السيسي وشبح ثورة 25 يناير.. لماذا يظل يذكرها مع كل أزمة؟

داود علي | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

ينص الدستور المصري في ديباجته على أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، وقد انحازت لها القوات المسلحة.

لكن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بدأ في الهجوم عليها خلال السنوات الماضية ومع توالي الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتصاعد الانتقادات لطريقة حكمه.

وخلال الندوة التثقيفية الـ 37 للقوات المسلحة التي عقدت في 9 مارس/آذار 2023، حذر السيسي بوضوح من افتعال ثورة أخرى على غرار ثورة 25 يناير.

وتحدث عن ما أسماه "المؤامرة وأبعادها الكاملة"، وقال: "كانت الناس مشغولة في الميدان، بينما يتم تخريب تواجد الدولة المصرية والقضاء عليها".

ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث السيسي عن ثورة يناير، ويحذر المصريين من مغبة الوقوع فيها مرة أخرى.

فعلى مدار سنوات دأب رئيس النظام المصري على مهاجمة الثورة، وتحميلها كل الخطايا الأمنية والاقتصادية التي وقعت في عهده. 

لم ينس الجنرال ولا المصريون الصدام الرهيب الذي حدث خلال الـ 18 يوما للهبة الشعبية، عندما تحركت الجموع الغاضبة واعتصمت في الميادين العامة وأسقطت نظام حسني مبارك بعد حكم دام 3 عقود.

ويبدو أن سيناريو سقوط مبارك يظل حاضرا في ذهن السيسي الذي يحكم البلاد بالقمع وبقبضة حديدية. 

فالرجل الذي جاء بخلفية استخباراتية يظل حذرا ويقظا تجاه حالة الغضب المتفشية في الشعب، ولا يعتمد على حدسه أبدا في مجابهة الأمور.

ولذلك فهو لديه تقارير ورصد يؤكدان أن الانفجار يظل محتملا وقائما بقوة، وفق ما تقول تقارير غربية وعربية باستمرار. 

هوس السيسي

من أشهر المرات التي هاجم فيها السيسي ثورة يناير ما وقع يوم 31 يناير 2018، عندما احتد بطريقة واضحة وتحدث بصوت مرتفع.

وقال السيسي وقتها: "إن ما حدث قبل 7 سنوات لن يتكرر مرة أخرى"، مضيفا بلهجة تهديد ووعيد: "إنتوا (أنتم) فاكرين اللي (الذي) منجحش ساعتها (وقتها) هتنجحوه دلوقتي (الآن)، باين (يبدو) عليكم متعرفونيش صحيح".

وأردف: "محدش يفكر يدخل معانا في الموضوع ده أنا مش (لست) سياسي بتاع الكلام، لا أنا عمري ما اتكلمت بالطريقة، ربنا وحده فقط يعلم البلد رجعت كده إزاي".

وكذلك في 29 ديسمبر/كانون الأول 2021، خلال افتتاح أحد المشاريع القومية، وقبل أيام من حلول ذكرى الثورة، تحدث السيسي عنها مستنكرا، وقائلا: "لن أنسى ما حدث في عام 2011".

وتابع: "المفروض أن لا ينسى المصريون هذا العام"، وعقب "أن العناية الإلهية هي التي أنقذت مصر من الخراب والدمار من أجل 100 مليون مواطن".

وأضاف : "أنقذ الله مصر من أجل البسطاء لحكمة إلهية.. فهل نكرر نفس المسار؟".

وكان رئيس النظام المصري قد ذهب إلى أبعد من ذلك في 11 سبتمبر/أيلول 2021، عندما رأى أن الثورة كانت بمثابة "إعلان شهادة وفاة الدولة المصرية".

المثير أن السيسي لا يهاجم ثورة يناير بناء على قاعدة ثابتة وموقف راسخ منذ البداية، بل إن رؤيته ليناير تحمل كثيرا من المتناقضات".

