يستولون على أوقافهم.. لماذا يكثف الهندوس اعتداءاتهم على مسلمي الهند في رمضان؟

إسماعيل يوسف | منذ ١٥ يومًا

12

طباعة

مشاركة

كعادتهم في كل رمضان، صعد المتطرفون الهندوس اعتداءاتهم على المسلمين ومساجدهم وقاموا بسلسلة هجمات ضد مساجد في الهند، خصوصا خلال صلاة التراويح، كما اعتدوا على مسلمين يقرأون القرآن في نهار رمضان في المواصلات العامة.

وزاد من حدة الاعتداءات تزامن شهر رمضان مع احتفالات هندوسية، حيث تُعد المهرجانات الهندوسية كابوسا لمسلمي الهند، لأنها تتضمن مسيرات استفزازية ضد المسلمين وتتعمد إلقاء الحجارة والصواريخ النارية باتجاه مساجدهم لإحراقها.

وخلال رمضان 2025، انتشرت مسيرات هندوسية متعمدة أمام مساجد في الهند خلال صلاة التراويح لمنع المسلمين من الصلاة واستفزازهم، وجرى اقتحام بعضها برعاية الشرطة المتواطئة.

وتزامن ذلك مع استمرار حكومة رئيس الوزراء المتطرف ناريندرا مودي، في محاربة المسلمين ونزع الهوية الإسلامية.

وكان آخر هذه الجرائم هو سعيه للسيطرة على آلاف المواقع الإسلامية، عبر إقرار قانون جديد يهدف لمصادرة الأوقاف الإسلامية، وفق مجلة "إيكونوميست" في 6 مارس/آذار 2025.

ورغم وقف المحكمة العليا بالهند، في 18 سبتمبر/أيلول 2024، استخدام ما تطلق عليه السلطات الهندوسية "عدالة البلدوزر" أو "الجرافة"Bulldozer Justice، والتي تستهدف الأقلية المسلمة، بهدم منازلهم ومساجدهم، استمرت هذه الممارسات الإجرامية.

نار وألوان

فقد جرى اقتحام المزيد من المساجد في شهر رمضان، خلال مواكب هندوسية دينية كانت تتعمد إلقاء كرات نار وصواريخ على المصلين وهم في صلاة التراويح أو إلقاء الألوان على المساجد وتلطيخها بحجة أنهم يحتفلون بـ"عيد الألوان".

وحين قام إمام مسجد بمدينة "رامبور" بولاية أوتار براديش الهندية، في 7 مارس 2025، بإعلان وقت الإفطار عبر مكبرات الصوت، هاجمه الهندوس المتطرفون واعتقلته الشرطة مع ثمانية مسلمين دون مبرر منطقي.

ووصفت الشرطة ما فعله الإمام، في قرية ماناكبور باجاريا، الواقعة في منطقة سيد نجار تشوكي، التابعة لمركز شرطة تندا، بأنه "تقليد جديد"، وأزالت مكبر الصوت من المسجد، بزعم "مخاوف بشأن النظام العام".

وحين جلس عالم هندي مسلم، كان يسافر بالقطار، يقرأ القرآن الكريم أثناء سفره أهانه الهندوس وشتموه ووصفته امرأة بـ "الباكستاني" (يقصد بها "إرهابي" في مصطلحات الهندوس) ثم ضربوه بكل همجية، كما ضربه مفتش التذاكر.

وأثناء صلاة التراويح في 9 مارس، ألقي هندوس ألعابا نارية داخل مسجد في ولاية ماديا براديش وسط الهند، وهم يمرون في مسيرة احتفالية بفوز المنتخب الهندي في بطولة العالم للكريكيت.

واعتدى حشد هندوسي متطرف على مسجد أثناء صلاة الجماعة، حيث ألقوا قنابل حارقة داخله لإثارة الفوضى، قبل أن يصعدوا اعتداءهم برشق الحجارة في عدة مناطق، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف استهدفت المسلمين.

ووفقا لوسائل إعلام محلية، فقد أسفرت الاشتباكات عن إصابة 6 أشخاص على الأقل، فيما أُحرق نحو 12 سيارة ومتجران.

