هكذا سيطرت أسرة "الراجاباكسا" على السياسة والاقتصاد في سريلانكا

لمدة عشرين عاما، أحكمت أسرة الراجاباكسا قبضتها على السياسة والحكومة في سريلانكا التي يبلغ تعداد سكانها 22 مليون نسمة بمزيج من الشعبوية والسياسات الاقتصادية المتهورة.
وتشرح صحيفة "إيل بوست" الإيطالية أن الاحتجاجات ضد الحكومة والأزمة الاقتصادية في سريلانكا، والتي أدت خلال يوليو/تموز 2022 إلى مظاهرات حاشدة، واقتحام المباني الحكومية والإعلان عن استقالة الرئيس ورئيس الوزراء، تُعد في الأساس مظاهرات ضد عائلة راجاباكسا.
واتهمت الصحيفة هذه الأسرة التي احتكر أفرادها إلى غاية أشهر قليلة مناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، بالإضافة إلى وزارات وأدوار مختلفة في الجيش، بأنها مسؤولة عن الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تجتاح البلاد.
كما وصلت البلاد إلى حافة الإفلاس، فيما يتسبب نقص الضروريات الأساسية والغذاء والوقود والأدوية في وقوع خطر كارثة اقتصادية وإنسانية تهدد ملايين الأشخاص بخطر الفقر والجوع.
عائلة سياسية
أشارت الصحيفة إلى أن الراجاباكسا تعد عائلة سياسية تاريخية خصوصا وأن والد وعم رئيس الأسرة الحالي كانا سياسيين بارزين في منتصف القرن العشرين.
إلا أن الأسرة صعدت فعليا إلى السلطة بدءا من عام 2005، بانتخاب ماهيندا راجاباكسا رئيسا للبلاد وإقدامه على تعيين أفرادًا آخرين من العائلة في مناصب حكومية على غرار تعيين الأخ الأصغر غوتابايا وزيرًا للدفاع.
بين عامي 2005 و 2015، أطلقت العائلة مجموعة واسعة من المبادرات الاقتصادية لتحويل سريلانكا إلى "سنغافورة ثانية"، كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت، أي إلى مركز اقتصادي ومالي مهم وغني ومتطور، تذكر الصحيفة.
ولفتت إلى أنهم فعلوا ذلك من خلال إنجاز مشاريع بنية تحتية ضخمة، غالبا ما تكون غير ذات فائدة كبيرة مما خلق دينا عموميا ضخما.
في نفس السياق، تذكر "إيل بوست" بأن اقتصاد البلاد ظل لعقود من الزمان غير متوازن، نتيجة تجاوز قيمة الواردات للصادرات.
بينما مولت الحكومة نمطا متقدما من الرفاه مما تسبب في تراكم الديون الدولية قبل أن تفاقم أسرة الراجاباكسا من سوء كل هذه الديناميكيات.
في عام 2009، أنهت الحكومة السريلانكية حربا أهلية مطولة، استمرت 26 عامًا، ضد الانفصاليين من أقلية التاميل بزعامة المجموعة المعروفة باسم "نمور التاميل".
ذكرت الصحيفة أن الحرب كانت في مراحلها الأخيرة مكلفة للغاية ودموية مشيرة إلى أنه وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان المختلفة، ارتكب الجيش السريلانكي جرائم حرب، كما نالت الاتهامات وزير الدفاع آنذاك غوتابايا راجاباكسا.
وتابعت أن الفضائح المختلفة المتعلقة بجرائم الحرب وفساد حكومة راجاباكسا أدت إلى سقوط رئاسة ماهيندا لتفسح المجال لصعود مايثريبالا سيريسينا، إلى السلطة بين عامي 2015 و2019.
ومايثريبالا سيريسينا شخصية سياسية لا تنتمي إلى الأسرة، لكن كان حكمه "مفلسا وغير شعبي" لا سيما وأنه حاول تقليص الديون الضخمة التي خلفتها أسرة راجاباكسا ونجح في جزء كبير من خلال تدابير تقشف غير مرحب بها بين السكان.
وفي عيد الفصح 2019، تعرضت البلاد لسلسلة من الهجمات من قبل تنظيم الدولة مما أدى إلى مقتل أكثر من 250 شخصا.
وعلى أثر ذلك، اتُّهمت حكومة سيريسينا بالتقليل من شأن التهديد وعدم محاربة انتشار الفساد وكذلك عدم كفاءة قوات الأمن.
في الأثناء، استعدت الراجاباكسا للعودة إلى الحكم طيلة سنوات بقيادة الشخصية الرئيسة للعائلة غوتابايا، وهو رجل عسكري صارم تمكن من تقديم نفسه كسياسي قوي وحازم بإمكانه أن يعيد البلاد إلى الأمن وازدهار الماضي، وفق تعبير الصحيفة.
وفي انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حصل غوتابايا راجاباكسا على 52 في المائة من الأصوات وبفضل بعض التحالفات مع الأحزاب الصغيرة، تمكن من الحصول على ثلثي المقاعد في البرلمان السريلانكي، وهو أمر ضروري لتعديل الدستور وبذلك سيطرت الأسرة فعليا على الحكومة السريلانكية.
