لأول مرة.. ما سر اعتراف "التعاون الخليجي" بكيانات موازية للشرعية باليمن؟

"من يساند الشرعية ينبغي ألا ينافسها ولا يكون بديلا لها"
أثار اعتراف مجلس التعاون الخليجي لأول مرة بدعم الكيانات الموازية للشرعية في اليمن، تساؤلا ملحا بخصوص دلالات مثل هذه الخطوة، والتي تعد غير مسبوقة، وذلك في ظل وجود مجلس القيادة الرئاسي، الذي تنضوي فيه شخصيات تمثل غالبية الطيف السياسي.
مجلس القيادة الذي يُعد أعلى جهة شرعية يمنية معترف بها دوليا، يرأسه رشاد العليمي، وله سبعة نواب، هم: (سلطان علي العرادة، طارق محمد صالح، عبد الرحمن المحرمي، عبد الله العليمي، عثمان مجلي، عيدروس الزبيدي، فرج البحسني).
"تقسيم الشرعية"
وفي 7 مارس/ آذار 2025، نص البيان الختامي للاجتماع الوزاري الذي عقدته دول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، التأكيد على "الدعم الكامل لمجلس القيادة الرئاسي برئاسة فخامة الدكتور رشاد محمد العليمي، والكيانات المساندة له لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن".
والذي يجعل بيان "مجلس التعاون" الحالي مختلفا عن سابقاته، هو ورود عبارة "الكيانات المساندة له"، والذي فسرها مراقبون يمنيون بأنها خطوة خطيرة، والذي ينذر باحتمالية انحلال الشرعية في اليمن.
وتعليقا على البيان، قال الكاتب اليمني، ياسين التميمي، إنه "ثمة توجه إقليمي خطير ومؤسف تمليه القوى المتنفذة في الملف اليمني، للتعاطي مع احتمال انحلال السلطة الشرعية وإعادة تقسيم مشروعيتها على قوى الأمر الواقع، على نحو ما كشف عنه بيان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليج".
وأكد التميمي خلال مقال له نشرته صحيفة "عربي21" في 9 مارس، أن الخطر يكمن في ورود عبارة "والكيانات المساندة له"، إذ إنه يمنح المشروعية الموازية للكيانات التي يتبنى بعضها نهجا انفصاليا ليس على مستوى السياسة بل على مستوى الجغرافيا، مما يشكل عمليا تهديدا وجوديا للدولة التي يرأسها رشاد العليمي الذي عبر بيان مجلس التعاون عن دعمه ودعم سلطته.
ورأى التميمي أن "الخطورة لم تعد تقتصر على انقلاب الحوثيين وتقاطعاته الإقليمية والدولية، بل تشمل أيضا هذه الهندسة الأنانية لحاضر ومستقبل اليمن من قبل الدول الإقليمية النافذة، والتي تستثمر للأسف الشلل الراهن في قدرات الدولة اليمنية".
وتوصل الكاتب إلى أن "النتيجة الحتمية، هي أن اليمن منذ مارس 2025 سيدخل مرحلة جديدة من الشلل السياسي والاقتصادي الذي سيصيب قدرة السلطات المتحكمة فيه".
وتابع: أن "هذا لن يُبقي لها سوى القدرة على القتال بالإمكانيات المتاحة، خصوصا إذا ما نجحت واشنطن ومعها لندن في تنفيذ وعودهما بإنشاء آلية رقابة على تدفق الأسلحة والمساعدات العسكرية لجماعة الحوثي".
ومن أبرز التشكلات التي توازي الشرعية في اليمن، هو "المجلس الانتقالي الجنوبي" برئاسة عيدروس الزبيدي، المدعوم إماراتيا ويطالب بانفصال جنوب اليمن، إضافة إلى تشكيلات عسكرية أخرى تتلقى الدعم من أبوظبي والرياض، لكنها لا تخضع للسلطات اليمنية الرسمية.

