عودة التحقيق بانفجار مرفأ بيروت.. لهذه الأسباب يُستبعد نجاح المحاسبة

بيروت- الاستقلال | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

تحقيقات معطلة وقضاء منقسم وذوو ضحايا يترقبون العدالة والجناة أحرار، هذا مختصر حكاية قضية انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 أغسطس/آب 2020، وراح ضحيته أكثر من 215 قتيلا و6500 جريح.

عاد الملف للواجهة مرة أخرى بعد توقف التحقيقات منذ 13 شهرا، إذ عُلّق في ديسمبر/كانون الأول 2021 جراء دعاوى رفعها تباعًا مُدّعى عليهم بينهم نواب حاليون ووزراء سابقون، ضد المحقق العدلي في الملف القاضي طارق بيطار الذي اصطدم بتدخلات سياسية حالت دون المضي في مهمته.

وجاءت العودة هذه المرة بناء على دراسة قانونية أعدها بيطار، تتيح له استكمال العمل بملف التحقيق، مستندا إلى اجتهاد قانوني يجيز له استئناف التحقيقات ويمنحه سلطات واسعة في الملاحقة، دون الوقوف أمام أي قيد.

واستأنف بيطار التحقيقات في 23 يناير/كانون الثاني 2023، مدعيا على 4 قضاة بينهم النائب العام التمييزي غسان عويدات، وشخصيات سياسية وأمنية أخرى، كما طلب إخلاء سبيل 5 موقوفين ومنعهم من السفر، في إجراء غير مسبوق في تاريخ لبنان، أثار جدلا واسعا.

وبدوره، رد عويدات، غداة اتخاذ البيطار إجراءاته، بتوجيه كتاب إليه بدأه بآيتين من القرآن والإنجيل، وخاطبه قائلا: "إن يدكم مكفوفة بحكم القانون، ولم يصدر لغايته أي قرار بقبول أو رفض ردكم أو نقل أو عدم نقل الدعوى من أمامكم".

وهو الأمر الذي أثار ردود فعل متباينة بين الناشطين على تويتر، وانقساما واسعا بينهم، إذا أيد فريق الخطوات التي أعلنها بيطار وعدوها إصرارا على الوصول للحقيقة وملاحقة المتورطين في انفجار المرفأ وانتصارا للضحايا وذويهم، بينما رآه فريق آخر تلاعبا بالقانون وتنفيذا لأجندة خارجية.

وعبر تغريداتهم على حساباتهم الشخصية ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #انفجار_مرفأ_بيروت، #بيطار، #مرفأ_بيروت، #البيطار_خارجيًا_بيندار، هاجم ناشطون النائب العام واتهموه بالتلاعب بملف مرفأ بيروت وتعطيل دور القضاء وعرقلة التحقيقات وحماية الفاسدين والجناة الحقيقيين المتورطين في التفجير.  

واستنكروا الكتاب الذي وجهه عويدات إلى المحقق العدلي وابتعاده عن التفنيد القانوني والرد بموضوعية على الدراسة القانونية التي استند إليها بيطار لاستئناف التحقيقات في القضية، معربين عن غضبهم أن يكون هذا الموقف صادرا عن شخص مفترض أنه مؤتمن على تحقيق العدالة وتطبيق القانون وحماية هيبة القضاء. 

صندوق فساد

وتفاعلا مع الأحداث، أوضح الكاتب والناشط السياسي رامي نجم، أن المشكلة القضائية الكبيرة الحاصلة بلبنان أن رأس القضاء مدّعي عام التمييز القاضي غسان عويدات مدّعى عليه ومتهم بالتورّط بقضية انفجار المرفأ، وهو القاضي نفسه المفترض أن يوافق على طلب استدعاىه.

وعقب رئيس تحرير صحيفة المصريون جمال سلطان، على إدراج البيطار، للنائب العام اللبناني و3 قضاة آخرين، على قائمة المدعى عليهم المشتبه بتورطهم في جريمة مرفأ بيروت، لاستجوابهم، قائلا إن هذه الظاهرة أصبحت عربية بامتياز.

