وسط تحولات إقليمية كبرى.. أزمة وجودية تعصف بأكبر أحزاب المعارضة التركية

الحزب الذي تأسس قبل أكثر من قرن يبدو الآن على وشك التحول إلى منصة فردية
تشهد منطقة جوار تركيا تطورات مهمة تؤثر بشكل مباشر على المشهدين الإقليمي والدولي، في مقدمتها التطورات في سوريا وأوكرانيا.
لكن على صعيد الداخل التركي، تقول صحيفة "صباح" في مقال للكاتب التركي "محمد أوفور"، إن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة بالبلاد، منشغل بالصراعات الداخلية بعيدا عن القضايا المصيرية التي تهم تركيا.
غياب عن التطورات
وأوضح الكاتب أنه في سوريا تم توقيع اتفاق تاريخي بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية الكردية "قسد" مظلوم عبدي، وهو ما شكل مفاجأة للجميع، بمن فيهم أولئك الذين كانوا يعتقدون أن الوضع في سوريا يسير في اتجاه التقسيم والفوضى.
فقد كانت هناك توقعات سابقة بأن دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" عبد الله أوجلان لإلقاء السلاح لن تشمل وحدات حماية الشعب، مما جعل البعض يعتقد أن ميزان القوى سيكون لصالحهم، ولكنّ هذا الاتفاق غيّر المعادلات.
وفي سياق آخر، تتجه الأنظار إلى مدينة جدة في السعودية، حيث يتم اتخاذ خطوات حاسمة لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات بين وروسيا وأوكرانيا المدعومة من الغرب.
وهذه الخطوات تعكس تحولات جديدة في المشهد الجيوسياسي العالمي، وقد تؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية.
أما في الغرب، فإن دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني من ضغوط أميركية متزايدة تجد نفسها بحاجة إلى تركيا للمساهمة في تشكيل بنية أمنية جديدة، في ظل حالة عدم الاستقرار المتزايدة
لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام هو التقارب المفاجئ بين الولايات المتحدة وروسيا، وهو أمر لم يكن متوقعا، وقد يؤدي إلى زعزعة التوازنات العالمية بشكل غير مسبوق.

وكل هذه التطورات الإستراتيجية هي على جدول أعمال تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، حيث تعمل أنقرة على تعزيز دورها الإقليمي والدولي وسط التحولات العالمية المتسارعة.
لكن في المقابل، عندما ننظر إلى المعارضة، نجد أن أولوياتها تبدو بعيدة كل البعد عن هذه القضايا المصيرية.
فعلى سبيل المثال، يركز رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، ورئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، على معارك سياسية داخلية بعيدا عن الانخراط في الملفات الدولية الكبرى.
وممّا يبدو فإن إمام أوغلو، الذي فرض ترشيحه للرئاسة على الحزب، يبدو منشغلاً أكثر بإدارة صراعاته الداخلية بدلاً من متابعة التطورات التي قد تؤثر بشكل مباشر على مستقبل البلاد.
وهذا الانفصال بين أولويات الحكومة والمعارضة يثير تساؤلات حول مدى استعداد القوى السياسية التركية لمواكبة التغيرات العالمية، وقدرتها على التعامل مع التحديات التي تواجه البلاد في ظل عالم متغير.
فبينما تتحرك أنقرة لترسيخ مكانتها كلاعب رئيس في المنطقة، لا تزال بعض الأطراف السياسية داخل تركيا عالقة في نقاشات داخلية ضيقة، غير مدركة لحجم التحولات التي يشهدها العالم.
إمام أوغلو ولعبة السيطرة
ولطالما افتخر حزب الشعب الجمهوري بتاريخه الممتد لمئة عام، بصفته أقدم الأحزاب السياسية في تركيا وأحد أعمدتها الرئيسة.
ولكنّ التحولات الأخيرة داخله تشير إلى مشهد سياسي غير مألوف، حيث يبدو أن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو قد فرض سيطرته الكاملة على الحزب.
لدرجة أن كثيرين يرون أنه أصبح الزعيم الفعلي، بينما تحوّل رئيس الحزب أوزغور أوزيل إلى مجرد شخصية رمزية.
وهذا الواقع لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل هو أمر يعترف به حتى كبار قيادات الحزب.
فقد قال بولنت قوش أوغلو، نائب رئيس الحزب السابق، خلال ظهوره في برنامج تلفزيوني: “حالياً، السيد أكرم هو الذي يحدد كل شيء في حزب عمره مئة عام”.
وأضاف: "لقد اختار رئيس الحزب، وعيّن أعضاء مجلس الحزب، والآن يريد أيضا تحديد المرشح الرئاسي. لم يبقَ شيء آخر. أجهزة الحزب لم تعد تعمل أصلاً".