وقال محمد جاويد، إمام المسجد للصحفيين "عندما كنا نؤدي صلاة التراويح، كانت المسيرة تمر من أمام المسجد بصخب، ولدى خروجنا بعد انتهاء الصلاة، ألقيت ألعاب نارية داخل المسجد، مما تسبب في تصاعد الدخان".

وبحسب أهالي البلدة، فقد كان هناك اتفاق بين المسلمين والهندوس بعدم السماح للمواكب الدينية بالمرور أمام أي من دور عبادتهم، منعا لحدوث أي استفزاز أو مشاحنات.

ولكن بعض المشاغبين أثاروا الاضطرابات من خلال إلقاء الألعاب النارية داخل المسجد أثناء صلاة التراويح، وهو ما أثار الذعر بين المصلين المسلمين، وأدى إلى تصعيد الموقف نحو الاشتباكات.

كما نظمت مدارس هندية مسيرات للطلاب تهتف بشعارات مناهضة للإسلام والمسلمين منها: "من يرد أن يعيش في الهند فليقل: جاي شري رام (تمجيدا لإلههم الهندوسي) ويطالبون المرأة المسلمة أن تكون مثل درغا (إله هندوسي مؤنث بدون حجاب)!".

تحريض متصاعد

وفي مدينة سنبهال قام حشد من الهندوس مع الشرطة بتكسير بوابة مسجد وألقوا الحجارة على المصلين خلال صلاة التراويح، بعدما احتج مسلمون على تلطيخ جدران المساجد بالألوان التي يعدها الهندوس مقدسة.

وبسبب هذا المهرجان تقوم أغلبية المساجد الواقعة في الشوارع التي يمر منها المهرجان بتغطية جدرانها بالقماش حتى لا تتلوث بالألوان، خاصة أن عيد رشق الألوان هذا العام تصادف مع يوم الجمعة.

ولكن هذه المرة تعمد الهندوس إلقاء الألوان على المساجد والمسلمين مما أسفر عن اشتباكات واعتقلت الشرطة أكثر من ألف مسلم.

والأغرب أن رئيس الشرطة لولاية أوترابرديش، أكبر ولاية هندوسية دعا المسلمين لإلغاء صلاة الجمعة، وأن يصلي كل مسلم في منزله أو يتحملوا تلطيخهم وضربهم بالألوان في الطريق، يوم عيد الألوان للهندوس ولا يشكون له.

وقال رئيس الشرطة: "المسلمون يقيمون صلاة الجمعة 52 مرة في العام، بينما الاحتفال برشق الألوان يتم مرة واحدة فمن يغضب من رشق الألوان فليمكث في بيته ولا يخرج!”.

وفي 12 مارس 2025، انتشر مقطع فيديو على وسائل التواصل يظهر فيه عدد من الهندوس في ولاية ماهاراشترا وهم يحاولون اقتحام أبواب مسجد في "راتناجيري" بالقوة أثناء الاحتفال بمهرجان "شيمجا".

وهو مهرجان يُحتفل به قبل يوم واحد من مهرجان "هولي" في منطقة كونكان، مما أثار غضبا كبيرا.

وظهر في اللقطات العشرات من الهندوس في منطقة راتناجيري يحتفلون بعيد شيمجا من خلال رفع هيكل خشبي كبير ومحاولة اقتحام أبواب مسجد جامع في مدينة راجابور.

وفي مقطع الفيديو، يظهر أفراد الشرطة وهم يقفون مكتوفي الأيدي، ولا يتخذون أي إجراء بينما يحاول العديد من الهندوس اقتحام المسجد عن طريق تحطيم البوابات بالهيكل الخشبي، واستغرب رؤساء جمعيات إسلامية "مهاجمة مسجد في حضور الشرطة".

وفي مدن كثيرة مثل ولاية ماديا براديش، يقوم الهندوس المتطرفون بتحديد العربات المملوكة لمسلمين وإحراقها عمدا في مساء رمضان.

