نتنياهو يتحرش بسوريا.. ما سر تهديداته للإدارة الجديدة وتطميناته للدروز؟

طالب أهالي السويداء مشيخة الطائفة الدرزية بالرد على تصريحات نتنياهو
بمجرد أن كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن خططه الجديدة بشأن جنوب سوريا، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وجهاء وأعيان الطائفة الدرزية التي تتركز في السويداء وريفها معلنا رفضه أي تهديد لهم، فيما خرج أهالي محافظات جنوب سوريا، في مظاهرات ووقفات شعبية تنديدا بتصريحات نتنياهو.
كان نتنياهو قد هدد بالسيطرة على المناطق الجنوبية للبلاد ونزع السلاح منها ومنع وجود القوات السورية فيها وفرض الوصاية على الطائفة الدرزية.
ووجه نتنياهو في خطاب ألقاه أمام دفعة جديدة من الضباط في حولون جنوب تل أبيب، في 23 فبراير/شباط 2025، عددا من التحذيرات للإدارة الجديدة في سوريا، مطالبا بجعل جنوب البلاد "منزوع السلاح بالكامل".
وأكد أن تل أبيب لن تسمح للإدارة الجديدة بالانتشار جنوبا، قائلا: "لن نسمح لقوات تنظيم هيئة تحرير الشام أو للجيش السوري الجديد بدخول المنطقة جنوب دمشق".
وأضاف: “لن نتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء جنوب سوريا ونطالب بنزع تام للسلاح من هذه المنطقة".
مظاهرات ووقفات شعبية
واحتجاجا على تصريحات نتنياهو، خرج أهالي محافظات جنوب سوريا، في مظاهرات ووقفات شعبية، وشهدت مناطق القنيطرة وبصرى الشام، بريف درعا وساحة التظاهر في السويداء، وقفات احتجاجية ترفض أي شكل من أشكال التقسيم والمشاريع الانفصالية.
وردد المشاركون فيها هتافات تهاجم الاحتلال الإسرائيلي، وتطالب بانسحابه من الجولان، وتدين تصريحات نتنياهو بشأن تقديم الدعم للطائفة الدرزية.
فيما طالب مشاركون من حراك السويداء الشعبي، مشيخة الطائفة الدرزية بالرد على تصريحات نتنياهو بشأن تقديم الحماية لهم.
وشهدت درعا البلد، مظاهرة حاشدة حمل فيها الأهالي لافتات أكدت “رفض تقسيم سوريا” و"الحفاظ على وحدة أراضيها واستقلال قرارها السياسي".
كما خرجت مظاهرات مماثلة في كل من خربة غزالة، وبصرى الشام شرقي درعا، ونمر وإنخل وجاسم وعتمان شمالي ذات المدينة.
وأيضا خرجت مظاهرات في مدينة داعل في ريف درعا الأوسط، ونوى في ريف درعا الغربي، ودوار خان أرنبة في ريف القنيطرة.
وأصدر أهالي مدينة نوى بيانا، أكدوا فيه مواجهة أي مشروع انفصالي وتوعدوا بالقول: "إن لم يبق في أيدينا إلا الحجارة فلن نتوانى عن الدفاع عن أرضنا"، مؤكدين رفضهم التصريحات الإسرائيلية، التي تعد "تدخلا سافرا في الشأن السوري وانتهاكا للسيادة الوطنية".
وفي السويداء، نزل الأهالي في مظاهرة شعبية إلى ساحة الكرامة استنكارا لتصريحات نتنياهو عن حماية الدروز، والتي عدّوها محاولة "لبث الفتنة وإثارة الانقسامات الطائفية".
وفي تحرك رسمي مناهض لتهديدات نتنياهو، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وجهاء وأعيان الطائفة الدرزية التي تتركز في السويداء وريفها معلنا رفضه أي تهديد لهم.
وذكرت رئاسة الجمهورية السورية عبر حسابها على منصة "إكس"، أن الشرع عقد اجتماعا مع وجهاء وأعيان الطائفة الدرزية.
وتزامن ذلك، مع بدء وزارة جيش الاحتلال إجراءات لتنظيم دخول عمال دروز من سوريا للعمل في بلدات تحتلها إسرائيل بمرتفعات الجولان، وفق ما أكده مصدران أمنيان لقناة "كان" العبرية.
