بالأمر المباشر.. لماذا أخفى السيسي عملية بيع بنك القاهرة لـ"الكفيل" الإماراتي؟

اختصاص الإمارات وحدها بالصفقة حفز كثير من الاقتصاديين على طرح التساؤلات
يبدو أن مصر على وشك فقدان أحد أعمدتها المصرفية، إذ تستعد الحكومة المصرية في خطوة مفاجئة، لنقل ملكية "بنك القاهرة" إلى الإمارات، في صفقة تثير العديد من التساؤلات حول الشفافية وأسباب البيع وتداعياته على الاقتصاد المحلي.
وكشفت مواقع محلية ودولية أن الحكومة أعطت الضوء الأخضر لمصرف "الإمارات دبي الوطني" لبدء الفحص النافي للجهالة (عملية تحقق قانونية وفنية تُجرى قبل إبرام الصفقات)، تمهيدا للاستحواذ على ثالث أكبر كيان مصرفي حكومي في البلاد.
وأوضح موقع "الشرق بلومبيرغ" في 10 مارس/آذار 2025 أن المؤسسة المالية المملوكة حاليا لبنك مصر، باتت قريبة من الانتقال إلى ملكية إماراتية، في صفقة قد تتجاوز قيمتها مليار دولار.
وسعى نظام عبد الفتاح السيسي، على مدى السنوات الماضية إلى طرح "بنك القاهرة" في البورصة المصرية، ضمن عملية الخصخصة الواسعة التي بدأتها الحكومة مبكرا.
إلا أن الأمر لم يتحقق على الرغم من طرح أسهم البنك في سوق الأوراق المالية منذ عام 2017.
ومع ذلك فإن الصفقة الإماراتية تحمل كثيرا من الجدل، لا سيما أنها تتم بالأمر المباشر دون أطروحات أو منافسة، ويحاط بها سياج من السرية.
وهو ما دفع إعلاميين محسوبين على النظام للتساؤل: لماذا ينتقل أحد أهم البنوك المصرية للإمارات، المتوغلة بقوة في القطاع المصرفي المصري؟
ولماذا فشلت عملية البيع خلال السنوات الماضية بينما تمرر حاليا؟ وهل البنك يحقق خسائر أم أرباحا ليتم بيعه من الأساس؟
بالأمر المباشر
يمتلك "بنك القاهرة" محفظة ودائع تتخطى 347 مليار جنيه (قرابة 7 مليارات دولار)، حتى نهاية سبتمبر/ أيلول 2024.
فيما بلغت القروض والتسهيلات للعملاء نحو 187.4 مليار جنيه (الدولار = 50,47 جنيها) بنهاية نفس الفترة، وكذلك يضم البنك، 250 فرعا داخل مصر وخارجها.
والأكثر أهمية أن البنك المصري، يمتلك أصولا تقارب 450 مليار جنيه، أي ما يزيد عن 9 مليارات دولار.
وهو ما جعله مطمعا لكثير من القوى الإقليمية، حتى إن مؤسسة كويتية كانت قد أبدت رغبتها في الاستحواذ على البنك، بحسب مصدر خاص لـ "الشرق بلومبيرغ".
لكن الحكومة المصرية سمحت فقط لبنك الإمارات دبي الوطني، الذي يعد أكبر مصرف في الدولة الخليجية، بالمضي قدما في الصفقة.
وذكر المصدر أن الحكومة المصرية تعمل على قدم وساق من أجل إتمام تلك الصفقة في أقرب وقت ممكن، ثم وضع جدول زمني محدد، وقال: "إنه من المتوقع إنجازها في غضون شهر ونصف".

تساؤلات إلى العلن
اختيار الإمارات وحدها دون غيرها بصفقة بنك القاهرة حفز كثيرا من الصحفيين الاقتصاديين المصريين لطرح التساؤلات والاعتراضات.
وقال الصحفي الاقتصادي المصري مصطفى عبد السلام: “لا أعرف، هل الجهات الرقابية المسؤولة في الدولة المصرية على علم بتفاصيل الصفقة المثيرة والتي تخالف القوانين القائمة والأعراف المصرفية”.