خطوة استباقية
وفي قراءة للبيان الخليجي، رأى المحلل السياسي اليمني، عبد الباقي شمسان أن "هناك تحولات في جغرافية الصراع بالمنطقة سواء في السودان ولبنان وسوريا، والتي بدأت تهيمن فيها الدولة والشرعية، وهذه كلها جعلت مجلس التعاون الخليجي يحاول أن يبقى مهيمنا على خارطة الجغرافيا اليمنية".
وأضاف شمسان لـ"الاستقلال" أن "مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، نظريا يعد السلطة الشرعية، لكنه إذا نظرنا إلى مكوناته ومدى حقه الأصيل في ممارسة السيادة، نلاحظ أن هذا المكون المتنوع هو وكيل جمعي لدول الإقليم، ولا يمثل تطلعات الشعب اليمني".
وتابع: "دول الإقليم لم تشكل مجلسا معطلا وغير متناغم وفاقدا حقه الأصيل في ممارسة السيادة فقط، وإنما كان لها أيضا كيانات أسستها لضمان بقائها مهيمنة في رهانات الحقل السياسي اليمني وفي الجغرافيا اليمنية".
وأشار إلى أن "قرار التعاون الخليجي هو خطوة استباقية للاحتمالات الواردة، في حال جرى التحول نحو السلطة الشرعية لبسط السيطرة على كامل الجغرافيا اليمنية، بمعنى إذا كان هناك توجه دولي لإنهاء الانقلاب الحوثي وتمكين السلطة الشرعية لفرض القانون".
ولفت شمسان إلى أن "هذه الدول الإقليمية تشرعن هذه الكيانات، رغم أنها تتحرك بصفة الشرعية ولكنها لا تنتمي إليها، بالتالي هي شرعنة لمصالح الإقليم وليس للكيانات ذاتها، وهذا يفسر كلمة (مساندة) للسلطة الشرعية".
وأكد الخبير اليمني أن "دول الإقليم عندما تدخلت في اليمن كان لها أهداف معلنة، هو إنهاء الانقلاب الحوثي وعودة السلطة الشرعية، لكن لا يمكن لدول الإقليم الآن الحديث عن هذه الأهداف وبالوقت نفسه هي تدعم وتساند كيانات أخرى موازية لها".
وشدد على أن "من يساند الشرعية ينبغي ألا ينافسها ولا يكون بديلا لها، بل ينخرط تحت سلطة الشرعية ووفقا لسيادة القانون، وبالتالي هذا القرار لمجلس التعاون، هدفه الحفاظ على نفوذ دول الإقليم المتصارعة".
وبين شمسان أنه "لا توجد حتى الآن جماعة يمنية قادرة على أن تتحدث باسم الدولة وهي من تتحاور مع هذه الجماعات وتقول: إن هذه الجماعة شرعية أو لا، مساندة أم لا، رغم أن المجلس الرئاسي هو الوحيد الذي لديه القدرة على ذلك".
وحذر الخبير اليمني من خطورة القرار الخليجي، لأنه "عندما نقول كيانات مساندة للشرعية وليست منخرطة فيها يعني هذا تشظيا للفعل السياسي والسيادي اليمني وبيد الإقليم والمصالح المتضاربة، وليس بيد السلطة الشرعية الممثلة للشعب اليمني".
وتوقع شمسان أنه "إذا قررت الولايات المتحدة فرض سلطة الشرعية في اليمن، فإن هذه الدول الإقليمية سوف تخضع لذلك وتدعم الخيار الموحد، لأن الميدان اليمني تتحكم فيه دول الإقليم".
وتوصل إلى أن "الحديث عن كيانات مساندة فإننا نتحدث عن اقتطاع أجزاء كبيرة من السلطة الشرعية، لأن عمليا هناك من يمارس صناعة القرار والوجود بديلا عنها، لذلك هذا تجزئة وتقطيع للسلطة وإضعافها تحت مبرر مساندتها".
