من الغزو إلى الانسحاب.. رحلة القوات الأميركية في العراق تنتهي اليوم

العراق يطوي وجودا عسكريا أجنبيا استمر بأشكال مختلفة أكثر من عقدين
بعد أكثر من 23 عاماً على الغزو الأميركي عام 2003، تغادر آخر القوات الأميركية الأراضي العراقية رسمياً اليوم، ويصل الانسحاب التدريجي الذي بدأ قبل عامين إلى نهايته ليطوي العراق بذلك وجودا عسكريا أجنبيا استمر بأشكال مختلفة أكثر من عقدين وتؤكد بغداد سيادتها الكاملة.
بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، يكتمل انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من الأراضي العراقية رسمياً، وفق الجداول الزمنية المتفق عليها بين بغداد وواشنطن. ولا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف أن العلاقة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة انتهت بالكامل.
فالاتفاقات الجديدة يفترض أن تنقل التعاون بين البلدين من صيغة الانتشار العسكري والعمليات الميدانية إلى صيغة الشراكة الأمنية، مع بقاء ملفات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات وتطوير قدرات القوات العراقية في صلب العلاقة الثنائية.
وجاء الانسحاب في إطار تفاهم عراقي-أميركي أُعلن عام 2024، حدّد نهاية سبتمبر 2026 موعدا لاستكمال إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق.
وبحسب المعطيات المتداولة، لم تكن العملية قراراً مفاجئاً أو انسحاباً أحادياً، بل جرى تنفيذها على مراحل، شملت نقل الأفراد والمعدات وإعادة توزيع بعض القدرات العسكرية، وصولاً إلى مغادرة ما تبقى من القوات العاملة ضمن مهمة التحالف.
وكان وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أعلن أن الانسحاب تمهيد للانتقال إلى نمط جديد من التعاون الأمني الثنائي، يقوم على التدريب وتبادل المعلومات والتعاون الاستخباري، بدلاً من الوجود العسكري المباشر ضمن مهمة التحالف الدولي.
وبدورها، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن انسحاب قواتها من العراق اكتمل، منهية مهمة استمرّت 12 عاما لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان: إن القوات والمعدات الأميركية أكملت "مغادرة منظمة" من آخر قاعدة جوية كانت موجودة فيها في شمال العراق.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن الأول من أكتوبر سيكون يوماً جديداً خالياً من أي وجود عسكري أجنبي، واكتمال السيادة الوطنية، معلنا عن أربعة أيام عطلة رسمية تحت شعار "يوم الاستقلال".
فيما أكد رئيس هيئة الإعلام الأمني الفريق سعد معن، تسليم جميع قواعد ومقرات التحالف للسلطات العراقية، وعدم وجود أي قوات قتالية أو تدريبية تابعة للتحالف بعد 30 سبتمبر، والانتقال إلى علاقات ثنائية.
واحتفت الفصائل المرتبطة بإيران بالانسحاب الأميركي وتعاملت معه كنصر؛ إذ وصف القيادي في المقاومة الإسلامية في العراق أبو مجتبى الياسري، الانسحاب بأنه "انتصار تاريخي" ودعا إلى الاحتفال به، فيما رحّبت إيران رسمياً بالانسحاب.
وأبدت بعض الأصوات الكردية مخاوف من فراغ أمني محتمل بعد انتهاء مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
الغزو والانسحاب
وكان الوجود الأميركي الكبير في العراق قد بدأ بغزو أميركي بريطاني في 2003 أطاح بنظام صدام حسين، تلاه احتلال ووجود عسكري كبير وصل إلى أكثر من 170 ألف جندي أميركي في الذروة، مع عمليات مكافحة تمرد ومرحلة إعادة إعمار مضطربة.
وفي 2011 انسحبت القوات القتالية الأميركية الرئيسة وفق اتفاق أمني سابق، ثم عادت في 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش (عملية العزم الصلب) بعد اجتياحه مدنا عراقية كبرى، وتمت هزيمة التنظيم إقليمياً عام 2017، مع بقاء مستشارين أميركيين.
إلى أن تم الخفض التدريجي للقوات الأميركية في العراق في 2020/2021 في عهد الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب خلال فترة ولايته الأولى مع استمرار محدود.
وفي أيلول/سبتمبر 2024 توصلت بغداد وواشنطن (في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ورئيس وزراء العراق محمد شياع السوداني) إلى اتفاق مرحلي لإنهاء مهمة التحالف".
وتضمن الاتفاق على المرحلة الأولى بنهاية أيلول 2025 (انسحابا من معظم القواعد الاتحادية)، والثانية بنهاية أيلول 2026 (انسحابا كاملا من المنصات المتبقية خاصة في أربيل لدعم العمليات ضد داعش في سوريا).
وتم الانسحاب التدريجي من قاعدة عين الأسد ومطار بغداد وأربيل، وصولاً إلى الانسحاب الكامل اليوم 30 سبتمبر 2026.
وكان عدد القوات الأميركية في السنوات الأخيرة نحو 2500 جندي، انخفض تدريجياً إلى مئات فقط قبل الموعد النهائي.
وتراوح الوجود الأجنبي بين الاحتلال المباشر والدعم الاستشاري، وترك إرثاً من الخسائر البشرية الكبيرة والتوترات السياسية والاجتماعية.
ويأتي الانسحاب الأميركي من العراق وسط حرب أميركية-إيرانية مباشرة (بدأت/تصاعدت عام 2026)؛ حيث تحولت الأراضي العراقية مراراً إلى ساحة مواجهة بالصواريخ والمسيرات، أعلنت بغداد خلالها عن جاهزية قواتها الأمنية والبيشمركة لتولي المسؤولية الكاملة.
