رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في دمشق.. زيارة قضائية أم مهمة سياسية؟

يوسف العلي | منذ ٢١ يومًا

12

طباعة

مشاركة

عاد ملف آلاف الموقوفين السوريين المحتجزين في السجون العراقية ليفرض نفسه بقوة على واجهة المشهد السياسي والحقوقي، عقب زيارة رسمية أجراها وفد قضائي عراقي رفيع المستوى إلى العاصمة السورية دمشق، خُصصت لبحث آليات تسوية أوضاعهم القانونية وسبل إعادتهم إلى بلادهم.

تأتي هذه التحركات القضائية وسط تصاعد نداءات ذوي المحتجزين وشهادات نشطاء حقوقيين، تؤكد أن قوائم الموقوفين—المتهمين بالانتماء إلى "تنظيم الدولة"—لا تقتصر على عناصر مسلحة، بل تضم بين جنباتها مدنيين ومعارضين سابقين طالتهم حملات اعتقال تعسفي على يد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بدوافع كيدية، قبل أن يُصار إلى ترحيلهم جماعياً نحو الأراضي العراقية بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي.

وكانت وزارة العدل العراقية قد وثقت هذا المسار في شباط/فبراير 2026، كاشفةً أن إجمالي السجناء السوريين الذين جرى نقلهم من مراكز الاحتجاز التابعة لـ "قسد" إلى المرافق الإصلاحية في العراق بلغ 3,543 موقوفاً؛ وهو رقم يضع المنظومة القضائية في البلدين أمام اختبار إنساني وقانوني بالغ التعقيد.

غير أن قراءة ما وراء الزيارة تعكس—وفق تقديرات مراقبين—أبعاداً تتجاوز البعد القضائي البحت. إذ تتزامن المباحثات مع مرحلة إعادة تشكيل استراتيجي لطبيعة العلاقات الثنائية بين دمشق وبغداد، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية بالفرص الاقتصادية، في ظل انفتاح عراقي متسارع وملموس تجاه الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

تعاون قضائي

فتحت العاصمة السورية، دمشق، نافذة جديدة للتعاون الإقليمي عبر بوابة العدالة والأمن، مع وصول رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، القاضي فائق زيدان، في زيارة رسمية حملت على طاولتها حزمة من الملفات الحساسة والشائكة؛ تصدرتها آليات التعامل القانوني مع الموقوفين المنقولين من مخيم الهول ومراكز الاحتجاز شمال شرقي سوريا.

وفي مستهل الزيارة، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب القاضي زيدان والوفد المرافق له، بمشاركة وزيري الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، والعدل مظهر الويس. 

وتركزت المحادثات حول سبل الارتقاء بالتعاون الثنائي في الحقلين القضائي والقانوني، إلى جانب استعراض القضايا المشتركة التي ترسم ملامح المرحلة الراهنة بين البلدين.

وعلى خط المباحثات التخصصية، عقد وزير العدل السوري مظهر الويس جلسة مباحثات موسعة مع الوفد الضيف، شدد خلالها على أن إصلاح المنظومة القضائية في سوريا يمثل مساراً مستداماً واستراتيجياً، لافتاً إلى انفتاح دمشق على استلهام التجارب العربية والدولية الناجحة لرفع كفاءة مرفق العدالة.

وأكد الويس أن احترام سيادة الدول، وتكريس مبادئ حسن الجوار، وتعميق التنسيق الإقليمي تمثل جميعها ركائز لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار والأمن الشامل.

من جانبه، استند القاضي فائق زيدان إلى عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بغداد بدمشق، معرباً عن حرص القضاء العراقي على فتح آفاق تعاون رحبة تدعم ترسيخ سيادة القانون في كلا البلدين. 

وأوضح زيدان أن استقرار المنطقة وبناء منظومة عدالة ناجزة يتطلبان عملاً مؤسسياً متكاملاً، وتبادلاً حقيقياً للخبرات، بما ينعكس إيجاباً على الشعبين الشقيقين.

وفيما اتسعت رقعة النقاشات لتشمل موضوعات حيوية كالعدالة الانتقالية، ومكافحة الفساد، وتعزيز معايير النزاهة والشفافية، برز الملف الأمني والقانوني الأكثر إلحاحاً عبر تصريحات رئيس هيئة الإشراف القضائي في العراق، القاضي ليث جبر.

