.

وبهذا الشأن، تحدثت مقالة افتتاحية في صحيفة "ليانخه زاوباو" في سنغافورة عن أن "استبعاد الصين، مصنع العالم وإحدى أسواقه الرئيسة، سيضر حتما بالكفاءة الإجمالية لصناعة الرقائق، وبجميع أصحاب المصلحة".

وترى الصحيفة أن "الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن ذلك، وأنه لا محالة ستتضرر نوعية الاستهلاك وحياة الناس في جميع البلدان". 

ومن ناحية أخرى، يقول الموقع الصيني إن "سياسات واشنطن ستضرب الشركات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الأميركية". 

وتقدر غرفة التجارة الأميركية أنه “في أسوأ السيناريوهات، ستنخفض مبيعات أشباه الموصلات الأميركية إلى الصين إلى الصفر، كما ستواجه الشركات في الولايات المتحدة خسائر سنوية قدرها 83 مليار دولار وخسارة 124 ألف وظيفة”.

ومع الأخذ في الحسبان النمو المتوقع لسوق أشباه الموصلات العالمية، يوضح الموقع أن "حصة الشركات الأميركية ستنخفض بنسبة 13 بالمئة، وهو ما يعادل خسارة 95 مليار دولار من الإيرادات في عام 2027".

وبالنظر إلى تاريخ تطور أشباه الموصلات لأكثر من 60 عاما، يذهب الموقع الصيني إلى أن "تشكيل وتطوير سلسلة صناعة الرقائق العالمية وسلسلة التوريد هما نتيجة العمل المشترك لقواعد السوق وخيارات المؤسسات".

ويرى أن "أشباه الموصلات هي جوهر البنية التحتية الرقمية العالمية، وشرط أساسي للبشرية جمعاء للقضاء على الفجوة الرقمية، والأساس لضمان سبل عيش الناس في المجتمع الحديث".

ولذلك، يعتقد أن "الولايات المتحدة يتعين عليها أن تحترم بجدية القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية وقواعد اقتصاد السوق، وأن تتمسك بموقف موضوعي وعادل، وتلتزم بمبادئ السوق".

والأهم، بحسب الموقع، أن الإدارة الأميركية يتوجب عليها النظر إلى العلاقات الصينية الأميركية وتطورها وفقا للمبادئ الثلاثة المتمثلة في "الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون البناء".