ويبقى تنظيم داعش على شكل خلايا نائمة، بينما يزداد نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران سياسياً وأمنياً.
وانتقلت العلاقة رسمياً بين واشنطن وبغداد من مهمة تحالف متعددة الجنسيات إلى شراكة ثنائية تشمل التدريب وتبادل المعلومات والاستخبارات والمبيعات العسكرية.
جمع السلاح
وبالنسبة لمهلة جمع سلاح المليشيات؛ فقد أعلنت الحكومة العراقية في يونيو/حزيران 2026 (عبر المتحدث حيدر العبودي) أن 30 أيلول هو الموعد النهائي لتسليم الفصائل (خاصة المرتبطة بإيران مثل كتائب حزب الله والنجباء) أسلحتها للدولة، متزامناً مع انسحاب التحالف، وأن أي سلاح بعدها سيُعامل قانونياً.
لاحقاً في أغسطس/آب 2026، أوضح المستشار الأمني قاسم الأعرجي أن 30 سبتمبر هو موعد خروج التحالف فقط، وليس نهاية مهلة التسليم، وأن حصر السلاح سيبدأ تدريجياً بعد ذلك.
وفي سبتمبر الجاري، أعلن الزيدي تأجيل الموعد النهائي إلى 30 يونيو/حزيران 2027، مع فترة 90 يوماً لوقف الهجمات مقابل ضمانات. وهكذا انفصل الموعدان عملياً رغم الربط الأولي.
نهاية الاحتلال
واحتفى ناشطون على منصات التواصل بمناسبة اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي والقوات الأميركية من العراق اليوم، متداولين مقاطع فيديو وصورا توثق مغادرة أرتال عسكرية أميركية، ووصفوه بـ"النصر التاريخي" و"يوم الاستقلال الحقيقي"، و"نهاية الاحتلال"، مسلطين الضوء على الدمار الذي ألحقته بالبلاد.
ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الانسحاب_الأميركي، #العراق، #بغداد، #التحالف_الدولي، أن هذا اليوم يمثل استعادة السيادة الحقيقية بعد أكثر من عقدين، محذرين من أي تدخلات مستقبلية ومطالبين بمرحلة جديدة خالية من النفوذ الأجنبي.
سيادة كاملة
وقدم ناشطون مباركات وتهاني للعراق بمناسبة "يوم السيادة" واستكمال خروج القوات الأميركية والتحالف، معربين عن سعادتهم لانسحاب آخر قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من الأراضي العراقية، ومؤكدين أن الحدث محطة تاريخية تعيد للعراق سيادته الكاملة على أرضه بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأجنبي.
قراءات وتحليلات
وقدم خبراء ومحللون قراءات وتحليلات حول الانسحاب الأميركي من العراق وما يمثّله من تحول في توازنات الأمن الإقليمي، وانعكاساته على أمن الخليج وإيران والعراق وترتيبات الأمن الإقليمي، محذرين من احتمال انتقال توترات أو فراغ أمني يؤثر على الاستقرار الإقليم.
وأبدوا آراء متباينة حول الانسحاب؛ حيث رأى بعضهم أنه يمثل انتصاراً للسيادة العراقية وفرصة لإعادة بناء الدولة بعيداً عن الوجود الأجنبي، مع التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي فراغ يملؤه نفوذ خارجي.
في المقابل، حذر آخرون من أن الانسحاب لا يعني سيادة حقيقية طالما بقي القرار العراقي متأثراً بتدخلات أميركية وإيرانية، مشيرين إلى مخاطر تصاعد نفوذ الفصائل أو احتمال تقسيم أو فوضى داخلية.
وركز آخرون على البعد الإقليمي، مقدرين أن خروج القوات الأميركية يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة؛ حيث قد تملأ إيران الفراغ بينما تواجه دول الخليج تحديات أمنية جديدة، وطالبوا بدعم العراق للحفاظ على استقراره كجسر للتعاون الإقليمي بدلاً من أن يتحول إلى نقطة تنافس.
السلاح والخدمات
ودعا ناشطون لاستكمال السيادة الحقيقية من خلال حصر السلاح بيد الدولة، وتحسين الخدمات والاقتصاد، والابتعاد عن التدخلات الخارجية، ومحاربة الفساد، مشيرين إلى أن خروج الجندي الأجنبي خطوة إيجابية لكنها لا تكفي وحدها إن لم تترجم إلى سيادة في القرار والواقع المعيشي.
الإشكاليات الأمنية
في المقابل، عبر ناشطون عن قلق عميق إزاء الانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي، مقدرين أن إعلان "السيادة" دون ضبط حقيقي للسلاح المنفلت يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير.
وأكدوا أن هذا الفراغ قد تستغله المليشيات والفصائل المسلحة لتوسيع نفوذها خارج إطار الدولة، أو يتيح لتنظيم داعش إعادة ترتيب خلاياه النائمة وتنفيذ هجمات جديدة، خاصة مع تراجع الدعم الاستخباراتي والجوي السابق.
كما ربط ناشطون بين غياب خطة بديلة محكمة لتأمين الحدود والأجواء وبين خطر تحول البلاد إلى ساحة نفوذ متنافسة وأكدوا أن العراق مهدد بمخاطر داخلية وخارجية، مستنكرين تنفيذ الانسحاب دون اكتمال منظومات الدفاع الجوي ومنظومات الرادار التي تؤمّن حماية الأجواء العراقية.

















