انكماش اقتصادي عالمي.. كيف تحافظ على أموالك في زمن كورونا؟

يتسابق المستثمرون على مستوى العالم للبحث عن أفضل الوسائل للحفاظ على قيمة ممتلكاتهم في ظل تهاوي الاقتصادات العالمية وتراجع وسائل الاستثمار المعتادة نتيجة تفشي فيروس كورونا، مما دفعهم للجوء إلى الملاذات الآمنة والتي يأتي في مقدمتها الذهب والدولار والين الياباني والفرنك السويسري.
ودفعت توقعات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى انكماش اقتصادي عالمي بأكبر وتيرة منذ فترة الكساد الكبير في 1930، المستثمرين نحو الملاذ الآمن.
ورجح الصندوق انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 3 بالمئة في 2020، على أن يتعافى جزئيا في 2021، مشيرا إلى أن الخسارة التراكمية للناتج المحلي الإجمالي العالمي ستبلغ نحو 9 تريليون دولار خلال العامين المذكورين جراء أزمة كورونا.
وقفز الذهب أكثر من 1.5 بالمئة، في 13 أبريل/نيسان 2020، ليصل إلى أعلى مستوى له في أكثر من 7 سنوات، مع تدافع المستثمرين المذعورين إلى التماس الأمان في المعدن الأصفر، وسط مخاوف بشأن تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي وأرباح الشركات الأميركية.
وتخطى سعر الذهب في المعاملات الفورية حاجز 1700 دولار للأوقية (الأونصة)، ليلامس أعلى مستوى له منذ ديسمبر/كانون الأول 2012 في وقت سابق من جلسة يوم 13 أبريل/نيسان 2020. وفي أواخر التعاملات كان المعدن النفيس مرتفعا 1.7 بالمئة عند 1717.36 دولارا للأوقية.
وصعدت العقود الأميركية للذهب 0.5 بالمئة لتبلغ عند التسوية 1761.40 دولارا للأوقية بعد أن سجلت أثناء الجلسة أعلى مستوى منذ فبراير/ شباط 2013 عند 1769.50 دولارا.
ويتجه الين الياباني صوب تحقيق أكبر مكاسبه اليومية منذ مايو/أيار 2017، مسجلا 107.85 ينا مقابل 108.53 ينا لكل دولار.
وفقدت الأسهم العالمية قرابة ستة تريليونات دولار من قيمتها بنهاية شهر فبراير/ شباط 2020، لتسجل أسوأ خسارة أسبوعية منذ 2008، وعمليات "تخارج" (بيع الأصول عالية المخاطر) من صناديق الأسهم العالمية بقيمة 20 مليار دولار، وفقا لبنك أوف أميركا.
وأظهر أحدث مسح صادر عن البنك، أن متوسط المبلغ النقدي (الكاش) الذي يحتفظ به المستثمرون قفز إلى 5.9 بالمئة من الأصول الخاضعة للإدارة في أبريل/نيسان 2020. وهذا يزيد عن 5.1 ٪ عن القراءة الأخيرة في مارس/آذار 2020، وأعلى بكثير من متوسط 10 سنوات البالغ 4.6 ٪.
الكاش ليس حلا
أثناء الأزمات المالية، تعاني معظم الأسواق والاقتصادات من التضخم الذي يعتبر محرك رئيسي لتآكل العملات المحلية.
فحسب الباحث الاقتصادي أحمد مصبح، فإن التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا كبيرة جدا على مختلف الأصعدة، كما أن التغيرات التى ستنشأ في السياسات المالية والنقدية بعد انتهاء هذه الأزمة ستكون كبيرة.
وأشار مصبح في حديث لـ"الاستقلال" إلى أن "الذهب يأتي في رأس قائمة الملاذات الآمنة، كوسيلة يستخدمها الناس لحفظ قيمة ثرواتهم، خاصة في حالة الكوارث والأزمات الاقتصادية".
