مع تصاعد هجمات الحوثيين.. هل ترسل باكستان قوات برية لدعم السعودية؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أبرمت السعودية وتركيا وباكستان "حلف مكة"، الذي يقضي بعدّ أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الأعضاء هجوما على الدول الثلاث مجتمعة.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول 2026، شنت جماعة الحوثي هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة على مناطق أبها وخميس مشيط وجازان ونجران في السعودية، ما أسفر عن إصابة أكثر من 70 شخصا، في واحدة من أكبر الهجمات التي تعرضت لها المملكة منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير/شباط 2026.

وفي 17 سبتمبر/أيلول، صرح المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أحمد شريف تشودري، لوسائل إعلام سعودية بأن بلاده ستدعم الرياض "بكل الوسائل"، مؤكدا أنها ستقف إلى جانبها "فعليا".

من جانبه، ذكر موقع "تينسنت" الصيني أن هذا الموقف جاء بعد أسبوع فقط من تأكيد وزارة الخارجية الباكستانية أنها لم تبحث مع السعودية أي خطط للرد العسكري.

ويرى التقرير الصيني أن هذا الاختلاف بين المواقف والتصريحات يستدعي قراءة معمقة لتفاصيل المشهد.

وبحسب التقرير، فإن هذا التباين لا يعكس ارتباكا أو فوضى في عملية صنع القرار الباكستانية، وإنما يكشف عن نهج تتبعه إسلام آباد عندما تجد نفسها مضطرة إلى إعلان موقف واضح، إذ تميل إلى "تصعيد التصريحات" بدلا من "تصعيد الإجراءات".

دفاع جماعي

وأوضح الموقع الصيني أنه "لفهم ما إذا كانت باكستان ستشارك بقواتها في حرب اليمن، ينبغي أولا فهم ما تنص عليه الاتفاقية وما لا تنص عليه".

وقال: "يقوم البند الأساسي في الاتفاقية على مبدأ الدفاع الجماعي؛ إذ ينص على أن (الهجوم على أي دولة هو هجوم على الدول الثلاث)".

واستدرك: "لكن هناك قيدا أساسيا هنا، وهو أن الاتفاقية لا تفرض التزاما بالرد العسكري التلقائي".

وأوضح مقصده: "فهي لا تتضمن بندا يلزم الدول الموقعة بإرسال قوات أو طائرات حربية أو شن هجوم مباشر على الطرف المهاجم".

واستطرد: "وهذا يعني أن باكستان تستطيع، من الناحية القانونية بموجب نص الاتفاقية، رفض إرسال قوات إلى داخل اليمن من دون أن تكون بذلك قد خالفت الاتفاقية".

وعند النظر إلى الأمر بصورة أعمق، يقدر أن "توقيت توقيع الاتفاقية نفسه يكشف جانبا مهما من المسألة".

وتابع: "فقد وقعت الدول الثلاث الاتفاقية في 7 أغسطس/ آب، في حين كانت هجمات الحوثيين على السعودية قد وقعت بالفعل قبل ذلك التاريخ".

"وبالتالي، يبدو توقيع الاتفاقية أقرب إلى تتويج رسمي لعلاقات التعاون الأمنية القائمة مسبقا، لا سيما أنه ليس تفويضا مسبقا لعمليات عسكرية محددة"، وفق تحليله.

وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، قد صرح في 9 سبتمبر/ أيلول، بأن الاتفاقية "قد" تدخل حيز التنفيذ "إذا امتد الصراع في اليمن إلى الأراضي السعودية".

وعقّب الموقع: "لم يحظ مستوى الحذر الذي عكسه هذا التعبير بالتقدير الكافي".

وتنبع أهمية هذا التصريح من "امتلاك باكستان بالفعل وجودا عسكريا في المملكة، حيث ينتشر نحو 8 آلاف جندي باكستاني في السعودية، إلى جانب سرب من مقاتلات "جي إف-17"، وطائرات مسيرة، ومنظومات الدفاع الجوي "إتش كيو-9".

مع ذلك، لفت التقرير إلى أن "مهمة هذه القوات تتركز على الدفاع عن المجال الجوي السعودي والمنشآت الحيوية، وليس الاستعداد لشن هجوم على اليمن".

في الأثناء، أشار الموقع إلى أن "وسائل إعلام في هونغ كونغ نقلت عن مصادر باكستانية قولها بأن الجيش يمكنه تقديم دعم عسكري وتقني، إضافة إلى دعم بري أو جوي، داخل الأراضي السعودية، لكنه لن يشارك في عمليات قتالية على أراضي دولة أجنبية".

