رغم وجودهم بالسلطة.. لماذا يتهم أعوان إيران سفيرة واشنطن بقيادة العراق؟

12

طباعة

مشاركة

رغم قيادة قوى "الإطار التنسيقي" الشيعي السلطة في العراق، خرجت جماهيرهم وعناصر المليشيات الموالية لإيران، بتظاهرة أمام سفارة واشنطن ببغداد، احتجاجا على ما وصفوه بـ "وصاية أميركا على العملية السياسية".

التظاهرة الأولى من نوعها في عهد حكومة محمد شياع السوداني المنبثقة عن "الإطار التنسيقي"، أثارت تساؤلات عدة عن أسباب لجوء الأخير إليها.

فهل هي تعبير عن تذمر الحكومة نفسها من "الوصاية الأميركية"، أم ثمة انقسام داخلي حيال التعاطي مع واشنطن، أم أنها كانت وسيلة للتغطية على الفشل في معالجة الأزمات بالعراق؟

جاءت التظاهرة في 14 يوليو/ تموز 2023 بعد تفاقم أزمة الطاقة الكهربائية في العراق، جرّاء قطع إيران إمدادات الغاز بذريعة وجود خلل لديها، قبل أن تستأنف ضخه بعد ثلاثة أيام.

وحدثت هذه الخطوة نتيجة عدم تسلم طهران مستحقاتها المالية بسبب العقوبات الأميركية، وفي ظل إبرام البلدين اتفاقية تبادل الغاز مقابل النفط الأسود.

ضغوط أميركية

وعلى ضوء التساؤلات المطروحة، قال السياسي العراقي والنائب السابق، وائل عبداللطيف، إن "ما يحصل اليوم يدل على وجود شيء في الأفق، وهذا ما تتحدث عنه وسائل الإعلام عن أمور طلبتها الولايات المتحدة من الإطار التنسيقي تحديدا يتعلق بالفصائل المسلحة بالحشد الشعبي، وتهريب العملة الأجنبية".

وأضاف عبداللطيف لـ"الاستقلال" أن "الإطار التنسيقي إذا كان لديه امتناع عن التعامل مع أميركا فيفترض به عدم استقبال سفيرتها ببغداد ألينا رومانوسكي، التي استقبلها جميع قادة الإطار وأظهرت صور اللقاءات ذلك إلى الرأي العام في العراق".

وتابع: "بالتالي السفيرة الأميركية لا بد أن لديها كلاما تتحدث به يتعلق بالسياسة العامة للدولة العراقية، لذلك ربما وصلت الأمور إلى مراحل متقدمة من الضغط الأميركي على الإطار التنسيقي تحديدا".

ورأى عبداللطيف أنه "بناء على ذلك خرجت المظاهرات الخاصة بالفصائل المسلحة للقول إننا موجودون وغير ملتزمين لا بتوجيهات الولايات المتحدة ولا ما تريده من الإطار التنسيقي".

وفي نقطة الضغوط الأميركية على الإطار التنسيقي، كانت صحيفة "أخبار الخليج" البحرينية قد نقلت عن مصادر لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي (لم تكشف عنها) أن "واشنطن مازالت ترفض استقبال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني".

وأوضحت الصحفية الخليجية في 4 يوليو 2023 أن" مكتب السوداني لم يتلق ردا بالقبول أو الرفض من واشنطن حول زيارة مرتقبة للأخير لمناقشة ملفات مهمة تخص الوضع الداخلي في العراق".

وأشارت إلى أن "واشنطن كانت طرفا فاعلا في تنصيب السوداني وفق معادلة التوافق بين الولايات المتحدة وإيران، وأن الأخيرة وافقت على تنصيبه رئيسا للحكومة العراقية مقابل إنجاز ثلاثة مطالب ملحّة بالنسبة لواشنطن".

