تسريبات الفساد تحاصر حكومة السوداني في العراق.. من يقف وراءها؟

يوسف العلي | منذ ٥ أشهر

12

طباعة

مشاركة

جدل واسع في العراق، بسبب موجة تسريبات صوتية، تخص سياسيين ومسؤولين عراقيين قريبين من رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوادني، وهم يتفقون على رشا مالية بملايين الدولارات، مقابل تقديم تسهيلات في المواقع المهمة التي يتولون إدارتها ضمن المؤسسات العليا في الدولة.

كيفية الحصول على التسجيلات التي بدا البعض منها وكأنه مكالمات هاتفية، وأخرى رسائل صوتية أرسلت عبر تطبيق “واتساب”، كانت من أهم التساؤلات المثارة، فضلا عن الجهات التي تقف وراء عملية التسريب، والهدف من نشرها في التوقيت الحالي.

فضيحة التسجيلات

آخر التسريبات الصوتية التي أحدثت هزة في الأوساط الشعبية والسياسية، كان تسجيلا صوتيا منسوبا إلى السياسي العراقي خميس الخنجر، يشكو فيه إلى السوداني، من بعض التصرفات التي تجرى في دائرة استثمار أموال الوقف السُني، ومما يحدث فيها من بيع لبعض العقارات.

ويتهم الخنجر في التسجيل الذي تداولته مواقع التواصل الاجتماعي وسائل إعلام عراقية، في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، عبد الصمد نجل رئيس البرلمان الحالي محمود المشهداني، بالسعي إلى السيطرة على دائرة استثمارات أموال الوقف السني، وبالتالي تبدأ السرقات، ويكون الأمر بمثابة فضيحة كبرى.

وقبله بثلاثة أيام، انتشر أيضا، تسجيل صوتي منسوب إلى رئيس هيئة المستشارين في مجلس الوزراء العراقي، عبد الكريم الفيصل، مبديا امتعاضه من تسلمه مليون دولار فقط، عن أحد المشاريع الاستثمارية، كونه هو من "تعب" في تسهيل الموافقات، لكن ذهبت بقية الملايين إلى أحد الوزراء (لم يذكر اسمه).

بدوره، نفى رئيس هيئة المستشارين، عبد الكريم الفيصل، التسريبات الصوتية المنسوبة له، مدّعيا أنها "مفبركة"، وأن القضاء يجب عليه التدخل لحل القضية.

وفي 28 أكتوبر، انتشر تسريب صوتي منسوب إلى مدير عام هيئة الضرائب في العراق، علي وعد علاوي، وهو يتحدث عن قيامه بالتلاعب بالنسب الضريبية لصالح إحدى الشركات مقابل الحصول على رِشا مالية.

واتخذت الحكومة العراقية إجراء بحق علاوي، وهو إيقافه عن العمل لمدة 60 يوما واعتقاله على ذمة التحقيق، بينما فتحت السلطات في نهاية أكتوبر "تحقيقا في المعلومات التي تضمنها التسريب الصوتي المنسوب إلى المدير العام للهيئة العامة للضرائب" علي علاوي بحسب بيان رسمي في 11 نوفمبر.

وقبل ذلك، وتحديدا في 11 سبتمبر، انتشر تسجيل صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنه للقاضي حيدر حنون رئيس هيئة النزاهة، والذي تحديث فيه عن "سائق سيارة كان عليه أن ينقل أكثر من مليار ونصف المليار (دون الإفصاح عن العملة) بحذر، لكن أحدهم اعترف بالأمر". وتابع: "أخبرتكم أن الأعين مفتوحة".

وبعد ساعات من تداول التسجيل الصوتي، طلب رئيس الادعاء العام من محكمة تحقيق الكرخ الثالثة التحقيق فيه، لأنه "يتضمن جرائم تقاضي رِشا"، ثم صدرت مذكرة قبض بحق حنون لرفضه المثول أمام المحكمة.

لكن في 22 أكتوبر، قرر السوداني، إعفاء حيدر حنون من منصب رئيس هيئة النزاهة، وتسميته مستشارا إلى رئيس الحكومة، رغم صدر مذكرة قبض بحقه من القضاء العراقي.

"سلاح المفلسين"

على الصعيد الرسمي، قالت الحكومة العراقية خلال بيان أصدرته في 8 نوفمبر، إن الملاحقة القانونية مستمرة لكل طرف أو جهة تروّج أو تختلق الأكاذيب والأخبار العارية عن الصحة، التي تستهدف تشويش الرأي العام وتضليله، والتغطية على الفاسدين".

ورأت الحكومة العراقية أن التسريبات الغرض منها "استهداف الفريق الحكومي وما قدّمه من نجاحات رقمية واضحة في ملفات كانت تمثل عقدة صعبة أمام الأداء الخدمي والاقتصادي على مدى سنوات".

وتابعت: "نشر الأكاذيب هو سلاح المفلسين، وحيلة الذين لا يرتجون مكانة صادقة ومقدّرة في ضمائر أهلنا وأبناء شعبنا، وكلما خطت الحكومة خطوة واضحة للأمام، كالإنجاز الذي أغاظ الفاسدين والحاقدين المتمثل بتسلم أرصفة ميناء الفاو الكبير، ينبري المزيّفون إلى بثّ الأكاذيب الرخيصة، التي لم يعد من العسير تقفّي منطلقاتها، وتتبع من يقف خلفها محاولا تعويض ما خسره، وبالتالي سيأخذ القانون مساره الصحيح إزاء تعمّد التلفيق والكذب والافتراء".