وتابع خلال مقال في 13 مارس/ آذار 2025: “إذا كانت هناك ضرورة قصوى لعملية البيع، لماذا لا تطبق الحكومة التجربة السابقة في طرح بنك القاهرة، أو تأخذ في الحسبان فشل حكومات سابقة ونافذين في الدولة في بيعه بالأمر المباشر سواء لبنوك خليجية أو عربية وأجنبية"، خاصة أنه لم يخرج علينا أحد ليؤكد وجود منافسين للبنك الإماراتي على صفقة البيع. وفق عبد السلام.
وأثار علامات استفهام أخرى عندما أورد أنه إذا كانت هناك حاجة ملحة لبيع واحد من أهم البنوك المصرية، فلماذا لا تجرى عملية الطرح في مناقصة عالمية، تتم من خلالها دعوة البنوك العربية والعالمية والمحلية للتقدم بعروض شراء مالية وفنية؟
كذلك دخل على خط التساؤلات الإعلامي المصري (حامل الجنسية السعودية) عمرو أديب، وهو من المحسوبين على نظام عبد الفتاح السيسي.
وكتب تغريدة عبر حسابه بموقع "إكس"، تضمنت: "أظن هيكون صعب أو بالأحرى من المستحيل أن مصر تبيع بنك القاهرة في السر".
وأكمل: "أكيد هنفهم مين متقدم للشراء والمبلغ المطروح لهذا البنك الناجح.. بنحاول نبيعه من التسعينيات، فلا يمكن أخبار الفشل في بيعه تكون في النور وأخبار النجاح تكون في الظلام".
محاولات بيع البنك
وخلال أزمات مالية سابقة، جرت محاولة بيع بنك القاهرة، منها عام 2007، خلال عهد رئيس النظام الأسبق حسني مبارك.
ووقتها أعلنت حكومة رئيس الوزراء أحمد نظيف عزمها بيع 80 بالمئة من البنك الحكومي.
وهو ما أثار المخاوف حينها من أن تفتح عملية خصخصة البنك، الباب لعودة ما أطلق عليه البعض "الاستعمار الاقتصادي".
ووقف عدد من البرلمانيين المعارضين أمام تلك العملية، وكان من بينهم مصطفى بكري (أحد الإعلاميين المؤيدين لنظام السيسي حاليا).
وقال بكري آنذاك في كلمة: "إن بيع هذا البنك، وهو أكبر ثالث مصرف تابع للقطاع العام، سيؤدي لعودة الامتيازات الأجنبية".
وفي عام 2010، أعلن محافظ البنك المركزي آنذاك فاروق العقدة، عدم بيع بنك القاهرة أو طرحه للخصخصة مرة أخرى، خاصة مع عدم التوصل لسعر عادل.
وعرض المصرف الأهلي اليوناني حينها شراء أسهم بنك القاهرة كاملا مقابل ملياري دولار (ضعف العرض الإماراتي الحالي).
وشدد العقدة على أن بنك القاهرة لم يفقد هويته حيث يعد ثالث البنوك العامة. وأضاف أن "دورنا هو تحسين أوضاعه واستكمال مراحل إعادة الهيكلة ومواصلة التطوير".
ويعد بنك القاهرة من أهم البنوك المصرية التاريخية، وقد تأسس عام 1952 كمصرف خاص لعدد من العائلات الثرية.
وفي عام 1956 وعقب إعلان تأميم قناة السويس، كان ضمن البنوك التي وفرت التمويل اللازم لمحصول القطن، بعد أن امتنعت البنوك الأجنبية في مصر، خاصة البريطانية والفرنسية، عن تمويل هذا المحصول الإستراتيجي، كنوع من العقاب.
وجرى تأميم البنك رسميا من قبل الحكومة المصرية عام 1957، لتبدأ حينها عملية توسع في عدد من العواصم والمدن العربية، فأسس فروعا في عمان ودمشق وحلب واللاذقية وبيروت.
وما بين عامي 1970 إلى 1980، افتتح البنك فرعا في البحرين، وأربعة في الإمارات، في أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة، وتوسع إفريقيا حيث افتتح فروعا في أوغندا وزيمبابوي.

التدخل الإماراتي
وبالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر منذ بداية حكم السيسي، على وقع القروض، وزيادة الدين الخارجي والمحلي، وارتفاع معدل التضخم، فقد استطاع بنك القاهرة تحقيق أرباح، لا سيما في الآونة الأخيرة.