ورأى الصحفي طوني بولس، أن قضية المرفأ تختصر صندوق الفساد والتواطؤ الأمني والقضائي، مشيرا إلى أن بيطار أنجز 80 بالمئة من قراره الظني عبر 540 صفحة، ويملك أدلة قاطعة على متورطين بإدخال باخرة النيترات، وهناك عقوبات أوروبية على معرقلي التحقيق.

واستنكر الناشط السياسي لوسيان بورجيلي، حالة الهستيريا بصفوف أركان النظام اللبناني نتيجة قرار القاضي بيطار استئناف التحقيق والادعاء على قادة أجهزة أمنية ومسؤولين وقضاة.

وأضاف: "في بلد غابت العدالة والمحاسبة عنه من سنين، قاضي مستقل يشتغل شغله نشر الذعر بين كل من يعتبر نفسه فوق كل القوانين.. رائع نشوفهم مذعورين".

انقسام وتباين

وانقسم ناشطون إلى فريق مدافع عن البيطار ومتضامن معه ومع تحركات التي أعادت فتح ملف انفجار المرفأ، وبين آخرين وجهوا أصابع الاتهام له واتهموه بالتلاعب بالقانون وتنفيذ أجندة خارجية.

خاصة أن قرار استئناف البيطار تحقيقاته جاء بعد نحو أسبوع من لقائه وفدا قضائيا فرنسيا زار لبنان للاستفسار عن معلومات طلبها القضاء الفرنسي الذي يجري تحقيقا في باريس بشأن مقتل فرنسيين وإصابة آخرين بالانفجار. 

ورأى فارس جترجي، أن البيطار أثبت أنه جزء من منظومة استخبارتية شعبوية تتبع مخابرات فرنسا. 

وقال هيثم أبو سعيد، إنه بموجب الإجراء القانوني الذي سطّره النائب العام التمييزي غسان عويدات في قضية انفجار مرفأ بيروت (رسالة ضمناً)، يصبح ما ترتب من بلاغات وتسطير استدعاءات إجراء غير نافذ وغير قانوني.

ورأى آخر، أن ما يجرى مريب جدا وهناك من يعمل على تفجير البلد بالكامل، سياسيا واقتصاديا وقضائيا وأمنيا، ولعل أمنيا هو الكارثة، مستنكرا القاعدة التي استند إليها البيطار لإعادة التحقيق.

في المقابل، دعا عادل ناصر، إلى الالتفاف الشعبي حول المحقق العدلي طارق البيطار لحماية التحقيق في تفجير المرفأ بعد افتضاح ضلوع كامل دولة العصابة فيه مباشرة أو تواطؤ أو تغطية.

ورأى الناشط السياسي والاجتماعي جاد لذيك، أن الهجوم على القاضي بيطار "طبيعي"، لأن من تسبب بالانهيار المالي ورفض محاسبة المصارف وحمى (رئيس المصرف المركزي) رياض سلامة وطوع القضاء لمصالحه الخاصة، لن يقبل أن يكون تحت القانون في قضية انفجار المرفأ.

وقال: "هم تعودوا أن يكونوا دائما فوق القانون، الذي بنظرهم هو مجرد أداة بوجه معارضيهم والساعين للحقيقة".

 تبعات الخطوة

وحذر ناشطون من ارتدادات خطوة المحقق العدلي على لبنان بشكل عام والقضاء خاصة، معربين عن استيائهم من الطريقة التي رد بها النائب العام على البيطار. 

وأشار أحد المغردين، إلى أن ادعاء المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، على أربعة قضاة، بينهم النائب العام التمييزي، في إجراء غير مسبوق رفضته النيابة العامة التمييزية، يُنذر بأزمة قضائية وسط ضغوط سياسية عرقلت التحقيق منذ انطلاقه.