وبحسب البيان، فإن "هناك من يتخادم مع الفساد، أو يصر على استبدال دوره الذي رسمه الدستور بامتهان التهريج والكذب، فقط لتشويه المنجز الحكومي الملموس، ويتعمّد تلويث كل الجهات بانحرافاته، بعد أن تلقى ضربات موجعة، ولم يبق ملف للفساد إلّا وتعاملت معه يد العدالة".

من جهته، قال ربيع نادر مدير المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي، خلال تدوينة على منصة "إكس" في 8 نوفمبر، إن "أبسط وأسهل وأيسر ما يمكن اليوم هو أن نفبرك الأصوات وننشر الاكاذيب كما يفعلون، لكننا نترفع عن تلك الأساليب الرخيصة فهي خيار المفلسين".

وأضاف: "خيارنا الذي لن نحيد عنه، هو مجابهة الكذب بالمعلومة الدقيقة والحقيقة الواضحة، وسنواصل العمل بكل أمانة وصدق كما يستحق أبناء شعبنا الكريم. نتمسك بقوة القانون. وثقتنا كاملة بالقضاء وإجراءاته لردع أصحاب التلفيق والكذب".

يأتي موضوع التسريبات، بعد شهرين على اعتقال شبكة "تنصت وابتزاز" من مكتب رئيس الحكومة العراقية، يديرها محمد جوحي، الذي يشغل منصب معاون مدير عام الدائرة الإدارية في مكتب رئيس الوزراء، وسكرتير الفريق الحكومي، ومسؤول التواصل مع نواب البرلمان.

وعبرت قضية "شبكة جوحي" عن صراع خفي بين قادة في الإطار التنسيقي الشيعي، وتحديدا نوري المالكي، بمساندة من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وبين رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، بحسب مراقبين.

وفي 5 سبتمبر، أصدر الإطار التنسيقي بيانا بعد اجتماع قادته بحضور السوداني، أكد فيه أنه استمع إلى ملخّص من رئيس الوزراء بشأن ما يتم تداوله من خروقات من بعض موظفي مكتبه، إذ أكد أهميّة محاسبة كل من يثبت تقصيره، معبرا عن دعمه القضاء في تحقيقاته وإجراءاته.

"صراع محتدم"

وبخصوص الجهات التي تقف وراء التسريبات الأخيرة للمسؤولين في حكومة السوداني، رأى الباحث في الشأن العراقي، لؤي العزاوي، أن "تتابع التسريبات لا يأتي من فراغ، خصوصا أنها كلها تستهدف مسؤولين أتى بهم رئيس الحكومة شخصيا ليتسلموا فيها المسؤولية، وليست عبر ترشيح القوى السياسية، بالتالي كلهم محسوبون عليه".

وأوضح العزاوي في حديث لـ"الاستقلال" أن "التسريبات لا تبعد عن الحرب الدائرة بين قوى الإطار التنسيقي مع رئيس الحكومة الحالية، والتي لا بد أن تنته باستسلام أحد الطرفين للآخر، لا سيما المالكي ومعه القاضي فائق زيدان، أو السوداني".

وأشار إلى أن "المالكي يسعى إلى إبعاد السوداني عن الترشح إلى الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لأن الأول لا يزال يريد الوصول إلى تولي رئاسة الحكومة في ولاية ثالثة، ولا يجد منافسا له سوى رئيس الوزراء الحالي الذي يهدف هو الآخر إلى تجديد الثقة به لولاية ثانية".

وفي السياق ذاته، قال علي المشكور، النائب عن الإطار التنسيقي، القريب من السوداني، إن "التسريبات أمر مدبر بإحكام، وأن ما يحصل هو استهداف لشخص رئيس الوزراء محمد. صحيح أن من جرى تسريب تسجيلات عنهم هم مقربون من الأخير، لكن قد يُخترق الشخص أثناء توليه للمنصب".

وأضاف المشكور خلال مقابل تلفزيونية في 11 نوفمبر، أنه "من غير المنطقي تحدّث البعض أن السوداني هو من يتنصت على المسؤولين التابعين لحكومته ثم يسربها من أجل إحكام القبضة على باقي المسؤولين، لأنه لا يحتاج إلى ذلك كونه يتمتع بصلاحيات كبرى تتيح له إبقاء الشخص الفلاني في منصبه أو إقالته".

وأشار النائب إلى أن "التسريبات تخص أشخاصا محددين في الدولة، وما يجرى حاليا هو صراع سياسي غير نزيه، وأن المستفيد الوحيد هو من يحاول أن يجعل من الحكومة لعبة في يد هذه الكتلة أو تلك. وأن قوى الإطار التنسيقي التي انبثقت منها الحكومة من الممكن أن يختلفون فيما بينهم".

وعلى الصعيد ذاته، توقع المحلل السياسي والخبير الأمني العراقي، سرمد البياتي، بأن هناك تسريبات أخطر من تسريبات المالكي ستظهر خلال الأيام المقبلة، وأن تسجيلات الأخير على الرغم من صحتها إلا أنهم أغلقوها".

وفي يوليو/ تموز 2022، نشر الإعلامي العراقي المقيم في الولايات المتحدة علي فاضل، تسريبات صوتية للمالكي، يهاجم فيها الحشد الشعبي ويصفه بـ"بأمة الجبناء"، كما يتوعد بقتال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في النجف، كونه يحمل مشروعا بريطانيا، الأمر الذي أثار حينها ضجة سياسية كبيرة لكنها سرعان ما اختفت دون محاسبة لأحد.