في الوقت ذاته، ذكر التقرير أن "عددا من الدبلوماسيين الإقليميين أكدوا أن السعودية وباكستان وتركيا توصلت إلى تفاهم يقضي بعدم دخول قوات أي من الدول الثلاث إلى اليمن، وأن أي إجراءات للرد ستنطلق من داخل الأراضي السعودية".

تهديد فعال

من جانبهم، حذر الحوثيون على لسان المسؤول في الجماعة، محمد البخيتي، في 20 سبتمبر/ أيلول من أن أي تدخل عسكري مباشر من جانب إسلام آباد أو أنقرة سيؤدي إلى "رد عسكري شديد وسريع".

وعلق الموقع: "ينبغي قراءة نطاق هذا التهديد بدقة، إذ لا تتمثل أبرز أوراق القوة التي يملكها الحوثيون حاليا في قدرتهم على شن ضربات بعيدة المدى ضد الأراضي الباكستانية؛ فإسلام آباد تبعد عن اليمن أكثر من 3000 كيلومتر، ولا تملك صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة قدرة موثوقة على قطع هذه المسافة".

وأردف: "تتمثل قدرة الحوثيين الفعلية على الردع في جانبين: أولهما القدرة على مواصلة استهداف مواقع داخل الأراضي السعودية، وثانيهما القدرة على عرقلة حركة الملاحة في البحر الأحمر".

في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "الهجمات التي وقعت في مطلع سبتمبر/ أيلول أثبتت أن الحوثيين قادرون على استهداف مواقع في عمق الأراضي السعودية".

ومن ثم، يقدر أنه "إذا شنت باكستان غارات جوية على الحوثيين انطلاقا من الأراضي السعودية، فلن يتجه رد الحوثيين إلى إسلام آباد، بل إلى القواعد العسكرية التي تتمركز فيها القوات الباكستانية داخل السعودية، وإلى المنشآت الحيوية بالمملكة".

وبحسب رأيه، فإن "هذا يعني أنه لو قررت باكستان الانخراط في عمل هجومي، فإن الطرف الذي سيتحمل التكلفة أولا هو أصولها العسكرية داخل السعودية، وليس ترابها الوطني".

ووفقا له، "لا شك أن هذه المعادلة الحسابية للتكلفة والعائد تترك أثرا مباشرا ومحسوسا على عملية صنع القرار في إسلام آباد".

"وثمة تفصيل آخر جدير بالانتباه، إذ أعلن الحوثيون في الوقت نفسه (موافقتهم على عدم مهاجمة الأهداف الأميركية)"، قال التقرير.

وأكمل: "يشير هذا الموقف إلى أن الحوثيين يتعمدون ضبط حدود الصراع؛ فهم يريدون استهداف السعودية وأي طرف ثالث يتدخل بصورة مباشرة، لكنهم لا يريدون جر الولايات المتحدة إلى الصراع".

واستطرد: "وينطبق المنطق نفسه على باكستان: فطالما أن الجانب الباكستاني لا يشارك بصورة مباشرة في عمليات عسكرية هجومية ضد الحوثيين، فلا يوجد ما يدفع الحوثيين إلى عدّ باكستان هدفا للهجمات".

من جانب آخر، تطرق الموقع الصيني إلى "تفسير بعض وسائل الإعلام المستقلة التحركات العسكرية الباكستانية بوصفها دليلا على "غياب التنسيق مع الجانب الصيني"، ملمحة إلى وجود خلافات إستراتيجية بين إسلام آباد وبكين، إلا أن هذا الطرح يفتقر إلى أي أساس واقعي سليم".

وعزا ذلك إلى أن "وزارة الخارجية الصينية أعلنت موقفها من الوضع في اليمن في منتصف سبتمبر/ أيلول، داعية إلى (خفض التوترات الإقليمية، وحل المشكلات من خلال المفاوضات، وضمان أمن الملاحة)".

وبحسبه، "يتسق هذا الموقف مع النهج الصيني المعتاد تجاه القضية اليمنية، والمتمثل في عدم الانحياز إلى أي طرف، وعدم التدخل في العمليات العسكرية، والدعوة إلى حل سياسي".

ميدانيا، أوضح التقرير أن "الانتشار العسكري الباكستاني يتركز في إطار الدفاع داخل الأراضي السعودية، ولا يشمل عمليات هجومية على الأراضي اليمنية، ولذلك لا يتعارض بصورة مباشرة مع الموقف الصيني المعلن الرافض للتدخل في الصراع الداخلي في اليمن".

والأكثر أهمية من ذلك أن "أطراف اتفاقية مكة للدفاع المشترك هي السعودية وتركيا وباكستان، فيما لم تشارك الصين في توقيعها ولا تتحمل أي التزامات بموجبها".