ولا يقتصر الأمر على العدوان على مسلمي الهند، إذ يدعم الهندوس الحرب على قطاع غزة ويشاركون فيها، كما تتظاهر حسابات كثيرة لهنود على أنهم إسرائيليون ويغردون بالإنجليزية ضد الفلسطينيين ويحرضون على قتلهم.

وللتغطية على الاعتداءات والتحريض ضد المسلمين، انتشرت خلال شهر رمضان، منشورات مضللة زعمت زورا أن مقطع فيديو يُظهر رجلا هندوسيا يتعرض للاعتداء داخل مسجد. 

وزعم منشور على منصة "إكس" في 7 مارس 2025 أن رجلا هندوسيا تعرض لاعتداء من قِبَل مسلمين بعد حضوره إفطارا لتعزيز الأخوة. 

ويُظهر المقطع رجالا يرتدون قلنسوات إسلامية يهاجمون، على ما يبدو، رجلا يرتدي رداء زعفرانيا، وهو لون يرتبط غالبا بالهندوسية وروجت صحف وتيارات هندوسية للفيديو المزيف، رغم كشف أنه ملفق وغير حقيقي.

نهب المسلمين

وضمن حملته المستمرة لدعم الأيدولوجية الهندوسية المتطرفة، التي تستهدف المسلمين ومقدساتهم وممتلكاتهم، وتشجع الهندوس على استهداف المسلمين ومساجدهم، أعلن رئيس الوزراء الهندوسي المتطرف مودي، قانونا لتأميم أوقاف المسلمين.

القانون الذي أعلنه في 8 مارس 2025، يعمل على فرض سيطرته على الآلاف من الأوقاف والمواقع الإسلامية، ويشكل مبررا آخر لتصعيد حملة الهجوم الموسعة ضد المساجد، والتعدي عليها.

وبموجب هذا القانون، ستتمكن الحكومة من الاستيلاء على آلاف الممتلكات الوقفية من الأراضي والمساجد والمباني، كما سيتم إلغاء تصنيف "الوقف الإسلامي" للعديد من المواقع الإسلامية التاريخية، لتبرير الاستيلاء عليها وهدمها.

ويأتي هذا القانون بعد حملة تحريض ضد المساجد والمدارس الدينية ومقابر المسلمين وأراض موقوفة تُستخدم للأعمال الخيرية، بحيث تستولي الحكومة بموجبه على ما تشاء من هذه الأراضي والممتلكات.

واعتادت السلطات الهندوسية على هدم آثار إسلامية تاريخية ومساجد ومنازل ومحال للمسلمين بالبلدوزر، عبر ما يسمونه "عدالة البلدوزر" (Bulldozer Justice)، والتي تستهدف المسلمين.

لكن قانون "مودي" الجديد يستهدف الاستيلاء على الأوقاف كلها بما فيها المساجد والآثار التاريخية، بحجة عدم الحصول على تراخيص بناء، أو لعقاب مسلمين يتهمهم هندوس بمحاولة قتلهم زورا لهدم مساكنهم.

ومن أشهر هذه الأوقاف التي تسعى حكومة "مودي" للاستيلاء عليها، مسجد شارع البرلمان في مدينة دلهي والقصر المكون من 27 طابقا في مومباي، الذي يعد المنزل الخاص لموكيش أمباني، أغنى شخص في الهند.

والمسجد مبني على الطراز المغولي وهو مكان للعبادة الإسلامية منذ حوالي 300 عام ويضم منزل أمباني، الذي تم الترويج له بصفته "نموذجا أوليا لمباني المستقبل"، ويدخل ضمن النزاع حول ممتلكات الوقف في الهند، بحسب مجلة "إيكونوميست".

ويقدر حجم الوقف الإسلامي في الهند، الذي يضم الأراضي أو المباني التي يمنحها المسلمون كأوقاف للاستخدام الديني أو الخيري، وغالبا ما تكون مساجد أو مقابر، نحو 872 ألف عقار، بقيمة 14 مليار دولار.