وكشف جبر في تصريحات رسمية أن المباحثات ركزت بشكل معمق على معالجة الوضع القانوني للموقوفين السوريين الذين تسلمتهم السلطات العراقية من مراكز الاحتجاز الواقعة شمال شرقي سوريا. 

وجدد التأكيد على أن هؤلاء المحتجزين يخضعون لتحقيقات قضائية دقيقة تضمن كافة حقوقهم وضماناتهم القانونية والدستورية.

واختتم الجانبان اللقاءات بالاتفاق على تأسيس لجان قضائية مشتركة تتولى عقد اجتماعات دورية ومنتظمة، بهدف التنسيق المباشر وتسريع وتيرة حسم ملفات المحاكمات العالقة بين البلدين وفق الأطر القانونية المرعية.

مذكرات تفاهم

يفرض ملف عناصر تنظيم الدولة والمحتجزين المرتبطين به نفسه كواحد من أكثر الملفات تشابكاً وحساسية في العلاقات السورية–العراقية. فهو ملف لا يقتصر على الشق الجنائي فحسب، بل يمتد عميقاً في مساحات الأمن القومي، وضبط الحدود المشتركة، وإجراءات الاحتجاز والمحاكمات، وصولاً إلى استحقاقات ترحيل المحكومين بين البلدين.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة عن اقتراب دمشق وبغداد من التوقيع على اتفاقية ثنائية تؤطر آليات استعادة المحتجزين السوريين في العراق على دفعات منتظمة، وتحدد بدقة الاختصاصات القضائية المعنية بمحاكمتهم، بما يرسي قواعد قانونية واضحة ومسؤوليات محددة للطرفين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن القضاء العراقي فرغ بالفعل من دراسة وتدقيق ملفات نحو 2500 معتقل حتى الآن.

تعود جذور الاستحقاق الراهن إلى منتصف فبراير/شباط 2026، حين أعلنت وزارة العدل العراقية أن حصيلة عناصر التنظيم الذين نُقلوا من مراكز الاحتجاز السورية إلى الأراضي العراقية بلغت 5,703 سجناء ينتمون إلى 61 دولة، ويشكّل السوريون الكتلة الكبرى منهم بواقع 3,543 سجيناً.

ومع تدفق هذه الأعداد، شرعت بغداد في تفعيل مسار تحقيقي شامل؛ إذ شكلت لجان تحقيق متخصصة لاستجواب المحتجزين وتكييف قضاياهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي، بالتوازي مع عمل دؤوب لمجلس القضاء الأعلى والأجهزة الأمنية المعنية لبناء قاعدة بيانات دقيقة وموثقة توثق الاعترافات والإفادات المتصلة بأنشطة هؤلاء السجناء.

بالتوازي مع الإجراءات الداخلية، فتحت السلطات العراقية قنوات اتصال مع الدول التي يحمل المعتقلون جنسياتها، لبحث إمكانية استعادتهم في الحالات التي يثبت فيها قضائياً أن نشاطهم المسلح اقتصر على الأراضي السورية ولم يقترن بجرائم داخل العراق.

ويضع ذلك الحكومة العراقية أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة يتعين عليها منع الإفراج عن أشخاص قد يمثلون تهديداً أمنياً، ومن جهة أخرى فإن استمرار احتجاز أجانب لفترات طويلة من دون مسارات قضائية أو ترتيبات واضحة يمكن أن يحول الملف إلى عبء سياسي وقانوني على العراق.

وفي هذا الإطار، أكد المتحدث باسم وزارة العدل العراقية، أحمد لعيبي، في أبريل/نيسان 2026، استعداد بغداد لتسليم الرعايا الأجانب إلى بلدانهم عبر مذكرات تفاهم ثنائية مستقبلاً، مستثنياً من ذلك المحكومين بأحكام إعدام نافذة، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أن أياً من الدول المعنية لم تتقدم حتى حينه بطلبات رسمية لاسترداد مواطنيها.

يكتسب البعد القضائي زخماً استثنائياً في ضبط مسار التفاهمات بين البلدين؛ فتسوية مصير الموقوفين السوريين تمثل مدخلاً حيوياً لتعزيز أمن الحدود، وتجفيف منابع عودة التنظيم، وتوسيع آليات تبادل المعلومات الاستخبارية.

ويُعول على تشكيل لجان قضائية مشتركة ليكون المظلة المؤسسية القادرة ليس فقط على فرز وتدقيق ملفات المحتجزين، بل وأيضاً على تمهيد الطريق أمام اتفاقيات قضائية شاملة تُعنى بتسليم المطلوبين، وتنفيذ الأحكام المتبادلة، والتعاون الإجرائي.