وجرى تعيين ماهيندا، الذي لم يستطع الترشح للرئاسة مرة أخرى لأن الدستور منعه، رئيسا للوزراء.
وتمكن شقيق آخر هو باسيل، من تقلد حقيبة الاقتصاد بعد إجراء تعديل دستوري نظرا لأنه يحمل الجنسيتين الأميركية والسريلانكية.
كما عُين أحد الأشقاء الآخرين، شامال، وزيرا للري وكذلك عُيّن نجله شاشيندرا وزيرا لـ "حقول الأرز والحبوب والأغذية العضوية والخضراوات والفواكه والفلفل والبصل والبطاطس وإنتاج البذور والزراعة عالية التقنية".
فيما كان نامال، أحد أبناء ماهيندا، وزيرا للرياضة، بينما أصبح أحد إخوته رئيسا لديوان والده.
نفوذ كبير
وأشارت الصحيفة إلى أن الأسرة عادت بعد اكتساب نفوذ كبير بشكل استثنائي إلى سياسات الديون والمشاريع الكبيرة.
إلى جانب تنفيذ بعض التدابير الاقتصادية المتهورة على غرار إقرار تخفيض ضريبي كبير في عام 2019 قبيل انتشار وباء كورونا.
كما فرضت حظرا شاملا على استخدام الأسمدة الكيماوية في الحقول الزراعية ما نتج عنه تدمير المحاصيل واندلاع أزمة غذاء حادة في البلاد.
وفي السنوات الأخيرة، استمر الدين العام في سريلانكا بالارتفاع فيما حاولت الحكومة الحصول على تمويلات خارجية لكن دون جدوى.
ذكرت "إيل بوست" بأن الدولتين الكبيرتين الدائنتين تقليديا لسريلانكا، الصين والهند كانتا أكثر ترددا في إقراض الأموال للبلاد وفرضتا شروطا قاسية للغاية لسداد القرض.
نتيجة لذلك توجه الراجاباكسا إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي لكنهم تخلوا عن ذلك الخيار خصوصا وأنه سيؤدي إلى ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية غير شعبية.
على أثر ذلك أدت الأزمة التي سببها الوباء ثم الأزمة الأخيرة التي أنتجتها الحرب في أوكرانيا إلى تفاقم الأمور، تضيف الصحيفة الإيطالية.
وذكرت أن احتياطيات النقد الأجنبي أوشكت على النفاد في بداية عام 2022، فيما بلغ دين البلاد الخارجي 51 مليار دولار، منها ما يقرب من سبعة تدفع خلال العام.
نتيجة لذلك ومع تسجيل تضخم مرتفع للغاية، أفلست سريلانكا وعجزت عن توفير الأموال لشراء المواد الأساسية مثل الغذاء.
حاليا، تشكو الجزيرة نقصا في الضروريات الأساسية والوقود والأدوية، كما ارتفعت الأسعار ما تسبب في اندلاع احتجاجات اشتدت مع مرور الأشهر ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
أردفت الصحيفة الإيطالية أن الأزمة اشتدت في سياق خلافات داخل عائلة راجاباكسا وهو ما غذى مناخ الاحتجاجات العامة تدريجياً.
في أبريل/نيسان، طلب الرئيس غوتابايا من جميع أفراد الأسرة الاستقالة باستثناء رئيس الوزراء ماهيندا.
في مايو/أيار، استقال ماهيندا على إثر تواصل الاحتجاجات إلا أن ذلك لم يرض المحتجين وعلى أثر اقتحام القصر الرئاسي، أعلن غوتابايا أيضًا أنه سيتنحى عن منصبه.
ينص الدستور السريلانكي على أن يشغل رئيس البرلمان منصب رئيس الجمهورية لشهر واحد في حالة استقالة كل من الرئيس ورئيس الوزراء.
وإلى غاية الآن لم يتول رئيس البرلمان، ماهيندا يابا أبيواردينا، رئاسة البلاد ومن غير الواضح ما إذا كان سيفعل ذلك لا سيما وأنه مقرب جدًا من الرئيس الحالي غوتابايا راجاباكسا، تلاحظ الصحيفة. من جانبها، دعت المعارضة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ولكن أعلن رئيس البرلمان السريلانكي أن المجلس سيعود للانعقاد في 15 يوليو وسيتم انتخاب رئيس جديد في 20 من الشهر ذاته.
فيما جرى نقل رئيس سريلانكا غوتابايا راجابكسا جوا إلى قاعدة عسكرية قريبة من المطار الدولي الرئيس، ما يثير التكهنات عن احتمال توجهه إلى منفى في الخارج.
وكان مكتب رئيس الوزراء قد ذكر أن راجابكسا أبلغه رسميا بنيته الاستقالة من دون تحديد موعد لذلك. بينما أعلن رئيس البرلمان أن راجابكسا سيستقيل لإفساح المجال أمام "انتقال سلمي للسلطة".
في الوقت الحالي، لا يُعرف مكان وجود غوتابايا أو ماهيندا راجاباكسا ووفقا لبعض السريلانكيين، يمكن أن يكونا على متن سفينة تابعة للبحرية في انتظار تهدئة الوضع أو أنهما على استعداد لمغادرة البلاد إذا ساء الوضع أكثر، تختم الصحيفة.