تستخدمه ضد حماس.. ما قصة تشريع 702 الذي يسمح لأميركا بالتجسس على العالم؟

منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

قبل نحو 15 عاماً، صوت السيناتور الأسبق جو بايدن في الكونغرس على رفض تعديلات قانون للاستخبارات، شرع برنامجا سريا يسمح للحكومة بجمع ومراقبة المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والبريد الإلكتروني وغيرها لأميركيين وأجانب.

لكن الآن، وبعدما أصبح رئيسا، تبذل إدارة جو بايدن، جهودا من أجل تمديد هذا التشريع وهو "المادة 702"، بما يسمح للولايات المتحدة بتتبع الاتصالات والرسائل عبر الإنترنت الخاصة بدعاوى الاشتباه في قضايا إرهاب وتجسس.

ويسمح البند 702 لوكالة الأمن القومي "إن إس إيه" بمراقبة الاتصالات الرقمية للأجانب الذين يعيشون خارج الولايات المتحدة من خلال شركات أميركية مثل فيسبوك، وجوجل، بجانب اتصالات بين أميركيين وأجانب يعيشون في الخارج.

البند 702

لكن يحظر على وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التجسس على الأميركيين أو الأجانب داخل الولايات المتحدة.

وتجري معركة حامية بين إدارة بايدن ومجلس الشيوخ المخول بالموافقة أو الرفض، من أجل تمديد التشريع.

إذ يعترض النواب على التدخل في خصوصية الأميركان لو كانوا محور هذه الاتصالات، ويوافقون على التجسس على غيرهم من سكان العالم.

ولحث النواب على الموافقة، تحاول إدارة بايدن إقناعهم بأن هذا التشريع مهم لمراقبة حركة المقاومة الإسلامية حماس وادعاء أهمية تمديده لتحقيق هذا الغرض بعدما انزعجت واشنطن من هجومها على إسرائيل. 

وأنشئ قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) عام 1978، كإطار قانوني للمراقبة الإلكترونية بعد فضيحة "ووترغيت" التي جرت ما بين 1972 و1974.

وهذه الأخيرة أكبر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث تجسس خلالها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون (حكم من 1969 إلى 1974)، على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس في مبنى "ووترغيت" بالعاصمة الأميركية واشنطن.

وجرى توسيع القانون المذكور بشكل كبير في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 (تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك) لتزويد الوكالات الفيدرالية ووكالات الاستخبارات بسلطات مراقبة معززة، وفق ما قال موقع "إنترسبت" الأميركي 6 نوفمبر/تشرين ثان 2023.

وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أنشئ برنامج مراقبة الإنترنت والذي ينطوي تحته برنامج "بريزم" (PRISM) من دون إذن للمرة الأولى سرا، وجرى إقراره في قانون لاحقا بوضعه في البند رقم 702 من قانون المخابرات الخارجية.

وفي عام 2008، أقر الكونغرس الأميركي المادة 702 للسماح لوكالة الأمن القومي بوصول تلك الحسابات المستضافة في خوادم الولايات المتحدة، لغالبية سكان العالم عبر جوجل وفيس بوك، والتجسس عليها بدعاوى رصد ومتابعة أي قضايا إرهابية.

ويقوم بهذا الدور "وكالة الأمن القومي" عبر متابعة وجمع رسائل البريد الإلكتروني ورسائل الهاتف للمواطنين والمقيمين، ممن تشتبه فيهم. ويعترض البرنامج أيضا اتصالات بين أميركيين وأجانب يعيشون في الخارج.

ووفق ما قال موقع "واير" الأميركي في 11 ديسمبر/كانون أول 2023، ظهرت الحاجة لهذا البند منذ قرابة عقدين عندما رأت أجهزة الاستخبارات الأميركية أنها بحاجة للوصول إلى حسابات البريد الإلكتروني والهواتف الخاصة بأهداف أجنبية، مستضافة على خوادم الكومبيوترات في الولايات المتحدة.

