اعتقال أكرم إمام أوغلو.. فساد مالي وإداري أم صراع سياسي تركي؟

منذ ١٤ يومًا

12

طباعة

مشاركة

في تحرك مفاجئ هز الساحة السياسية التركية، اعتقلت السلطات رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، بتهم فساد مالي ودعم تنظيم إرهابي، وسط أحاديث عن أن حقيقة هذا التحرك تكمن في الصراع السياسي الدائر مع الرئيس رجب طيب أردوغان.

وفي السياق، نشرت صحيفة “الصباح” مقالا للكاتب التركي "صالح تونا"، سلط فيه الضوء على اعتقال إمام أوغلو، والانقسامات داخل حزبه، الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، واستغلاله للإعلام لتعزيز مكانته، وهو ما أسهم في تصاعد التحقيقات ضده.

بين الحقيقة والإنكار

يقول الكاتب التركي: إن الساحة السياسية في تركيا شهدت تطورا لافتا بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، بتهم تتعلق بقيادة منظمة إجرامية، وغسيل الأموال، والاحتيال، والتلاعب بالمناقصات.

بالإضافة إلى مزاعم دعمه حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا “تنظيما إرهابيا”، وذلك من خلال ما يُعرف بـ"التوافق الحضري" الذي يعني الدعم المتبادل في الدوائر الانتخابية المتعلقة بمدن معينة.

وكما هو متوقع، تعالت الأصوات المعارضة لهذا الإجراء فورا، مرددةً عبارة واحدة بصوت واحد: "إنهم يريدون عرقلة طريقه لأنهم خائفون جدا من إمام أوغلو!"

والغريب في الأمر أنه لم يدعُ أحد من هؤلاء إلى انتظار نتائج التحقيقات أو الثقة في القضاء التركي. 

بل كان من الواضح أن هناك موقفا مسبقا يرفض أي احتمال لإدانته، حتى لو ثبتت جميع المزاعم.

وذكر الكاتب أنه يبدو أن المشكلة ليست في الاتهامات نفسها، بل في نظرة بعض الأطراف للقضاء. 

فهناك من لا يعير العدالة اهتماما إلا عندما تتوافق قراراتها مع مصالحه، بينما ينقلب عليها متى ما خالفت توجهاته. 

وهذا تحديدا ما يعكسه موقف داعمي إمام أوغلو الذين يتجاهلون أي تهم موجهة إليه، بغض النظر عن الأدلة.

وأشار الكاتب إلى أن هذه العقلية بالذات ربما كانت هي ما دفعت إمام أوغلو إلى الشعور بأنه فوق المساءلة. 

فقد اعتقد أن مجرد تبنّيه لموقف معادٍ للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية كفيل بحمايته من أي تبعات قانونية، مهما كانت أفعاله. 

وهذه الثقة المفرطة جعلته يتصرف دون قيود، حتى وصل به الأمر إلى التدخل في المناقصات بشكل غير قانوني، دون أن يتوقع أنه قد يواجه تحقيقا رسميا.

كما انعكس هذا الغرور في طريقته بالتعامل مع مؤسسات الدولة، فهو لم يتردد في إهانة المسؤولين، من الوالي إلى القضاة، عادّا نفسه فوق المساءلة. 

وحينما كان يُواجه بأسئلة محرجة عن ارتباطاته المثيرة للجدل، كان إمام أوغلو يرد بسخرية بدلا من تقديم توضيحات مقنعة. 

وهذه الطريقة في التهرب من الأسئلة لم تعد مفاجئة، فقد سبق أن استخدمها عندما سأله صحفي عن قضية التزوير في شهادته الدراسية؛ حيث ردّ مهددا: "انتبه، فقد يأخذون شهادتك أيضا...".

بين الغرور والسياسة

في عالم السياسة قد يكون الصعود سريعا، لكن السقوط يكون غالبا أكثر قسوة، يقول الكاتب التركي.

ويضيف: هذا ما يبدو أنه يحدث مع أكرم إمام أوغلو الذي وجد نفسه محاصرا بالاتهامات ليس فقط من خصومه، بل حتى من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه.

فلم تكن التحقيقات أو المنافسون السياسيون وحدهم سببا في موقف إمام أوغلو الحالي، بل إن غروره لعب دورا حاسما في هذه المعركة.

فقد ظن أن مجرد تبنيه خطابا مناهضا للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية يمنحه حصانة سياسية، متجاهلا أن السياسة لا تحمي دائما من المساءلة القانونية.