واستطرد: "كما أن استخدام باكستان معدات وأسلحة صينية الصنع لا يعني أن بكين تتحمل مسؤولية مشتركة عن العمليات العسكرية الباكستانية".

ومن ثم، خلص إلى إن "الربط التلقائي بين قرارات السياسة الخارجية الباكستانية والنوايا الإستراتيجية للصين يعد فهما خاطئا لطبيعة العلاقة".

أوراق الضغط

واستعرض التقرير الصيني أوراق الضغط التي يمكن للرياض توظيفها لإقناع إسلام آباد بالانخراط عسكريا في حرب اليمن.

وقال: "لا يكمن الضغط الأساسي الذي تواجهه باكستان في الجانب العسكري، وإنما في الجانب المالي".

وتابع: "فقد قدمت السعودية لباكستان أخيرا دعما ماليا واستثماريا بقيمة 8 مليارات دولار، منها 5 مليارات عبارة عن ودائع سابقة كانت موجودة لدى البنك المركزي الباكستاني وتم تمديدها لمدة ثلاث سنوات، فيما تمثل الـ3 مليارات الأخرى أموالا جديدة".

وأشار الموقع إلى أن "هذه الأموال تكتسب أهمية حاسمة بالنسبة إلى احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي الباكستاني وسعر صرف الروبية".

مع ذلك، عاد التقرير إلى "سابقة مشابهة في عام 2015، حين طلبت السعودية من باكستان المشاركة في العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثي في اليمن، فأقر البرلمان الباكستاني بالإجماع قرارا يقضي بالحفاظ على الحياد في الصراع اليمني، مع إعادة التأكيد في الوقت نفسه على دعم سلامة الأراضي السعودية وأمن المدينتين المقدستين".

وبحسب وجهة نظر، "أرسى ذلك القرار إطارا مهما مفاده أن دعم أمن الأراضي السعودية لا يعني المشاركة في الحروب التي تخوضها السعودية خارج حدودها".

ووفق تقديره، "لا يزال هذا الإطار يقيد هامش القرار الباكستاني حتى اليوم".

يُضاف إلى ذلك، أنه "من الناحية العسكرية، تواجه باكستان في الوقت نفسه ضغوطا أمنية على حدودها مع الهند وأفغانستان، بما في ذلك نشاط حركة طالبان باكستان".

وعليه، يرى أن "توجيه موارد عسكرية إلى ساحة الحرب في اليمن يمثل بالنسبة إلى إسلام آباد تشتيتا للموارد الإستراتيجية، وليس تركيزا لها".

الانتشار على الأرض

في نهاية المطاف، يعتقد التقرير الصيني أن "الإجراء الوحيد الذي يمكن تأكيده حاليا من جانب باكستان هو إرسال مزيد من المعدات العسكرية إلى السعودية، بما في ذلك منظومات دفاع جوي وطائرات مسيرة، بهدف تعزيز الانتشار الدفاعي داخل أراضي المملكة".

وشدد على أن "طبيعة هذا التحرك تندرج في إطار الدفاع المشترك عن الأراضي السعودية، وليس شن هجوم على اليمن".

وحول فرص إرسال إسلام أباد قوات برية إلى اليمن لمحاربة الحوثيين، فيقدر الموقع أنه "ما لم تتعرض الأراضي السعودية لغزو بري واسع النطاق، وما لم تتعرض حركة الملاحة في البحر الأحمر لحصار كامل، فإن الإجابة هي لا".

وتابع: "ما ستواصل باكستان القيام به هو الحفاظ على وجود عسكري دفاعي داخل السعودية، والإبقاء على مستوى مرتفع من الدعم للسعودية في تصريحاتها العلنية، وممارسة ضغوط على الحوثيين عبر إيران من خلال القنوات الدبلوماسية لدفعهم إلى الحد من هجماتهم".

وأشار إلى أنه "وفقا لتقارير، طلب رئيس أركان الجيش الباكستاني، عاصم منير، عبر القنوات الدبلوماسية من إيران ضبط هجمات جماعة الحوثي".

باختصار، "تشكل هذه الإجراءات مجتمعة إستراتيجية تقوم على (تصريحات مرتفعة النبرة وتحركات منخفضة المستوى)"، قال التقرير.

وأردف: "تكمن غاية هذه السياسة في الحفاظ على أواصر العلاقات الإستراتيجية مع السعودية، دون استدعاء أي ردود فعل انتقامية من الحوثيين، ودون استفزاز إيران، ودون إثارة أي معارضة داخلية".

واستطرد: "أما المدة التي يمكن أن تستمر فيها هذه الإستراتيجية، فستعتمد على نطاق الهجمات المقبلة لجماعة الحوثي وعلى مستوى الضغوط الفعلية التي ستفرضها السعودية على باكستان".