بتحريض أميركي.. هكذا يحاول جيش باكستان إنهاء المستقبل السياسي لعمران خان

إسماعيل يوسف | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

يخطو جنرالات باكستان خطوات حثيثة نحو محاكمة رئيس الوزراء السابق عمران خان عسكريا بتهمة تخريب المنشآت ومهاجمة مقار عسكرية، عقب اعتقاله في 9 مايو/أيار 2023، بهدف إنهاء مستقبله السياسي.

ويرى محللون أن خطة العسكر هي محاكمته عسكريا وسجنه وربما إعدامه، وفي الوقت ذاته تدمير حزبه (إنصاف) الذي جرى اعتقال العديد من قيادته، والإيعاز لآخرين بالانسحاب وتشكيل حزب بديل هو "حزب الاستقرار الباكستاني".

سبب استهداف "خان" بقوة هذه المرة، وتوقعه هو نفسه أن يجري اعتقاله أو قتله، هو تحديه للمؤسسة العسكرية بصورة لم يعتدها العسكر من قبل، واتباعه إستراتيجية المواجهة المباشرة معها.

والأهم تحركه، ضمن خطة محددة لتعزيز الديمقراطية، وتحجيم دور الجيش في الحياة السياسية، وسعيه لتدشين حقبة جديدة، ستكون هي الثامنة في تاريخ باكستان، لتحقيق حكم مدني حقيقي بالقانون والدستور، أي إقصاء العسكر.

وفي ختام اجتماع القيادات العسكرية بقيادة قائد الجيش الجنرال عاصم منير 8 يونيو/حزيران 2023 وجهوا، رسائل لعمران خان وأنصاره تؤكد أن الجيش عازم على تقديم "مهاجمي المنشآت العسكرية" في 9 مايو 2023 إلى محاكم عسكرية.

أكد، عبر بيان رسمي، أنه "حان الوقت لتشديد الخناق على المخططين والعقول المدبرة لأحداث 9 مايو". وجاء هذا عقب توجيه اتهامات لخان أمام محاكم مدنية وعسكرية بلغت قرابة 150 قضية، وفق رئيس الوزراء السابق.

150 قضية

منذ اعتقال "خان" في 9 مايو 2023 واحتُجازه ثلاثة أيام، وما تبعها من احتجاجات عنيفة من قبل أتباعه، جرى رفع قرابة 150 قضية ضده، وصفها بأنها "عبثية" وستسقطها أي محكمة مدنية. 

بحسب قول خان لوكالة "رويترز" البريطانية: "هذه هي الطريقة الوحيدة للزج بي في السجن"، مضيفاً أن الجيش أراد (من وراء هذه القضايا) منعه من العودة إلى السلطة عن طريق الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

أكد أنهم يعدون العدة لمحاكمته أمام محكمة عسكرية، وشدد على أن هذا النوع من المحاكمات "غير قانوني".

وقال خان في حوار مع التلفزيون "العربي" 6 يونيو إن كل القضايا التي يُحاكم بموجبها أمام محاكمة مدنية يجري إسقاطها لأنها زائفة، ولهذا لجأوا إلى المحكمة العسكرية واتهامي بقتل محام.

أكد أن المحكمة العسكرية أنشئت للزج به في السجن، ونبه إلى أن حركة الإنصاف ستفوز بالانتخابات في حال إجرائها لأن شعبيته تفوق بقية الأحزاب، وفق رأيه.

وفي 6 يونيو 2023 قُتل محام رفع قضية ضد عمران خان بتهمة الخيانة برصاص مجهولين في بلوشستان، وتوقع باكستانيون أن يوجه الجيش والحكومة الاتهام لرئيس الوزراء السابق ضمن محاولات تكبيله بقضايا تمهيدا لسجنه وإعدامه.

وتوقع المحلل السياسي الباكستاني "حذيفة فريد" تلفيق قضية لعمران خان مشابهة تماما لما حصل مع زعيم البلاد ورئيس الوزراء الأسبق ذو الفقار علي بوتو، الذي سجن، ثم حكم عليه بالإعدام.