إن ما يثير الاهتمام هو أنه على عكس منصور يافاش، الذي انتقل من حزب الحركة القومية إلى حزب الشعب الجمهوري وظل يبدو كـ"ضيف غير مرحّب به"، استطاع إمام أوغلو التكيف بسرعة مع الانقسامات الداخلية للحزب، بل وتجاوز حتى الأعضاء الأكثر خبرة فيه.

والتحولات السياسية السريعة ليست غريبة على المشهد التركي. فمن يدري؟ ربما نشهد قريبا اعتلاء أسماءٍ انضمت حديثا لحزب الشعب الجمهوري مثل جمال إنغين يورت المنصاتِ معلنا: "أنا مرشح رئاسة حزب الشعب الجمهوري"!

أما منصور يافاش، فبالرغم من أنه قاد الحزب إلى الفوز في أنقرة مرتين، إلا أنه لا يزال يُعامل كأنه مجرد تابع. 

وإذا كانت ادعاءات البعض صحيحة بأن هناك من يسعى لعرقلة طريق إمام أوغلو "لخوفهم منه"، فكيف يمكن تفسير عدم عرقلة منصور يافاش، الذي حصل على نسبة أصوات أكبر منه؟

إستراتيجية الضحية

فمنذ لحظة فوزه، لم يُخف إمام أوغلو تطلعاته السياسية. فبدلا من التركيز على إدارة إسطنبول، كان ينظر إليها كجسر نحو أنقرة، وهي مركز السلطة الحقيقي، بحسب الكاتب التركي.

ولذلك فقد استغل موارد البلدية لصناعة شعبية مصطنعة، وفتح المجال أمام الإعلام للترويج له، في محاولة لفرض اسمه على الساحة الوطنية كمرشح رئاسي مستقبلي.

لكن مع شعوره بأن خطته تسير كما يريد، بدأ في ارتكاب أخطاء إستراتيجية. ومع تزايد نفوذه دخل في صراعات مع قيادات حزبه، بل وواجه اتهامات بعلاقات مشبوهة مع رجال أعمال. كل هذه العوامل جعلت سقوطه مسألة وقت.

وإدراكا منه للخطر القانوني الذي يحيط به، حاول إمام أوغلو المناورة من خلال تقديم نفسه كضحية لاستهداف سياسي. 

فبدأ أولا بمحاولة فرض سيطرته داخل حزب الشعب الجمهوري، ثم سعى لترسيخ اسمه كمرشح رئاسي لا يمكن تجاوزه. 

وأصبح اتهام الحكومة بملاحقته هو التكتيك الرئيس له، وذلك ليس فقط لجذب مؤيديه، بل أيضا لصرف الأنظار عن شبكة العلاقات المشبوهة التي كانت تحيط به، والتدفقات المالية غير الشفافة التي كانت ترتبط بإدارته.

ومع تصاعد التوتر بدأت تتكشف مفاجآت لم يكن يتوقعها الكثيرون.

فبينما يحاول أنصار إمام أوغلو تصوير القضية على أنها استهداف سياسي، تظهر الحقائق أن الأدلة الرئيسة التي استندت إليها التحقيقات لم تأتِ من خصومه السياسيين، بل من أقرب مساعديه داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه.

ففي صراع داخلي محتدم، قدمت شخصيات بارزة داخل الحزب وثائق وشهادات لم يكن بإمكان النيابة الوصول إليها حتى بعد تحقيقات طويلة. 

ويبدو أن الحسابات الحزبية وتصفية النفوذ داخل المعارضة لعبت دورا في تسريع سقوط إمام أوغلو، ما يعيد للأذهان سيناريوهات مشابهة في السياسة التركية حيث تأتي الضربات القاتلة من داخل البيت نفسه.

ومع انتشار الخبر بدأت الدعوات للنزول إلى الشارع، وتحركت الأسواق المالية بشكل غير طبيعي، وارتفعت أصوات تحذر من "انقلاب سياسي".

وبدا الأمر وكأن هناك محاولة لخلق حالة اضطراب عام من أجل تغيير مسار التحقيقات أو على الأقل إضفاء طابع المظلومية على القضية.

فإن الملاحقات القضائية ضد الشخصيات السياسية دائما ما تثير جدلا واسعا، وقد تؤدي إلى نتائج غير محسوبة. 

لكن هذه القضية تحديدا تكشف عن مشهد أكثر تعقيدا مما يبدو. فهل نحن أمام نهاية مشروع إمام أوغلو السياسي، أم أن هذه الأزمة ستفتح الباب أمام إعادة ترتيب الصفوف داخل المعارضة؟

في السياسة لا شيء محسوم، لكن المؤكد أن سقوط إمام أوغلو لم يكن وليد استهداف خارجي، بل نتيجة صراعات داخلية، وربما لم يكن يدرك إمام أوغلو أن نهايته ستأتي من حيث بدأ.