فعلى سبيل المثال في 24 يناير 2016، ألقى كلمة عن الثورة، ووجه تحية خاصة لشهدائها. بل وتعهد لأسرهم أنه سيدعمهم ويشد على أيديهم، تقديرا لما قدموه من تضحية. 

وفي 23 يناير 2019، هنأ السيسي الأمة المصرية بذكرى ثورة 25 يناير، ووصفها بـ "الخالدة في تاريخ الثورات". بل حتى في ظل هجومه على الثورة عاد ومدحها في إشارة على حجم التذبذب.

ففي 25 يناير 2022، هنأ المصريين مرة أخرى بالثورة وتحدث إلى شبابها، وقال إنها "عبرت عن تطلع المصريين، لبناء مستقبل جديد لهذا الوطن". لكنه استطرد: "أن نظامه وحكومته هدفها الحقيقي هو الحفاظ على بقاء الدولة". 

ثورة منتظرة؟

السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الحالة الملتبسة من مواقف السيسي تجاه الثورة، هو: لماذا كل هذه التناقضات؟ ولماذا يهاجمها تارة ويشيد بها تارة أخرى؟ 

أكدت العديد من تقارير الصحف ومراكز الدراسات الدولية والإقليمية أن مصر ربما تشهد ثورة قادمة، ما يجعل من فكرة الثورة في حد ذاتها مهددة لنظام الحكم القائم، رغم شراسته. 

وفي 23 يناير 2023، نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، تقريرا عن الأوضاع المصرية، ذكر فيه أن "القاهرة على شفا ثورة جديدة، ستكون أشد من ثورة 25 يناير التي أطاحت بالديكتاتور حسني مبارك". 

وشدد الموقع البريطاني أن "السيسي خائف من احتمال اندلاع ثورة أخرى، وقد حذر مرارا من خطورة الاحتجاجات".

وأشار إلى أن "السيسي يشعر بقلق عميق، وإذا لم يكن يعتقد أن الاحتجاجات الجماهيرية تعد احتمالا واقعيا، فلن تكون هناك حاجة لإصدار مثل هذه الأنواع من التحذيرات بشكل منتظم". 

واختتم: "عندما يصبح الناس يائسين بما فيه الكفاية، فمن المحتمل ألا يهم حجم الوجود الأمني ومدى بعد العاصمة الجديدة.. وتشير كلمات (السيسي) عن ثورة يناير إلى أنه يدرك ذلك".

وهو ما أكده موقع "نيوز ري" الروسي في مطلع فبراير/شباط 2023، عندما تحدث عن الأزمة الاقتصادية الحالية وأنها تهدد مصر بربيع عربي جديد. 

وذكر أن "الجنيه المصري انخفض لأدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، متبوعا بكساد اقتصادي يؤجج حالة الاستياء الاجتماعي، وهو ما يقض مضجع قادة البلاد الذين يخشون تكرار سيناريو الثورة". 

وأورد: "بالفعل مستقبل النظام السياسي المصري يحيط به كثير من المخاطر سيحركها الغضب الشعبي الذي يجتاح معظم الطبقات المصرية، وأن هذا النظام يمكن أن يرحل في أي وقت".

برميل بارود 

وقد نشرت مجلة وورلد بوليتيكس ريفيو (WPR) الأميركية، في 7 ديسمبر 2022، مقالا للأكاديمي "ألكسندر كلاركسون" المحاضر في الدراسات الأوروبية في جامعة كينجز كوليدج بلندن، تحت عنوان: "سيسي مصر يجلس على برميل بارود".

وقال كلاركسون: "إن حال الاقتصاد المصري واستشراء الفساد في البلاد في عهد السيسي يشبه إلى حد كبير الواقع الذي تعاني منه لبنان منذ فترة".