وبغض النظر عن الطريقة التي نصف بها هذه الديناميكية الجديدة داخل حزب الشعب الجمهوري، فلا شك أن إمام أوغلو نجح في بناء نفوذ غير مسبوق داخله.
ففي حزبٍ بحجم حزب الشعب الجمهوري لم يعد أحد قادرا على تجاوز خطوط إمام أوغلو، بل إن تأثيره تخطى حدود الأعضاء والنواب ليصل إلى رئيس الحزب نفسه أوزغور أوزيل، الذي يبدو غير قادر على التحرك خارج الإطار الذي رسمه له إمام أوغلو.
والأكثر إثارة للانتباه هو وضع منصور يافاش، رئيس بلدية أنقرة، الذي يُنظر إليه على أنه أحد الشخصيات السياسية البارزة في الحزب.
فدون أن يدرك بات هو الآخر مقيدا داخل الحدود التي وضعها إمام أوغلو، مما يشير إلى أن التأثير الذي يمارسه الأخير لم يعد يقتصر على إسطنبول، بل امتد ليشكل خارطة النفوذ داخل الحزب ككل.
تكتيكات خفية
والسؤال الذي يتبادر للأذهان بعد الأحداث الأخيرة هي: هل يبني أكرم إمام أوغلو نفوذه داخل حزب الشعب الجمهوري عبر رؤية سياسية جديدة، أم أنه يعتمد على تكتيكات خفية وألاعيب تضعه في موقع الرجل الأقوى داخل الحزب؟
للإجابة على هذا السؤال، يكفي النظر إلى أسلوبه في الترويج لترشحه المحتمل لرئاسة الجمهورية، وهو الأسلوب الذي يمكن وصفه بـ"حملة الرجل الواحد".
فمن خلال خطابه الأخير في أنطاليا، بدا واضحاً أن إمام أوغلو يتجنب الخوض في القضايا المصيرية للبلاد، بل لم يذكر حتى مشروع "تركيا بلا إرهاب"، رغم كونه أحد أهم المبادرات لإنهاء عقود من الصراع مع التنظيمات الإرهابية.
وبدلا من التركيز على القضايا الكبرى التي تهم تركيا وشعبها، انشغل إمام أوغلو بإطلاق تصريحات عامة وجوفاء، متجاهلا حقيقة أنه حتى الآن لا يزال يعتمد على إرث الخدمات التي أنجزها حزب العدالة والتنمية في إسطنبول، دون أن يقدم بديلا واضحا أو رؤية متكاملة للمستقبل.
ولفت الكاتب النظر إلى أن استمرار هذا الوضع قد لا يؤثر على استقرار تركيا ككل، لكنه قد يضرب حزب الشعب الجمهوري في صميمه.
فالحزب، الذي تأسس قبل أكثر من قرن، يبدو الآن على وشك التحول إلى منصة فردية يتحكم بها إمام أوغلو، بينما يتحول رئيس الحزب أوزغور أوزيل إلى مجرد واجهة شكلية.
وحتى الشخصيات السياسية الأخرى داخل الحزب، مثل منصور يافاش، قد تجد نفسها خارج المعادلة تماماً إذا استمرت سيطرة إمام أوغلو دون رادع.

ويرى الكاتب أنّه ربما لهذا السبب بدأ الرئيس رجب طيب أردوغان في إبعاد نفسه عن التعامل مع أوزيل، بل ووجّه له تحذيرا مباشرا قائلاً: "لماذا نتعامل مع شخص يتلقى التعليمات من رؤساء البلديات التابعين له، بل ويتفوق على سلفه في التملق؟ للأسف، السيد أوزيل يبدد الفرصة التي أتيحت له، وإذا استمر في هذا المسار، فإن نهايته السياسية ستكون قريبة، تماما كما حدث مع كمال كليتشدار أوغلو."
وأضاف الكاتب: يبدو أن هذا المصير لن يكون حكراً على أوزيل، بل قد يمتد أيضاً إلى شخصيات أخرى مثل منصور يافاش، الذي قد يجد نفسه خارج المشهد السياسي إذا لم يتمكن من فرض نفسه وسط هذه الصراعات الداخلية.
وفي ظل هذه التطورات يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل سيتمكن إمام أوغلو من إحكام قبضته على حزب الشعب الجمهوري بالكامل، أم أن هناك مقاومة داخلية قد تعيد التوازن إلى المشهد؟
لا شك أن الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحزب، ولكنها أيضاً ستحدد شكل المنافسة السياسية في تركيا خلال السنوات القادمة.