وتابع: أن "مضمار الملاذات الآمنة شهد العديد من التقلبات، بسبب فيروس كورونا، فمع بدء انتشاره، أخدت أسعار الذهب في الانخفاض مقابل ارتفاع غير مسبوق بسعر الدولار".
فمعظم الأسواق والشركات حاولت تعويض خسائرها من خلال بيع احتياطات الذهب المتاحة لديها وشراء الدولار بدلا منه في محاولة لتقليل الآثار الاقتصادية.
ولفت إلى أن "هذا الأمر زاد المعروض من الذهب ورفع حجم الطلب على الدولار، وساهم في ارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات".
ويأتي ذلك نتيجة الثقة العالية في الدولار وبخاصة أن الولايات المتحدة تستطيع السيطرة على استقرار سعره من خلال الأدوات المتاحة لديها وقدرتها على ضخ الكميات اللازمة منه.
وأوضح الباحث أن إقرار معظم الدول المتقدمة اقتصاديا لخطط الإنقاذ المالي، والتي فاقت قيمتها 5 تريليون دولار، خلق نوعا من التوازن وأعاد أسعار الذهب للارتفاع مرة أخرى، ومع استمرار حالة عدم السيطرة على الوباء وفي ظل المخاوف التضخمية يبقى المعدن الأصفر هو الملاذ الآمن لحفظ القيم والثروات.
سياسة التنويع
وقال مصبح: "في هذه الظروف، فإن التعامل الأنسب مع الملاذات الآمنة هو اتباع سياسة التنوع، والاستثمار في المحافظ ذات المخاطر المنخفضة وسهلة التسييل".
واعتبر أن الاحتفاظ بالكاش ليس حلا، لأن احتمال أن تنخفض قيمة العملة وارد جدا، ولكن بالنظر إلى التاريخ الاقتصادي الحديث، يبقى الدولار (المكتسب قوته من الهيمنة الأميركية على العالم) والذهب من أفضل الخيارات.
لذا فإن اتجاه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة له تداعيات سلبية على الاقتصاديات المحلية، فالعملات المحلية هي الأكثر تضررا، خاصة في ظل حالة عدم اليقين، وسهولة تسييل الدولار والذهب، والثقة فيهما من ناحية قدرتهما على حفظ قيمتهما على مدار السنوات، وتوقعات ارتفاع معدلات التضخم.
وأضاف الباحث: أن "تآكل الاحتياطات النقدية لدى الدول يجعل الثقة في العملة المحلية منخفضة، ويزيد من الاتجاه نحو الملاذات الآمنة، وبالتالي تتفاقم أزمات الاقتصاديات المحلية".
الملاذات الآمنة
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي، علي حسين العنزي، أن فيروس كورونا له تأثير إيجابي على الملاذات الآمنة، وبخاصة عقب ضرب الاقتصاديات وقطاعات كبيرة وخلق نوع من عدم اليقين، وبالتالي استطاع أن يوجه كثيرا من المستثمرين بأموالهم نحو الملاذات الآمنة.
وبين العنزي، في حديث لـ"الاستقلال"، أن أهم الملاذات الآمنة في العالم هو الذهب، مشيرا إلى أن الدولار أيضا كعملة معيارية أولى يعتبر من تلك الملاذات، حيث أدى الطلب عليه إلى ارتفاع سعره.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الاقتصاد دائما في حالة من الحراك الدائم والديناميكية وبالتالي يجب التنويع ما بين التوجه للملاذات الآمنة للاستفادة من الأسعار والاحتفاظ بقيمة الأموال إلا أنه لا بد من الاحتفاظ بنسبة من الكاش لاقتناص الفرص، مشيرا إلى أن عملية التوازن أفضل للمستثمرين في مثل هذه الفترات.
وشدد العنزي على أن الملاذات الآمنة تضر بالاقتصاديات المحلية نتيجة التوجه نحو أصول ثابتة خصوصا الذهب، وبالتالي تعمل على تقليص السيولة في الأسواق، مما يؤدى إلى تراجع كل من معدلات النمو وفرص خلق استثمارات جديدة وعدم القدرة على إضافة إنتاج جديد.