ولفت الصحفي مروان متني، إلى أن الصراع داخل القضاء في لبنان على أشده، ويرى أن من الملفت استخدام عويدات آية قرآنية وآية من الإنجيل في بداية رده.

واستنكرت عضو الجبهة السيادية للبنان ماجي صقر، انطلاق رد العام التمييزي غسان عويدات على قرارات المحقق العدلي من آية قرآنية لا مادة قانونية، مشيرة إلى أنها سابقة في تاريخ القضاء اللبناني والأسوأ لقدام.

وكتبت الصحفية يمنى فواز: "عاملتلي قلق مخاطبة عويدات لبيطار آية من القرآن وآية من الإنجيل! من الناحية الرسمية، الاستعانة بالآيات بين القضاة وليس بمواد قانونية دليل أنها موجهة للعامة بالعاطفة وليس لبيطار، أما إذا كانت مناجاة للرب فالله ما زال يسمع انين الضحايا الذي قتلهم النظام الفاسد."

وسخر نعيم حلوي، من تعميم المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي على جميع القطاعات والوحدات عدم تنفيذ أي قرار أو إشارة للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار، متسائلا: "ليه عم بيحسّسونا أنه المنظومة كلها مرعوبة؟".

وأضاف: "البريء ما لازم يخاف يروح يعطي إفادته وبلا هالهستيريا كلها.. كاد المريب أن يقول..".

وانتقد المحامي ضاهر أبو زكي، رد النائب العام، متسائلا: "هل هذا قاض مدني أم قاض شرعي؟ يسند قراره إلى غير القانون الوضعي اللبناني، والأغرب قوله إن القاضي بيطار مكفوفة يده بحكم القانون دون بيان النص القانوني الصريح والقاطع لهذا التوصيفِ".

ووصف رد عويدات، بأنه "سقطة مفجعة لموقع النيابة العامة التمييزية، وأنها هيروشيما قضائية".

فرار عويدات

وصب ناشطون غضبهم على النائب العام، وذكروه بآلام أهالي ضحايا المرفأ، مستنكرين تجاهله لهم.

وعدّ نزار صاغيه، مخاطبة عويدات بيطار غداة ادعاء هذا الأخير عليه، أنه بذلك ارتكب فعلين جرميين الأول أنه هدد القاضي الذي يحقق معه، والثاني أنه استغل منصبه كنائب عام تمييزي لدفع التهمة عن نفسه.

وقال الصحفي هادي جعفر: "إذا غسان عويدات رفض المثول أمام البيطار نكون سجلنا سابقة وهي قاضي فار من وجه العدالة".

واستنكر الباحث السياسي محمود أبو شكرا، تجاهل عويدات أوجاع وآلام وأحزان أهالي الضحايا وحقوقهم، قائلا: "نبكي وطنا بات قضاؤه مرتهنا، وقضاته مغلوبين على أمرهم، الاستقالة أشرف من البقاء في خانة الاتهام".

واتهم عويدات بعرقلة عمل القضاء، وزعزعة الثقة به، ومنع الوصول إلى الحقيقة، وتغطية وحماية المتورطين في جريمة تفجير المرفأ.

وأكد المحامي علي نصر الدين، أن الضحية بين المدعي العام لدى محكمة التمييز عويدات الذي تنحى سابقاً عن ملف جريمة انفجار المرفأ والمحقق العدلي البيطار المكفوفة يده عن التحقيق، هم الضحايا، والنتيجة القضاء على القضاء.

وشدد لوسيان شهوان على أن قضايا الحقّ لا تموت، تظل تخلق مناضل، شعب، قاضي، تبدّل سياسي معيّن بمرحلة زمنية محددة، يحملوا هالقضايا ويسيروا للأمام، مشيرا إلى أن قضية تفجير مرفأ بيروت، قضية حقّ، ووطن وشعب وناس طيّبين وقعوا ضحايا تصرفات دويلة وتصرفات ناس بتشتغل عند هذه الدويلة.