وذو الفقار علي بوتو أُعدم عام 1979 بعد محاكمة مثيرة للجدل بدعوى موافقته على اغتيال سياسي معارض في خطوة رأى البعض أنها جاءت بدفعٍ من القائد العسكري حينئذ محمد ضياء الحق. 

وأكد المحلل الباكستاني أنه ربما يتم نفي عمران خان بعد وساطة بدل إعدامه خشية إثارة أنصاره.

وقالت وكالة رويترز 8 يونيو 2023 إنه جرى بالفعل التحقيق مع خان بشأن قتل المحامي والإفراج عنه بكفالة بتهمة "القتل العمد".

وفي 13 مايو 2023 قال خان لقناة "الجزيرة" إن "الحكومة الحالية والمؤسسة الأمنية والعسكرية يخشون عودتي للسلطة، لذا تجدهم يفعلون أي شيء لإبقائي خارجها، ويريدون وضعي في السجن لأنهم خائفون من مشاركتي في الانتخابات".

تدمير "الإنصاف"

عقب هجوم أنصار خان على منشآت الجيش والصدام مع الشرطة، أكد عدد من قادة حزبه (الإنصاف) أن منفذي تلك التخريبات، ليسوا من أعضاء الحزب، وألمحوا إلى أن الأمر ربما يكون مدبرا من العسكر لتوريط الحزب.

تبع هذا سلسلة ضغوط وتهديدات عسكرية على قادة في حزب عمران خان، دفعت بعضهم للاستقالة، واتجه فريق منهم لتشكيل حزب آخر منافس منشق.

وعد محللون ذلك "جزءا من خطة الجيش" لتفتيت قاعدة "خان" الجماهيرية بحيث يسهل إلقائه في المعتقل لاحقا وربما إعدامه.

وقد ألمح خان في مقابلة مع وكالة "رويترز" 5 يونيو 2023، بشكل صريح إلى تورط الجيش في حملة لقمع "حركة الإنصاف" وتفكيكها.

واتهم الجيش، ذا النفوذ القوي، وجهاز الاستخبارات التابع له بمحاولة تدمير حزبه السياسي.

وفي حوار مع مجلة "نيوزويك" الأميركية 6 يونيو 2023، اتهم "خان" الجيش بمحاول تفكيك الحزب بشكل منهجي، معتبرا أن هدفهم "تفكيك الديمقراطية" في صورة حزبه.

قال إنه في غضون 48 ساعة من أحداث 9 مايو 2023، جرى وضع أغلب قيادات حزبه في السجون، وحصاره تماما.

ووصف خان الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت بعد القبض عليه لفترة وجيزة، بأنها "عملية ملفقة" الغرض منها استهدافه.

وبدأت السلطات محاكمة العشرات -من بينهم أعضاء في حزبه- أمام محكمة عسكرية للاشتباه في تورطهم في الاحتجاجات.

وعادة ما تنظر المحاكم العسكرية في قضايا العسكريين أو من يصنفون على أنهم أعداء للدولة.

لماذا يخشونه؟

ويخشى الجيش أن يؤدي فوز خان في أي انتخابات مقبلة لكبح جماح الجنرالات، وتثبيت حكم مدني وتصفية النظام السياسي التشريعي القائم، وإصلاح النظام القضائي، بحسب مجلة "فورين بوليسي" 20 مارس/آذار 2023.

وأكدت صحيفة "دون" الباكستانية خلال تقرير في 22 مارس 2023، أن أهمية معركة "خان" وجنرالات الجيش الحالية تنبع من أنها المحاولة السابعة للمدنيين لمنع هيمنة العسكريين على السلطة، منذ الحقبة المدنية الأولى.

