ترامب يلوّح بتغيير النظام في طهران.. هل اقتربت ساعة المواجهة؟

"الرهان على انهيار إيران السريع قد يكون خطأ إستراتيجيا كبيرا"
تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن واشنطن "جاهزة ومتأهبة" في حال استخدمت طهران العنف ضد المحتجين، أدّى إلى رفع مستوى التوتر حول الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025 داخل إيران.
ونشر مركز "إيرام" التركي مقالا للكاتب إسماعيل ساري، ذكر فيه أن “هذه الاحتجاجات، التي بدأت من بازار طهران ثم انتشرت إلى مختلف المدن، لم تعد تُقرأ كحراك داخلي فقط، بل بات يُنظر إليها كعامل قد يقود إلى أزمة أمنية إقليمية”.
ولفت الكاتب النظر إلى أن "توقيت تصريح ترامب لم يكن عابرا؛ إذ جاء مباشرة بعد خطوة أميركية حاسمة في فنزويلا استهدفت القيادة السياسية هناك".
وأشار إلى أن “هذا التزامن فسّرته طهران على أنه رسالة تحذير مباشرة، مفادها أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لتكرار السيناريو نفسه في أماكن أخرى، بما فيها إيران”.

تهديدات خطيرة
وقال الكاتب: إن "أحداث عام 2025 عززت هذا القلق الإيراني، فقد شاركت واشنطن بشكل مباشر في المواجهة التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران، عندما دعمت الهجمات على منشآت نووية وعسكرية إيرانية ضمن عملية (مطرقة منتصف الليل) وبعد ذلك بفترة قصيرة، نفذت واشنطن عملية (العزم المطلق) في فنزويلا".
ورأى أن "هاتين العمليتين أظهرتا أن تهديدات ترامب لا تبقى في إطار التصريحات السياسية، بل يمكن أن تتحول إلى استخدام فعلي للقوة العسكرية إذا رأى ذلك ضروريا".
وفي انتهاك للقانون الدولي، شنّ الجيش الأميركي في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، هجوما على فنزويلا، أسفر عن قتلى واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة.
وذكر الكاتب أن "التجربة الفنزويلية تكشف أن واشنطن لم تعد تعتمد الغزو العسكري الشامل كما في أفغانستان والعراق، ولا حروب الوكالة كما في ليبيا وسوريا، بل اتجهت لأسلوب جديد يقوم على استهداف قمة النظام مباشرة، أي تصفية القيادة السياسية والعسكرية، وذلك لإجبار نظام جديد على القبول بالمصالح الأميركية دون الدخول في حرب طويلة ومكلفة".
واستطرد: “هذا التحول يطرح سؤالا محوريا: هل يمكن لترامب أن يحاول تطبيق هذا النموذج على إيران، عبر عمليات نوعية تستهدف المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار قادة النظام، بهدف فرض التخلي عن البرنامج النووي والصاروخي وفتح الاقتصاد الإيراني أمام الولايات المتحدة؟”
واستدرك الكاتب التركي: "منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حافظت السياسة الأميركية تجاه إيران على جوهر ثابت، رغم اختلاف الأساليب بين الإدارات".
ولفت إلى أن "الهدف كان دائما احتواء إيران ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، مع إبقاء باب التفاهم مفتوحا بشروط أميركية".
وأوضح ساري أن "الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، ثم انسحاب ترامب منه واعتماده سياسة (الضغط الأقصى) لم يكونا مسارين متناقضين، بقدر ما كانا أدوات مختلفة للهدف نفسه، وهو ضبط إيران".
لكن خلال ولاية ترامب الأولى أدت سياسة العقوبات إلى نتيجة عكسية؛ إذ دفعت إيران إلى تسريع برنامجها النووي، وهو ما زاد من خطر المواجهة العسكرية، كما فشلت إدارة جو بايدن لاحقا في إحياء المسار الدبلوماسي.
بينما في ولايته الثانية، اتجه ترامب إلى نهج أكثر صدامية، وخرج عن القاعدة التقليدية التي تتجنب المواجهة المباشرة، من خلال المشاركة في الضربات ضد البنية النووية الإيرانية.
وهذا التطور يشير إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى منطق "الحرب الوقائية"، أي منع الخطر بالقوة قبل أن يتفاقم.