ووفقا للخطة، سيتم في المرحلة الأولى استقدام عشرات العمال السوريين للعمل في قطاعات البناء والزراعة داخل القرى الدرزية بالجولان.
وتحتل “إسرائيل” منذ 1967، معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت الوضع الجديد في سوريا واحتلت المنطقة السورية العازلة.
وبعدما بسطت فصائل الثورة السورية سيطرتها على دمشق، في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، منهية 61 عامًا من حكم حزب البعث و53 سنة من سيطرة أسرة الأسد، شن الاحتلال غارات جوية دمرت مواقع عسكرية وآليات وذخائر لجيش النظام السابق.
طائفة الدروز
والدروز، طائفة دينية عربية معروفة بتماسكها الداخلي، تعيش في سوريا بنواحي دمشق وجبل حوران، وفي لبنان وفلسطين المحتلة، وأسسها محمد بن إسماعيل الدرزي -المعروف بأنوشتكين- في القرن الـ11 الميلادي، ولها راية خاصة بها.
ويقدَّر عدد أفرادها بمن فيهم أولئك الذين هاجروا إلى أوروبا أو أميركا أو غرب إفريقيا، بنحو 1.5 مليون في جميع أنحاء العالم، فيما تُشير التقديرات إلى أن سوريا تضم بين 40 إلى 50 بالمئة من مجمل الموحدين الدروز.
ويُعتقد أن الدروز السوريين يشكلون ما يقدر بنحو 3.2 بالمئة من السكان أي بين 700 - 800 ألف نسمة، وتزعم مصادر أخرى أن عددهم يبلغ حوالي مليون نسمة.
ويتركزون في المناطق الريفية والجبلية في شرق وجنوب دمشق، ويشكلون الغالبية في محافظة السويداء في المنطقة المعروفة رسميا باسم جبل الدروز.
وتعود الأصول التاريخية للطائفة الدرزية إلى عهد الخليفة السادس للدولة الفاطمية الحاكم بأمر الله -الذي امتدت فترة حكمه من عام 996 ميلاديا إلى 1021 ميلاديا- على يد محمد بن إسماعيل الدرزي (نسبة إلى أولاد درزة أي صانعي الثياب) الذي هاجر إلى الشام، واشتهرت الطائفة باسمه.
لكن مراجع أخرى تذكر أن المؤسس الفعلي للطائفة هو حمزة بن علي بن محمد الزوزني، الذي يعد أحد مؤسسي مذهب الموحدين الدروز، والمؤلّف الرئيس للنصوص الدرزية.
ويعرّف الدروز أنفسهم باسم الموحدين، أو "بنو معروف"، وهو اسم لقبيلة عربية اعتنقت الدرزية في بداياتها.
ويؤمنون بميثاق أو عهد ولي الزمان، وهو قَسم يصبح به الشخص درزيا، ويعدونه ميثاقا أزليا.
وعُرف الدروز بالانغلاق على أنفسهم وتماسكهم الاجتماعي والثقافي والسياسي، واشتهر رجالهم بشوارب كبيرة لها مدلول ديني.
ويدينون بمذهب التوحيد، وكل عقائدهم مأخوذة عن الطائفة الإسماعيلية، وقد تأثرت العقيدة الدرزية بتيارات فلسفية ودينية متعددة ومن أصول مختلفة، ومن مبادئها السرية في نشر أفكارها.
إشادة بالشرع
وأشاد ناشطون عبر تغريداتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #أحمد_الشرع، #نتنياهو، #جنوب_سوريا، #الدروز وغيرها، باجتماع الرئيس السوري بوجهاء الطائفة الدرزية، وعدوها خطوة رسمية لوأد الفتنة.
وأعربوا عن رفضهم لتهديدات نتنياهو للجنوب السوري، مستنكرين تنامي أطماعه وتوجه أنظاره الاستعمارية إلى سوريا التي لفظت في ديسمبر 2024 النظام الديكتاتوري الفاشي لآل الأسد وإنهاء حكم بشار لسوريا.
وأثنى ناشطون على انتفاضة السوريين وخروجهم في مختلف المحافظات في احتجاجات مناهضة لنتنياهو ومستنكرة تهديداته، فاضحين حقيقة أطماعه ومنددين بصمت الأنظمة العربية الحاكمة وعدم إعلانها موقفا مناهضا ومنددا لتصريحاته.