أشارت إلى سبع حقب أو فترات حكم هي: حكم محمد علي جناح، وكانت الأولى ومدنية، والثانية ديكتاتورية بعد انفصال بنغلاديش، والثالثة مدنية لذو الفقار علي بوتو، تلتها الرابعة العسكرية لضياء الحق، الذي أعدم سابقه.

والخامسة كانت مع الثنائي بينظير بوتو ونواز شريف، والسادسة مع الجنرال برويز مشرف، الذي جعل الجيش الباكستاني اللاعب المهيمن في الاقتصاد السياسي، والسابعة للنظام الحالي برئاسة شهباز شريف الذي يناوشه عمران خان.

وترى صحيفة "دون" أن خان يسعى الآن لتدشين حقبة جديدة، ستكون هي الثامنة في تاريخ باكستان، وهدفها تحقيق سيادة مدنية حقيقية بالقانون والدستور، أي إقصاء العسكر.

ويتوقع التقرير الذي كتبه "عزير يونس"، مدير المبادرة الباكستانية في مركز جنوب آسيا التابع للمجلس الأطلسي، أن ينجح خان، على عكس أسلافه الذين حاولوا التغلب على الوضع الراهن.

والسبب برأيه أن خان "يتبع إستراتيجية المواجهة المباشرة مع العسكر"، ويضمن جيشا من الأنصار يقفون خلفه، ويستمد قوته من غضبهم و"الثورة" القادمة.

ويريد عمران خان وملايين من أنصاره، تحسين أوضاع باكستان الاقتصادية، وإنهاء تراكم الديون، ويرى أن ذلك أمر ممكن لو عاد الجيش لمعسكراته وثكناته على الحدود، بدلاً من الانشغال بإدارة سياسات البلاد والتحكم بمفاصلها وأجهزتها المختلفة.

يؤكد أنه لو تحول الجيش لأداة وطنية لحماية البلاد، دون الخضوع لمصالح وإستراتيجيات قوى أجنبية مؤثرة كالولايات المتحدة، ستتحسن بلاده.

المحاكم تتحدى

كان ملفتا بالتزامن مع توجيه عشرات القضايا ضد عمران خان وتزايد تدخل الجيش في محاكمته، أن المحاكم بدأت تتحدى العسكر، حسبما أوضح محللون لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية 31 مايو 2023.

أكدوا أن القضاء الباكستاني بدأ في معارضة الجيش علناً ليبرز كقوة سياسية في حد ذاته.

إذ أصدرت المحاكم قراراً تلو الآخر لإحباط ما يرونه "محاولات من الجيش لإبعاد خان عن السياسة"، وعد اعتقاله غير قانوني، وأُفرج عنه بكفالة.

وتقول "نيويورك تايمز" إنه على مدار 8 عقود كان الجيش الباكستاني الفاعل الأول والمتحكم الأوحد في البلاد، وكانت المحاكم على وفاقٍ كبيرٍ معه، حيث منحوا موافقتهم القانونية لثلاثة انقلابات عسكرية.

واستبعدوا عشرات الساسة الذين فقدوا حظوة الجنرالات، وغضوا الطرف عن اختفاء المعارضين السياسيين، "لكن يبدو أن هذا القاعدة بدأت تتغير منذ أزمة عمران خان" وفق الصحيفة.

وتابعت: "قدم القضاء تبريراً قانونياً لاستيلاء جنرالات الجيش على سلطة الحكومة المدنية في أعوام 1958، و1977، و1999 كما وفروا غطاءً قانونياً عندما أقال العسكر حكومتين لرئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو في التسعينيات".

ويقول المحللون إن قرارات المحكمة الأخيرة -التي عززت الفرص السياسية لخان-كانت "بمثابة انعكاس لعضلات القضاء الناشئة في السياسة، وكذلك انعكاساً لصورة الجيش الممزقة".

"الآن أصبحت المحاكم مركز نفوذ في حد ذاتها، حيث نجحت في تطوير قدرتها على التلاعب بالسياسة وتشكيلها لخدمة مصالحها".