ففي 2 ديسمبر/ كانون الأول 2024، كشف البنك عن تحقيق صافي ربح بقيمة 8.6 مليارات جنيه في الربع الثالث من 2024، وذلك بزيادة 90 بالمئة، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.
وأوضح البنك أن النمو جاء مدفوعا بتحسن نتائج الأعمال في مختلف القطاعات ومن أبرزها التجزئة والخزانة وائتمان الشركات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وتضع الإمارات عينها على بنك القاهرة منذ عام 2019، عندما وافق المصرف المركزي الإماراتي على إنشاء مكتب تمثيل للبنك المصري في الدولة الخليجية.
وتتوغل الإمارات خلال السنوات الأخيرة في القطاع المصرفي المصري، وتسيطر على عدد من المؤسسات المهمة.
ففي عام 2021، استحوذ بنك أبو ظبي الأول على بنك عودة، والذي كانت أصوله تقدر بحوالي 83 مليار جنيه.
وبالتوازي مع صفقة “عودة”، أعلن بنك أبو ظبي الأول حينها اهتمامه بالاستحواذ على “إي إف جي هيرمس”، أبرز مجموعة مالية مصرية تعمل في مجال إدارة الاستثمار وصاحبة شركة فاليو للتمويل غير المصرفي، لكن الصفقة لم تتم.
وفي عام 2022، نفذت واحدة من أهم الصفقات في السوق المصرفي المصري، وهي صفقة استحواذ شركة أبو ظبي القابضة على حصة 18 بالمئة من البنك التجاري الدولي "CIB" في صفقة وصلت قيمتها إلى 911 مليون دولار.
وحاليا تمتلك الإمارات عدة بنوك داخل مصر، منها بنك الإمارات دبي الوطني الذي دخل إلى السوق المصري عام 2013.
وكذلك بنك أبو ظبي الأول الذي استحوذ على بنك عودة، وبنك أبوظبي الإسلامي الذي دخل إلى السوق المصري بعد الاستحواذ على البنك الوطني للتنمية المصرية سنة 2007.
إضافة إلى بنك أبو ظبي التجاري الذي دخل إلى مصر بعد اندماجه مع بنك الاتحاد الوطني ومصرف الهلال.

فساد ومخاوف
وعلق مؤسس "موسوعة المعرفة" المصري نائل الشافعي، على ما يُتداول حاليا بالقول إن "الدولة تحاول منذ عام 1995 بيع بنك القاهرة للتخلص من دفاتر جرائم نهب، هي التي صنعت تقريبا كل رجال الأعمال الحاليين".
وتابع في منشور له عبر “فيسبوك”: "ديون البنك المعدمة تصل إلى 12 مليار دولار، وراح ضحيتها النزيه محمد أبو الفتح عبدالعزيز رئيس البنك، الذي قال إن لديه تسجيلات بالأوامر الهاتفية لمنح كل تلك القروض، فعثروا على جثته عام 2004 في الزنزانة".
وفي حديثه لـ"الاستقلال" قال الباحث الاقتصادي المصري أحمد يوسف: “عملية خصخصة البنوك والمصارف الحكومية حساسة للغاية، لأنها تتعلق باستقلال الاقتصادي الوطني”.
ومن هنا فإن "المصارف التابعة للقطاع العام وهي البنك الأهلي وبنكا مصر والقاهرة، تعد مؤسسات مالية رئيسة في البلاد، ولا يمكن التفريط بها بهذه السهولة".
وأكمل أن: "الإمارات تدرك جيدا أن سيطرتها على القطاع المصرفي في مصر، أو امتلاك نسبة فيه، سيزيد من قدرتها على التحكم في القرار السياسي المصري، وستكون بذلك صاحبة النفوذ واليد العليا".
واستشهد الباحث المصري بأن احتلال مصر من قبل بريطانيا عام 1882 بدأ عن طريق الاقتصاد والديون الإنجليزية والفرنسية، التي انتهت إلى تحكمهم في الميزانية المصرية والقطاع المالي، إلى أن فقدت القاهرة استقلاليتها تماما بعد ذلك خلال عهد الخديوي توفيق.