وإشادة باجتماع الشرع مع وجهاء وأعيان الطائفة الدرزية، عرض الناشط الإعلامي منصور عبدالله، صورة من اللقاء، قائلا: "قصر الشعب اليوم.. صورة أبلغ من أي تعليق، ترد تلقائيا على تصريحات قاتل الأطفال الفاسد المفسد نتنياهو".
ووصف الصحفي مراد عبدالجليل، لقاء الشرع بقادة فصائل السويداء، بعد 24 ساعة من تصريحات نتنياهو التي ادعى فيها حماية الدروز بأنه "مهم"، مؤكدا أن الحماية الحقيقية للطائفة في سوريا تكمن في اندماجها مع الدولة الجديدة وانخراطها في مؤسساتها.
وعد هيثم ياوز، لقاء الشرع بوجهاء الطائفة الدرزية "ردا قويا وسريعا" بعد تصريح نتنياهو بأن "إسرائيل" لن تسمح لأحد بالمساس بالطائفة.
وأشارت المغردة ميسرة، إلى أن الشرع يحاول التصرف بحكمة وهدوء منذ سقوط الأسد، وتجنب أي احتكاك حاليا مع إسرائيل لحين تثبيت النظام الجديد وحل مشكلة الأكراد (قسد)، لكن نتنياهو يستمر في استفزازه وتوسعه في جنوب سوريا، والآن يحاول استغلال الدروز للانشقاق عن الدولة السورية.
ورأت أن الخيارات أمام الشرع كلها صعبة، والبلد لا تحتمل أي حروب خصوصا ضد خصم بقوة إسرائيل والغرب.
وقالت: "يبدو أنه لا مفر من تعجيل التعاون العسكري والدفاعي مع تركيا وقبول مطالبها بحل عسكري حازم لموضوع الأكراد ومن ثم التفرغ لتهديدات إسرائيل بدعم تركي".
وكتب مصطفى النعمي: "الشرع يستقبل في قصر الشعب، زعماء الطائفة الدرزية.. ردا على مزاعم نتنياهو في تصريحات العنجهية تجاه اقتطاع أراضٍ سورية لحماية الدروز كما يقول كذبا وهو ما يؤكد حالة الارتياح والأمان التي كانت تعيشها سلطة الاحتلال الإسرائيلي بوجود نظام حافظ الأسد وبشار.
استنكار وتنديد
وتنديدا بتهديدات نتنياهو، قال المحلل السياسي أحمد الهواس: إنه بعد أن انكشف ظهر الصهاينة، يريدون منطقة عازلة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وبدأوا يظهرون الود لأهل السويداء بأنهم حماة لبني معروف.
وأشار إلى أن الصهاينة يتخيلون أن الدروز سينقادون لهذه الدعوة الانفصالية، ويشكلون القوس الدرزي لحماية إسرائيل، ونسوا أو تناسوا أن سوريا (الجيوسياسبة) كانت نتاج اجتماع الوطنيين في القريا وتسليم الراية لسلطان باشا الأطرش.
وأوضح الهواس، أن الأطرش حمل راية الثورة السورية الكبرى ضد فرنسا، وتم توحيد الدويلات السورية التي صنعتها فرنسا في سوريا (الحالية)، مضيفا: "لو أراد الدروز دولة مستقلة لما تخلوا عن دولة كانت بين أيديهم".
واستنكر أحد المغردين، تهديدات نتنياهو، متسائلا: “أين ما يسمى القانون الدولي واحترام سيادة الدول، والاتفاقيات والمواثيق الدولية؟”
ورأى الكاتب والشاعر ماهر شرف الدين، أن أفضل رد على تصريحات نتنياهو ليس المزيد من البيانات، بل الانخراط في الدولة الجديدة.
وأوضح الصحفي سمير العركي، أن ممر داود الغرض الأساسي والرئيس لتصريحات نتنياهو وتحركات جيش الاحتلال في الجنوب السوري، مشيرا إلى أن الممر يستهدف ربط إسرائيل بالكيان الانفصالي في شمال وشمال شرق سوريا.
وقال: إنه في مرحلة متقدمة يتم ربطه بأربيل، على أمل فصل جنوب شرق تركيا، وفي الساحل كيان انفصالي آخر للعلويين، بحيث يتم حصر العرب السنة وفصلهم عن الأردن جنوبا وعن أتراك الأناضول السنة شمالا.