وخلص الخبير اليمني إلى أن "السلطة الشرعية كانت بداية في مواجهة الحوثيين، ثم أخذ جزء منها للمجلس الانتقالي الجنوبي، والآن يجرى شرعنة كيانات أخرى، وذلك لاقتطاع جزء كبير من الشرعية، بمعنى هناك كيانات مساندة لسلطة نظرية وليست واقعية".

تغيير محتمل
ومع عودته إلى البيت الأبيض، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مليشيا الحوثي اليمنية على قائمة "المنظمات الإرهابية الأجنبية" والتي تعرف اختصارا بـ (FTO)، وذلك مع تراجع المحور الإيراني في المنطقة، خصوصا بعد تدمير حزب الله اللبناني والإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا.
وفي 22 يناير/ كانون الثاني 2025، وقّع ترامب أمرا تنفيذيا يعيد تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية أجنبية"، وذلك بعدما رفعهم سلفه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من هذا التصنيف الذي أصدره الأول خلال ولايته الأولى في عام 2021.
لكن بعد اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودخول الحوثيين على خط المواجهة مع إسرائيل "دعما للفلسطينيين"، باستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وضعهم بايدن عام 2024 في قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص" (SDGT).
ويركز هذا التصنيف الأخير على تجميد الأصول وحظر المعاملات المالية؛ أي أنها خطوة اقتصادية أكثر وتديرها الخزانة الأميركية وفيها بعض الاستثناءات بالسماح بالمساعدات الإنسانية.
أما قائمة "المنظمات الإرهابية الأجنبية" (إف تي أو)، فتشمل أيضا تجميد الأصول وحظر التعاملات، لكنها تفرض عقوبات شديدة على من يحاول تجاوز هذه الخطوة، وتصدر عادة عن وزارة الخارجية الأميركية.
وأشاد رئيس الحكومة اليمنية الشرعية (المعترف بها دوليا)، أحمد عوض بن مبارك، بإعادة إدراج الحوثيين على لوائح الإرهاب، مؤكدا أن "عدم الضغط عليهم أطال أمد الأزمة في اليمن إلى أكثر من 10 سنوات".
ورأى خلال مقابلة تلفزيونية في 24 يناير، أن إعادة إدراج الحوثيين على قوائم الإرهاب "خطوة بالاتجاه الصحيح" ويرسل "رسالة واضحة ومهمة جدا" من المجتمع الدولي والولايات المتحدة للضغط عليهم.

وشدد بن مبارك على ضرورة التعاطي مع أزمة اليمن من "منظور شامل، سياسي وأمني واقتصادي، وليس إنسانيا فقط".
وأكد أن القرار يُعد "أداة قانونية واقتصادية لعزل أذرع إيران الإرهابية في المنطقة"، مشيرا إلى أنه "يمكن أن يشكل ضغطا حقيقيا على الحوثيين"، حسبما نقلت وكالة "سبأ" اليمنية الرسمية في 26 يناير.
وفي المقابل، أدانت جماعة الحوثي إعادة تصنيفها “منظمة إرهابية أجنبية”، وقالت: إن "القرار هذا لن يزيدها إلا ثباتا وصمودا على الحق ودفاعا عنه وفي المقدمة حق الجمهورية اليمنية في التحرر والاستقلال والسيادة على كامل ترابها ونصرة المظلومين".
ورأت في بيان لها أن "هذا القرار القديم الجديد لا يخدم الاستقرار في المنطقة وجهود السلام التي ترعاها الأمم المتحدة لتحقيق السلام العادل والمشرف للشعب اليمني".
في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، انقلبت مليشيا الحوثي المدعومة من إيران على السلطة الشرعية في اليمن، وسيطرت على صنعاء ومدن أخرى؛ ليدخل البلد في دوامة العنف، لا سيما بعد دخول تحالف عسكري عربي بقيادة السعودية في عام 2015 لدعم الحكومة المعترف بها.