وهو ما يجعل "مجالس الأوقاف" التي تسيطر عليها "ثالث أكبر مالك للأراضي في الهند، بعد الجيش الهندي والسكك الحديدية الهندية"، وفقا لموقع "ذا برينت" الهندي في 10 مارس 2023.

ويوجد في أوتار براديش، وحدها أكثر من 232 ألف عقار وقف، أكثر من أي ولاية أخرى، كما أن هذا الموضوع حساس في دلهي العاصمة، حيث تحتل الوكالات الحكومية العديد من ممتلكات الوقف. 

وفي عام 2023، أعلنت الحكومة عن نيتها الاستيلاء على 123 منها، بما في ذلك مسجد شارع البرلمان، الذي يستخدمه البرلمانيون المسلمون منذ عام 1947.

استيلاء على العقارات

وتطمع الحكومة الهندوسية في العديد من هذه الممتلكات وإخضاعها لسيطرتها إذا تم تمرير القانون الجديد، في أبريل/نيسان 2025.

وتزعم الحكومة أن مشروع قانون الأوقاف الجديد "يحسن التشريعات القديمة التي سمحت بانتهاكات واسعة النطاق في إدارة ممتلكات الأوقاف".

وسيسمح هذا القانون للحكومة بالاستيلاء على آلاف العقارات الوقفية التي تستخدمها بالفعل، بعد أن احتلتها جزئيا أو كليا، وإلغاء تصنيف "الوقف من قبل المستخدم" للعديد من المواقع القديمة، التي تفتقر إلى دليل وثائقي على وضعها.

والأخطر في هذا القانون أنه قد يشمل معالم إسلامية وطنية شهيرة مثل "تاج محل".

ففي عام 2005، منعت المحكمة العليا عملية تسجيل تاج محل، الذي بناه الإمبراطور المغولي شاه جهان في القرن السابع عشر، ضمن الممتلكات الوقفية.

وللسخرية طلبت المحكمة الاطلاع على توقيع الإمبراطور (المتوفى منذ قرون) على سند الملكية.

وتزعم هيئة المسح الأثري في الهند، التي تسيطر على هذا النصب التذكاري، أن 256 عقارا آخر تديرها هي عقارات وقفية، مما يعقد عملها، لتبرير هذا النهب للأوقاف.

ويقول "أسد الدين عويسي"، وهو عضو برلماني مسلم: "هذا القانون لا علاقة له بحماية العقارات الوقفية أو زيادة عائداتها، لقد تم سن هذا القانون بهدف الاستيلاء على ممتلكات المسلمين، وفرض سيطرة حكومية أكبر عليها".

ويخشى سيد سعدات الله حسيني، رئيس جماعة إسلامي الهند، إحدى أكبر المنظمات الاجتماعية الإسلامية في الهند، أن يؤدي هذا القانون أيضا إلى تدمير العديد من هذه العقارات الوقفية.

وتقول مجلة “إيكونوميست”: إن مودي غير تكتيكاته بعد خسارته الأغلبية المطلقة لحزبه في الانتخابات العامة عام 2024، بسبب قلق الناخبين بشأن القضايا الاقتصادية، وخفف من خطابه المناهض للمسلمين.

وأصدرت قيادة حركة "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" القومية الهندوسية التي نشأ عنها حزب بهاراتيا جاناتا، تحذيرا نادرا في ديسمبر/ كانون الأول 2024 ضد الجماعات الهندوسية، التي تثير جدلا جديدا حول مواقع المساجد المتنازع عليها مثل أيوديا.

وبسبب فقدانه أغلبيته في البرلمان، أحال مودي مشروع قانون الوقف إلى لجنة برلمانية مشتركة في أغسطس/آب 2024، رغم أنه في أول فترتين له في الحكم، استخدم الأغلبية التي يتمتع بها حزب بهاراتيا جاناتا لتمرير التشريعات عبر البرلمان، لكنه حاليا يحتاج إلى دعم من شركائه في الائتلاف، وهي أحزاب تضم مسلمين.

وقدم المتطرفون الهندوس العديد من الالتماسات للمحكمة العليا ضد قانون يحافظ على هوية المواقع الدينية كما كانت عند استقلال الهند عام 1947.