وأضاف العركي، أن "أولوية الحكومة السورية هي القضاء على مليشيا قسد لأنها اللاعب الرئيس في هذا المخطط، أما السويداء وما يحدث فيها فمجرد قنابل دخان".
وقال المغرد بسام، إن ما يريده نتنياهو من سوريا، باختصار، هو تحويلها إلى جار ضعيف ومستباح، مع منطقة جنوبية خالية من السلاح تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة.
وأضاف أن نتنياهو يهدف إلى منع أي تهديد عسكري محتمل، سواء من جيش سوري جديد أو جماعات مسلحة، مع السعي لفرض واقع جغرافي وسياسي جديد يعزز هيمنة إسرائيل في المنطقة.
وأكد بسام، أن هذا المشروع يثير قلقا سوريا وعربيا واسعا، كما ظهر في الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مدن مثل درعا والسويداء يوم 24 فبراير 2025، والتي رفضت هذه التحركات بشدة.
وكتب المحامي محمد محسن: "بعد فشل نتنياهو في غزه وبعد أن مرغ أنفه بالتراب تنفّس الصعداء بعد أن هزم حزب إيران فأصابه الغرور فبدأ التحرش بالجمهورية العربية السورية منتهزا فرصة يبدو له أنها سانحة ونسي أن رجال الله ينتظرون أن تسنح لهم فرصة لدق رقبته وإلى الأبد".
مظاهرات مناهضة
وفي امتداح الاحتجاجات الشعبية المناهضة لتصريحات نتنياهو، قال المغرد الدومري، إن الأخير جاءه رد خارق حارق من الدروز عبر المظاهرات.
وأوضح أن أهداف نتنياهو هي نفس أهداف مؤيدي بشار الأسد وهي "تقسيم سوريا"، ساخرا من تصريحه بأنه لن يتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية الذي توقع أن تسنح له الفرصة لأخذ شقفة من سوريا بحجة أنه "حامي الحما".
وعرض مصطفى الرفاعي، مقطع فيديو من مظاهرة في بصرى الشام، موضحا أنه كان مخطط تنظيم مظاهرات يوم غد في درعا، لكن الناس لم تقبل الانتظار وقررت الانتفاض والتظاهر فورا رفضا للتدخل الإسرائيلي في الشأن السوري الداخلي.
وأوضح أن أهالي بصرى الشام خرجوا رفضا لتصريحات نتنياهو، ورفضا لأي احتلال جديد، وتأكيدا على وحدة سوريا أرضا وشعبا.
وعرض المحلل السياسي ياسين عزالدين، صورة من بصرى الشام لإحدى المظاهرات التي خرجت للتنديد بتصريحات نتنياهو ونوايا الاحتلال العدوانية تجاه سوريا، يرفع المشاركون فيها لافتات مكتوبا عليها "سورية واحدة موحدة لا للتقسيم ولا للتجزئة".
انبطاح عربي
واستنكارا لضعف الموقف العربي تجاه نتنياهو وأطماعه في سوريا، أشارت حياة زيد، إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منزعج من وجود حكومة سورية تمثل الشعب السوري".
وبينت أن “نتنياهو لا يريد وجود قوة للحكومة السورية في جنوب سوريا لتكون المنطقة منزوعة السلاح”، مؤكدة أن "جُرأة هؤلاء لم تكن لولا الانبطاح للزعماء العرب وخذلان غزة".
وتساءل نور الدين المساهر: “لماذا لم يُفسَّر تصريح نتنياهو على أنه هجوم على الحكومة السورية الجديدة، ولم يصدر أي تنديد أو استهجان من وزراء الخارجية العرب؟”
ورأى الصحفي إياد أبو شقرا، أن المطلوب موقف أردني يقطع الطريق على أطماع نتنياهو ويحمي عروبة الجنوب السوري و"سوريته"، مؤكدا أن الدور الأردني مهم جدا.
ورأى الصحفي محمد قواص، أن مواقف نتنياهو ما يُشتمّ منه عداء للرعاية العربية التي تقودها السعودية للنظام الجديد في سوريا ورسالة إلى الرياض من بوّابة دمشق بعد انتقادات وجّهها من واشنطن لشرط المملكة إقامة دولة فلسطين قبل أيّ علاقات سعودية مع إسرائيل.