وبحسب الصحيفة، فإن المطالب هي: "تحقيق إنجاز ملموس في مجال مكافحة الفساد والكشف عن رؤوسه الكبيرة وتقديم قائمة بأسمائهم إلى الجانب الأميركي لغرض ملاحقتهم وتجفيف أموالهم. والبدء في تفكيك الحشد الشعبي من خلال دمجه بالمؤسسات الأمنية والعسكرية وسلب صلاحيات قادته الإداريين والعسكريين".

وثالث هذه المطالب، يتمثل بـ "مراقبة حركة المال العراقي وعدم السماح بتهريب العملات الأجنبية إلى إيران وسوريا والجهات التي تدعم الحرس الثوري الإيراني"، وفقا للصحيفة.

ولم يصدر عن السلطات العراقية أو الجانب الأميركي حتى 20 يوليو 2023 أي تعليق بخصوص ما أوردته الصحيفة الخليجية عن مطالب الولايات المتحدة من حكومة السوداني.

تغطية الفشل

لم يستبعد عبداللطيف أن تكون هذه المظاهرة وسيلة للتغطية على عدم وجود منجز حقيقي للحكومة الحالية على أرض الواقع، وذلك بعد ثمانية أشهر من عمرها سواء على مستوى تحسين الكهرباء والماء وإنهاء البطالة وغيرها، لإظهار صورة أخرى غير الموجودة بالفعل.

وأكد عبداللطيف أن "الحكومة الحالية عاجزة بالفعل عن حل أزمة الكهرباء وتوفير كميات المياه التي يحتاجها الشعب العراقي"، لافتا إلى أن "العراقيين واعين لهذه المسألة بشكل جيد".

أما عن موقف الحكومة من المظاهرة، رأى عبداللطيف أن "اتفاقية فيينا لعام 1991 توجب على الحكومة حفظ السفارات ومقرات البعثات الدبلوماسية والقنصلية أينما توجد على أراضي الدولة".

وأردف: "يجب أن تمارس السلطة دورا واضحا مؤثرا في هذا الجانب حتى يقتنع المواطن العراقي أن هناك دولة وقوة تستطيع اتخاذ إجراءات لحفظ السفارة الأميركية أو غيرها، لكننا لم نر هذا لدى الحكومة في التعامل مع المظاهرة التي خرجت قبل أيام".

من جهته، قال السياسي العراقي والنائب السابق، حامد المطلك إن "كل الذين خرجوا في التظاهرة وانتقدوا بعضهم، هم من يتولون المراكز الحساسة في الدولة العراقية، وهم من أوصل وضع الشعب العراقي إلى هذا المستوى المتردي في كل النواحي".

وأضاف المطلك لـ"الاستقلال" أن "الكثير من القوى السياسية الفاعلة الحالية تعاونت مع الولايات المتحدة لاحتلال العراق، لكن الفشل الذريع في إدارتهم للدولة وتقاسم الحصص والاختلاف على المناصب، هو الذي جعل هؤلاء يتظاهرون ضد بعضهم أو ضد جهة معينة لخلق أعذار محددة".

وأردف: "لو كان هؤلاء جادين وصادقين في خدمة العراق، فعليهم الاستفادة من التجربة المريرة طيلة 20 عاما ويوحدوا قواهم لبناء البلد وليس العمل لصالح المصالح الشخصية والفئوية".

ولفت إلى أن "البلاء الذي حل في العراق كله نتيجة الاحتلال الأميركي الذي سلم البلد إلى جهات داخلية وخارجية حتى تعبث كما تشاء، إضافة إلى أن بعض الأحزاب المتنفذة وضعت أيديها بيد جهات خارجية على حساب الوطن والمواطن، لذلك تعمقت الخلافات بينهم، وهذه المظاهرة إحدى نتائج الصراعات الداخلية".

أزمة المليشيات

على الصعيد نفسه، قال الكاتب العراقي صادق الطائي، إن "أكرم الكعبي الأمين العام لمليشيا حركة النجباء القريبة من الحرس الثوري الإيراني، كان رأس الحربة في الأزمة الجديدة التي شهدتها بغداد والمتمثلة في خروج أنصار الإطار التنسيقي في تظاهرة حاولت الوصول إلى سفارة واشنطن".