سوء التقدير
وقال الكاتب: إنه “في السابق، كان ترامب يؤكد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، بل فقط إلى منعها من امتلاك سلاح نووي”.
واستدرك: "لكن بعد حرب يونيو/ حزيران 2025، تغيّر خطابه بشكل واضح، فقد طرح علنا فكرة تغيير النظام تحت شعار (اجعلوا إيران عظيمة مجددا)، في إشارة إلى أن المشكلة لم تعد محصورة في السلاح النووي، بل في طبيعة النظام نفسه".
وأردف الكاتب: "صحيح أن ترامب لم يعلن رسميا دعمه إسقاط النظام الإيراني، لكنه أرسل إشارات قوية في هذا الاتجاه؛ مثل تشجيع المحتجين، والتصريح باستعداد واشنطن لمساعدتهم، إضافة إلى الضغوط المتزايدة من التيار المتشدد في الولايات المتحدة واللوبي الإسرائيلي".
ولفت إلى أن “الثقة الإستراتيجية التي اكتسبها ترامب من تصفية القيادة في فنزويلا، والتي دفعت بحدود صلاحياته الرئاسية، تبدو وكأنها تقوده إلى تبني أهداف قصوى مماثلة تجاه طهران”.
وذكر أن “التدخل منخفض التكلفة نسبيا في فنزويلا جعله ينظر إلى ساحة معقدة وعميقة كإيران على نحو مبسط ومضلل، غير أن محاولة كهذه لن تكون مجرد خطأ مكلف، بل ستشكّل أيضا عمى إستراتيجيا خطيرا يتجاهل السياق التاريخي”.
وعلق الكاتب بأن "إيران ليست فنزويلا، ولا يمكن التعامل معها بالمنطق نفسه، فهي دولة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، وخبرة طويلة في مواجهة الضغوط والعقوبات، إضافة إلى نفوذ إقليمي يمنحها عمقا إستراتيجيا يحمي النظام".
وقال: إن "الأكثر من ذلك هو أن الوعي السياسي الإيراني ما زال متأثرا بانقلاب عام 1953 المدعوم أميركيا ضد (رئيس الوزراء) محمد مصدق، وهو حدث شكّل أساسا مهما للعداء تجاه التدخل الخارجي وأسهم لاحقا في قيام ثورة 1979".
وأضاف "لذلك، فإن أي تدخل خارجي اليوم لا يُنظر إليه داخل إيران كدعم للتغيير، بل كمحاولة جديدة لفرض الهيمنة".
وفي هذا السياق، قد لا يؤدي الضغط الخارجي إلى إضعاف النظام، بل يمنحه فرصة لإعادة توحيد الداخل حول خطاب "التهديد الخارجي"، وتعزيز شرعيته بدل تقويضها.
وأشار الكاتب إلى أن "ترامب لا يعارض تغيير النظام في إيران من حيث المبدأ، لكنه يخشى كلفة تدخل طويل وغير مضمون النتائج، وإذا اقتنع بأن التدخل سيكون سريعا ومنخفض التكلفة، فقد يتجه إليه دون تردد، خاصة في ظل ضعف القيود المؤسسية على قراراته".
واستدرك: "لكن الرهان على انهيار إيران السريع قد يكون خطأ إستراتيجيا كبيرا، لا يؤدي فقط إلى فشل سياسي، بل إلى زعزعة استقرار إقليمي واسع، وإعادة إنتاج الأزمات نفسها التي واجهتها الولايات المتحدة سابقا في الشرق الأوسط".
