ورأى الكاتب أن "الواقع الذي تعيشه مصر الآن يشبه إلى حد كبير الحال الذي كانت عليه البلاد قبيل سقوط حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي أطيح به عام 2011 بعد اندلاع ثورة 25 يناير". 

وفي تقرير نشرته في 18 يناير 2023، أكدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية: "أن دولة عبد الفتاح السيسي الجديدة التي وعد ببنائها قد فشلت بالفعل، على الرغم من مساعدات دول الخليج والمانحين". 

وأوردت: "كثيرا ما يفترض أن مصر أكبر بكثير من أن تفشل، وأن المانحين أو دول الخليج سيهبون باستمرار لإنقاذ القاهرة، ولكن الواقع هو أنه بوجود ما يقرب من ستين مليون نسمة تحت خط الفقر، أو فوقه بقليل، ويزدادون فقرا، فإن الدولة قد فشلت بالفعل وأصبحت في خطر".

حتى حلفاء رئيس النظام المصري في دولة الاحتلال لم يغفلوا عن الخطر المحدق الذي يحيط به.

ففي مطلع يناير 2023، نشرت صحيفة "إسرائيل هيوم" مقالا للكاتبة "دانا بن شمعون" حذرت فيه من نهاية كارثية لنظام السيسي. 

وقالت: "استنادا للحالة الاقتصادية وإلى شهادات مواطنين مصريين، هناك رغبة شعبية كبيرة للخلاص من السيسي". 

واستشهدت الكاتبة برأي المحلل الصهيوني "إيهود يعاري" الذي صرح أنه "في الوقت الذي تشهد فيه مصر أزمة اقتصادية حادة، فإن التقديرات الإسرائيلية المتزايدة تتحدث عن أن خطر اندلاع غضب جماعي في الساحات العامة لم يعد سيناريو وهميا".

وتوقع المحلل المذكور أن "تتدهور الدولة ذات الـ110 ملايين نسمة إلى حالة مزرية، بسبب ديونها الهائلة".

رجل استخبارات 

تعامل السيسي مع ذلك الكم من التقارير التي ترصد الحنق والغضب بين جموع الشعب المصري، واحتمالية اندلاع ثورة، يظهر في كلماته وفلتات لسانه. 

هذا ما صرح به لـ "الاستقلال" الباحث المصري محمد ماهر، الذي قال: "السيسي في الأساس رجل استخبارات عسكرية، مهمته الأساسية رصد التقارير وتحليلها والتعامل معها".

وبين أن رئيس النظام المصري "يدرك تماما أن الأمر ليس عبثيا، وأن التقارير ليست عشوائية أو مبنية على مغالطات". 

وأوضح: "السيسي ليس مبارك، فقد تعلم الدرس جيدا ولا يريد أن يتلقى ونظامه صفعة مثل صفعة 25 يناير، وسيعملون بكل قوتهم على وأد كل ما يؤدي إليها، وتشويهها في نفوس وعقول الأجيال الحالية". 

وتابع بالقول: "لا نستطيع أن نقول إن السيسي انقلب على ثورة يناير، فهو منذ اللحظة الأولى عدو لها، ودوره خلال قيادته للمخابرات الحربية وقت الثورة لا يخفى على أحد".

ولفت إلى أن السيسي "معروف بجنرال كشوف العذرية (قضية بدأت أحداثها في 9 مارس 2011 تتعلق بتعرض نساء محتجات للقبض عليهن في ميدان التحرير للتعذيب على أيدي عسكريين تابعين للجيش، بما في ذلك إخضاعهن لفحوصات كشوف العذرية) الفضيحة الكبيرة التي تفجرت بعد الثورة".

وشدد: "مع ذلك فإن خوف السيسي باعث أمل للشعب، وأن الهبة الشعبية في ظل الفشل المصري على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتمية ولا هروب منها، حتى وإن توحش النظام واستشرس، فالفقر وضياع المستقبل أشرس من كل عوامل القمع والردع".