وحدث ذلك بعدما كانت السياسة تعتمد على الجيش" فقط وفق ياسر قريشي، محاضر دراسات جنوب آسيا في جامعة أكسفورد لـ "نيويورك تايمز".

ومع ذلك، حذر مراقبون من الاحتفاء بأحكام المحاكم الأخيرة ووصفوها بأنها تحول نحو سياسات أكثر استقلالية أو ديمقراطية داخل باكستان. 

قالوا إن المحاكم لا تتصرف بصفتها كيانا أكثر استقلالية يحاول كبح تدخلات الجيش، بل هي منغمسة في السياسة بنفسها، بينما يحمل بعض القضاة ولاءً كبيراً لـ "خان".

ويفسر مراقبون إعلان الجيش محاكمة من هاجموا ثكناته يوم الاحتجاج على اعتقال عمران خان، بأنه محاولة للابتعاد عن القضاء العادي الذي يقف ضد الجنرالات حاليا.

الدور الأميركي

في مقابلة مع مجلة "نيوزويك" الأميركية 6 يونيو 2023 اتهم رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان الولايات المتحدة بأنها وراء تحريض عسكر بلاده على الاطاحة به.

قال إن الأشخاص الذين تآمروا لإسقاط حكومتي هم قائد الجيش، والمؤسسة العسكرية، التي تعني رجل واحد (يقصد الجنرال عاصم منير) من أجل التوسع في الحكم وإلغاء الديمقراطية.

أكد أنه فاز بـ 30 انتخابات فرعية من أصل 37 "ومع هذا قرر قائد الجيش، أنه مهما حدث، لا ينبغي السماح لي بالعودة، وهو ما حدث، ومحاولة اغتيالي كانت جزًءا من ذلك، والآن يصوروني كما لو كنت أكبر إرهابي ولست رئيس أكبر حزب في البلد".

أوضح أنه في 6 مارس 2022، هدد ( مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون جنوب ووسط آسيا) "دونالد لو"، السفير الباكستاني أسد مجيد خان أنه "ما لم يتم إقصائي من منصب رئيس الوزراء في اقتراع سحب الثقة ستكون هناك عواقب على باكستان".

قال له: "علاقة باكستان المستقبلية بأميركا تتوقف على ما إذا كان عمران خان سوف يُعزل من السلطة"، وفي اليوم التالي جرى سحب الثقة منه.

أضاف "خان": "كانت مؤامرة، بحيث يقال إن قائد الجيش موال لأميركا وأنا معاد لها، فتدخلت الولايات المتحدة في الأمر.

وهذه ليست أول مرة يتهم فيها خان الولايات المتحدة بالوقوف وراء عزله، لرفضه أن يكون هو وبلاده تابعا لها.

إذ اتهم في 2 أبريل/نيسان 2022 عقب عزله، الولايات المتحدة بدعم محاولة الإطاحة به.

قال إن "التحرك لعزله هو محاولة لتغيير النظام بدعم من الولايات المتحدة"، وتحدث عن "تواطؤ"، لحجب الثقة عن حكومته والإطاحة به.

وأقال البرلمان خان من منصبه حينئذ بعد تصويت بحجب الثقة، بعدما سحب حلفاء له دعمهم، فضلا عن انشقاق بعض أعضاء حزبه للانضمام للمعارضة.

أضاف أن "لدينا دليل على أن دولة أجنبية تتآمر بمساعدة مجموعات المعارضة لإسقاط حكومتنا بسبب سعيها لانتهاج سياسة خارجية مستقلة".

واتهم الولايات المتحدة أنها تتآمر ضده منذ أن زار موسكو والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (فبراير/شباط 2022) بينما كانت موسكو تمضي قدما في حربها على أوكرانيا.

وقد نفى الجيش الباكستاني 4 أبريل 2022 في بيان، صحة ما قاله عمران خان بأن خصومه شاركوا في مؤامرة دعمتها الولايات المتحدة للإطاحة بحكومته.