ووفقاً لما ذكره موقع INTEL.gov الخاص بالاستخبارات الأميركية، تسمح المادة 702 بجمع معلومات استخباراتية مستهدفة لأنواع محددة من المعلومات الاستخباراتية الأجنبية.

وذلك مثل المعلومات المتعلقة بالإرهاب الدولي أو حيازة أسلحة الدمار الشامل، التي يحددها المدعي العام ومدير الاستخبارات الوطنية (DNI).

وأكدت ورقة بحثية لـ "مركز الديمقراطية وتكنولوجيا المعلومات" أن المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) تسمح بجمع واستخدام ونشر محتوى الاتصالات الإلكترونية المخزن عبر الإنترنت في الولايات المتحدة.

ويجرى جلب هذه المعلومات من خلال التجسس على خدمات مثل "فيسبوك، وجوجل، ومايكروسوفت"، وفق ما قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في 9 ديسمبر 2023.

خطورة التشريع

وتعد الصحيفة هذا البند 702" من أقوى أدوات التجسس، حيث تساهم المعلومات التي يجري جمعها بتوفير أكثر من نصف المعلومات الاستخباراتية التي تقدم للرئيس الأميركي يوميا.

فعلي سبيل المثال طلبت وكالة الأمن القومي من شركة ياهو (الأميركية) عام 2015 فحص البريد الوارد لعملائها "بحثا عن معلومات محددة طلبتها الحكومة بموجب قانون المخابرات البند 702"، وفق مسؤولين مطلعين بالإدارة الأميركية لوكالة "رويترز" البريطانية 6 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

ولخطورته، يجرى تجديد العمل بهذا التشريع بشكل دوري كل 4 سنوات، بعد مناقشته في الكونغرس، لضمان توفر أسباب الاستمرار بعمله في الوكالات الفيدرالية الأميركية.

واعترف مستشارو الرئيس جو بايدن، بالاستخدام غير السليم للمادة، لمراقبة المواطنين غير الأميركيين في الخارج، بحسب صحيفة "فرانكفورت ألجماينة (العامة)" الألمانية، نقلا عن وكالة الأنباء الفرنسية مطلع أغسطس/آب 2023.

كما وجهت انتقادات لمكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" أوائل 2023 لما عد انتهاكا لبيانات جمعت بموجب البند 702 واستخدمت للتجسس على "احتجاجات سياسية محلية أميركية".

أيضا اشتكت حملة الرئيس السابق، دونالد ترامب، عام 2016، من مراقبة السلطات لأفراد بها، عندما أثيرت مخاوف بشأن علاقات مزعومة مع روسيا.

وفي نوفمبر 2023 أصدر "مركز برينان للعدالة" وثيقة تشير إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي استخدم سلطة 702 للتجسس على النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الأميركيين ومنظمات الحريات المدنية والحملات السياسية والناشطين.

ولذلك اقترح المدافعون عن الحريات المدنية إصلاحات تتضمن فرض قيود على أنواع الاتصالات التي يمكن لمكتب التحقيقات الفيدرالي التجسس عليها، وضرورة الحصول على مذكرة رسمية تقيد عمليات التفتيش بموجب قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية.

ووضع حد للثغرة التي تسمح للوكالات الفيدرالية بمراقبة الأميركيين عن طريق شراء البيانات من وسطاء القطاع الخاص.

وفي مايو/أيار 2023، قال باتريك تومي من اتحاد الحريات المدنية الأميركي: "لقد وسعت الحكومة بشكل كبير نطاق تجسسها بموجب البند 702 بطرق لم يفكر بها الكونغرس على الإطلاق، لكنها ترفض إطلاع الأميركيين على ما تفعله".

وأظهرت وثائق نشرتها محكمة استخبارات المراقبة الخارجية السرية، منتصف 2023، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي أساء استخدام قاعدة بيانات خاصة للاتصالات الشخصية للأميركيين.