وقال الطائي خلال مقال نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" في 16 يوليو 2023، إن "المتظاهرين رفعوا أعلاما إيرانية وشعارات (الموت لأميركا، الموت لإسرائيل)، وإن هناك تسريبات تشير إلى الولايات المتحدة باستخباراتها كانت تنوي استهداف أكرم الكعبي، على خلفية اتهامه بتوجيه ضربات إلى القوات الأميركية في سوريا".

ولفت إلى أن "السفيرة الأميركية في بغداد، ألينا رومانوسكي،  لها حضور لافت في الحوار والتفاعل السياسي العراقي، ما دفع بخصوم الإطار التنسيقي بالإشارة إلى أنها هي الحاكم الفعلي في بغداد، وليس السوداني، الذي يحاول أن يبدو بصورة الرئيس الحازم الذي سيفعّل القانون، ويحارب الفساد، ويشرع مسيرة تنمية حقيقية".

وبحسب الكاتب، فإن "العراق شهد في الأشهر الأخيرة استقرارا أمنيا لافتا، وقد عزا المراقبون هذا الهدوء لانخراط المليشيات في جسد الدولة واستفادتهم مما توفره إمكانياتها من أرباح اقتصادية، عبر السيطرة على الموارد والمشاريع التي تطرح للعمل في البلاد".

وتابع: "جاء ذلك بعد تحول واضح لجهد كبير من مليشيات الحشد  الشعبي إلى العمل الإنشائي والهندسي، عبر شركات تحاول أن تحذو حذو الهيئة الهندسية للحرس الثوري الإيراني التي تسيطر على الاقتصاد الإيراني".

وتساءل الطائي، قائلا: "إذن ما الذي أشعل فتيل أزمة جديدة بين المليشيات القريبة من طهران، والوجود الأميركي في العراق بعد شهر العسل، الذي استمر منذ تشكيل حكومة السوداني حتى الآن؟ ببساطة ووضوح إنها أزمة الكهرباء في العراق".

وأشار إلى أن "ملف الكهرباء في العراق بات من الملفات المستعصية على الحل، التي لا تلوح لها حلول حقيقية في الأفق. وإن تراجع التجهيز وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة مع اشتداد حرارة الصيف الحارق بالبلد، بات من المسلمات".

كما أن الحكومات المتتالية لعبت وتلعب على توترات الشارع كل سنة بشكل من الأشكال والنتيجة تعليق أخطائها على شماعات مختلفة، وفق قوله.

وكانت التظاهرة قد دعت إليها مليشيات شيعية موالية لإيران، منها: "كتائب حزب الله" و"النجباء" و"عصائب أهل الحق"، احتجاجا على التدخلات الأميركية في شؤون العراق الداخلية، وحذروا خلال بيانات لهم من أن ردهم سيكون أشد في حال عدم وضع حد لها.

وخلال بيان لها في 14 يوليو 2023، أعلنت فيه جماعة "أهل الكهف"، التي يربط مراقبون ومختصون بشؤون الجماعات المسلحة في العراق صلتها بمليشيا "كتائب حزب الله"، التحشيد للتظاهر أمام سفارة واشنطن ببغداد، محملة الولايات المتحدة المسؤولية عن أزمة الكهرباء، في ظل عقوباتها المفروضة على طهران.

ورفع العشرات من عناصر المليشيات أمام المنطقة الخضراء ببغداد، صور قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني، ونائب قائد الحشد الشعبي أبومهدي المهندس، اللذين قتلا بضربة جوية أميركية في بغداد، مطلع العام 2020، كما حملوا أعلاما للفصائل، منها "عصائب أهل الحق" و"أهل الكهف" و"حزب الله العراق" و"النجباء"، فضلا عن أعلام إيرانية.

وشوهد عدد من النواب المرتبطين بالفصائل المسلحة مع المتظاهرين، منهم النائب عن مليشيا "عصائب أهل الحق" حسن سالم، والنائب عن مليشيا "حزب الله العراق" سعود الساعدي.