على الجانب السوري، أفادت مصادر مطلعة بأن دمشق سلّمت الجانب العراقي قوائم بأسماء محتجزين سوريين رُحّلوا إلى العراق، وطالبت بإعادتهم بعد أن أظهرت التحقيقات والمعلومات الميدانية عدم صلتهم بتنظيم الدولة واحتجازهم دون مسوغ قانوني كافٍ.

وفي الوقت ذاته، لا ينفصل هذا الحراك عن مطالب رسمية سابقة وجهتها دمشق إلى بغداد، دعت فيها إلى تسليم عناصر سوريين متهمين بارتكاب جرائم حرب فروا إلى الأراضي العراقية عقب سقوط نظام بشار الأسد، إلى جانب اتخاذ موقف قضائي عراقي صارم بحق أفراد عراقيين ثبت تورطهم في جرائم ارتُكبت بحق السوريين، بما يضمن سيادة العدالة وإنصاف الضحايا عبر مسارات قضائية منضبطة.

ملفات عالقة

تشهد العلاقات السورية–العراقية حراكاً متسارعاً يعكس رغبة مشتركة في إعادة صياغة الروابط الثنائية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. 

وتأتي زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، فائق زيدان، إلى العاصمة دمشق، لتضع مدماكاً جديداً في مسار التواصل المتنامي بين البلدين، في وقت تتردد فيه أنباء عن ترتيبات لزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع.

وقد اكتسبت زيارة زيدان أبعاداً سياسية لافتة تجاوزت طابعها القضائي والبروتوكولي، ولا سيما مع توجيهه التهنئة للقيادة السورية والشعب السوري، في خطوة حملت رسائل انفتاح ودعم واضحة للمرحلة الجديدة.

ولا تنفصل هذه الزيارة عن سياق إقليمي أوسع؛ إذ شكلت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق مؤخراً، محطة محورية أسهمت — بحسب مصادر عراقية — في تقريب وجهات النظر بين الجانبين، ونقل رسائل متبادلة مهدت لفتح قنوات اتصال أوسع، توّجت بدعوة رسمية وُجهت إلى الرئيس السوري لزيارة أربيل وبغداد.

وفي موازاة المسار الدبلوماسي، يبرز البُعد الاقتصادي كأحد أهم محركات التقارب؛ إذ تتزامن التحركات السياسية مع مساعٍ لإعادة إحياء خط أنابيب النفط الاستراتيجي "كركوك – بانياس"، في إطار تفاهمات ثنائية تحظى برعاية وتنسيق دوليين، ما يمنح الشراكة المرتقبة زخماً تنموياً واقتصادياً مباشراً.

وفي قراءة تحليلية للمشهد، يعتقد الباحث السياسي رائد الحامد أن زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي لدمشق تمثل محطة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين، وتتجاوز في عمقها ما أُعلن عنه رسمياً.

ويوضح الحامد في حديثه لصحيفة "الاستقلال" أن لقاء زيدان بالرئيس أحمد الشرع ومباركته للتحولات السياسية في سوريا يمنحان الزيارة دلالات سياسية بحتة جرى تأطيرها بغطاء قضائي، مؤكداً أن الجوار الجغرافي والتعقيدات الإقليمية يفرضان على الطرفين رفع مستوى التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة.

ويرى أن المصالح الاقتصادية والأمنية تمثل حجر الزاوية في بناء هذه العلاقة، إلا أن الارتقاء بها إلى مستوى التحالف الاستراتيجي يظل مرهوناً بتقديم ضمانات أمنية متبادلة، تضمن عدم استغلال أراضي أيٍّ من الطرفين لتهديد أمن واستقرار الطرف الآخر.

فالحدود المشتركة الممتدة بين سوريا والعراق، وفقاً للباحث رائد الحامد، لم تعد مجرد خطوط جغرافية فاصلة، بل باتت مسرحاً حيوياً تتقاطع فيه ملفات بالغة الحساسية، تشمل مكافحة الإرهاب، وضبط شبكات التهريب والجريمة المنظمة، ومعالجة ملفات المحتجزين والنازحين؛ وهو ما يفرض بطبيعته شراكة مستدامة وتنسيقاً وثيقاً بين المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية في دمشق وبغداد لإدارة هذه التحديات المشتركة.