إذ أجرى بحثا عن أسماء ضحايا جرائم ومشاركين في احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" وأحداث اقتحام مبنى الكابيتول التابع للكونغرس، في عام 2021.

وبحسب وثائق العميل السابق لدى وكالة الأمن القومي، إدوارد سنودن، نشرت في عام 2013، فإن فيسبوك وجوجل ومايكروسوفت وأبل و"إيه أو إل" وسكايب وياهو، برامج يجري التجسس عليها بموجب هذا البند 702، رغم نفي هذه الشركات إمكانية الاطلاع المباشر على بيانات المستخدمين.

لذلك، وعقب طلب إدارة بايدن تمديد هذا التشريع، الذي انتهى العمل به في ديسمبر 2023، اعترض عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، وأجلوا خلال اجتماعهم في 14 من نفس الشهر، المناقشة حوله لعام 2024.

وأكدوا أن تجديد القانون بحاجة إلى مراجعة لتحسين حماية المعلومات الشخصية للأميركيين، بحسب تقرير لـ "وكالة الأنباء الفرنسية" 9 ديسمبر 2023.

وكانت "وول ستريت جورنال" قالت إن تمديد التشريع عالق بسبب "البيئة السياسية المتزايدة الاستقطاب" بين الكونغرس الذي توجد به أغلبية من الجمهوريين، وإدارة بايدن، وأنه يتوفر دعم قوي لتمديده لكن البعض يريد إصلاحه أو التخلي عنه كليا.

لكن قرار الكونغرس، سمح باستمرار العمل بالبند 702، حتى أبريل/نيسان 2024 فيما سيجري البحث في فترة لاحقة عما إذا كان سيتم تجديده لفترة طويلة من عدمه.

ووافق الكونغرس عام 2018، على تمديد القانون، وفي 2014، خلصت لجنة مستقلة إلى أن تشريع مراقبة اتصالات الأجانب على الإنترنت مفيد في الحملة ضد الإرهاب وجددته أيضا.

كما أن إمكانية استهداف الأميركيين، ثغرة تسهل على الوكالات الفيدرالية العمل ضد قطاعات واسعة من سكان الولايات المتحدة، وكانت سببا في حملات المدافعين عن الحريات المدنية على الحكومة.

وبسبب إساءة استخدام سلطة 702 إلى حد كبير، أوصى المجلس الاستشاري للاستخبارات التابع للرئيس جو بايدن بتقليص صلاحيات مكتب التحقيقات الفيدرالي في القدرة على التلاعب بسلطة التحقيق مع الأميركيين ومحاكمتهم.

وترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن السؤال الآن هو: "هل ستتغلب إدارة بايدن على الشكوك المتزايدة بين الجمهوريين ومخاوف المدافعين عن الخصوصية التقليديين لتجديد القانون قبل انتهاء صلاحيته قبل نهاية العام 2023؟".

وفي يوليو/تموز 2023، قدمت 21 منظمة للخصوصية والحقوق المدنية والحريات المدنية رسالة مشتركة إلى مجلس الشيوخ تطالب بعدم إعادة تفويض المادة 702 بدون "الإصلاحات" مثل فرض طلب مذكرة "للتجسس" على الأميركيين ومراجعة قضائية.

ضد حماس

كان ملفتا كشف كبار مسؤولي إنفاذ القانون والاستخبارات في رسالة للكونغرس، أن "البند 702" أساسي "للتعرف على المنظمات الإرهابية الأجنبية بما في ذلك حماس"، لتشجيع النواب على تمريره.

لكن رفضوا الكشف عن التفاصيل السرية التي تحيط ببرنامج التجسس ككل، واكتفوا بالاستشهاد بأمثلة تاريخية لـ "المؤامرات الإرهابية" التي ساعد البند 702 في منعها، إلا أنها لم تقدم تفاصيل تتعلق بالصراع الدائر حاليا في الشرق الأوسط.

فخلال مؤتمر صحفي عقده مجلس الشيوخ في أوائل نوفمبر 2023، أشار مسؤول فيدرالي في مجال مكافحة الإرهاب إلى هجوم حماس الذي وقع في 7 أكتوبر 2023، ليحث الكونغرس على إعادة تمديد هذا التشريع.

"كريستين أبي زيد" مديرة المركز الوطني لمكافحة الإرهاب قالت أمام لجنة الأمن الداخلي بمجلس الشيوخ، إن هناك حاجة لتمديد هذا التشريع بعد الإشارة بشكل متكرر إلى هجوم حماس على إسرائيل، وفق موقع "إنترسبت" 6 نوفمبر 2023.

أشارت إلى المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، الذي يُمكن الحكومة من جمع كميات هائلة من المعلومات الاستخبارية دون طلب أمر قضائي أولاً.

وقالت إن هذه المادة "توفر مؤشرات وتحذيرات رئيسة بشأن الخطط والنوايا الإرهابية، وتدعم الاضطرابات الدولية، وتمكن من تقديم الدعم الاستخباراتي الحاسم، لأمن الحدود، وتعطينا رؤية إستراتيجية للإرهابيين الأجانب وشبكاتهم في الخارج"، وفق تعبيرها.

وقبل تصريحات "أبي زيد" أمام لجنة الأمن الداخلي بمجلس الشيوخ، طالب أيضا مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي "كريستوفر راي" ووزير الأمن الداخلي "أليخاندرو مايوركاس"، من النواب توسيع صلاحيات المراقبة لتشمل إجراء تحقيقات مع الجماعات المؤيدة لفلسطين.

وخلال مناقشات تمديده في الكونغرس يومي 14 و15 ديسمبر 2023، قال "ماثيو أولسن"، مساعد المدعي العام لقسم الأمن القومي بوزارة العدل، في بيان: "لا يمكننا أن نتعامى عن التهديدات العديدة التي نواجهها من الأعداء الأجانب.

وذكر من هؤلاء الأعداء "إيران والصين، وحماس وتنظيم الدولة"، وفق ما قال موقع "أكسيوس" الأميركي في 16 ديسمبر 2023.

أيضا زعم مدير مكتب التحقيقات الفدرالي "كريستوفر راي" أمام الكونغرس وهو يحذر من عدم تجديد تمديد البند 702 من أن هذا "سيكون بمثابة نزع سلاح أحادي الجانب ضد مستويات التهديد الإرهابي التي ارتفعت منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر على إسرائي"ل، وفق وصفه.

واعترف "راي" في تصريحات لشبكة سي إن إن في 6 ديسمبر 2023 أنه "لا توجد معلومات تشير إلى أن حماس لديها النية أو القدرة على تنفيذ عمليات عبر الحدود (الأميركية)". 

إلا أنه زعم أن "مكتب التحقيقات الفيدرالي لا يستبعد هذا الاحتمال، ويشعر بالقلق إزاء أنصار حماس الذين يشاركون في أعمال العنف نيابة عن الجماعة"، ليُشعر النواب بالخطر كي يوافقوا على تمديد البند 702.

وقبل ذلك بدأ المدعي العام في فيرجينيا، نوفمبر 2023 تحقيقًا في أنشطة جمع التبرعات لمنظمة "مسلمون أميركيون من أجل فلسطين" غير الربحية، بما في ذلك الادعاءات بأنها تدعم حماس، التي يصنفونها "جماعة إرهابية".

وسبق أن دخل مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى قاعدة البيانات (خوادم جوجل وغيرها) 278 ألف مرة في السنوات الأخيرة وغالبا دون مبرر، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية" 20 مايو 2023.

وتتضمن قاعدة البيانات رسائل شخصية بالبريد الإلكتروني ورسائل نصية واتصالات أخرى تقول وكالة الأمن القومي إنها تقوم بمسحها عندما تتجسس على الأجانب.