بدفع من بافل الطالباني.. سر توقيت عمليات اعتقال زعماء أحزاب في السليمانية

يوسف العلي | منذ ٧ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يشهد إقليم كردستان العراق تصعيدا غير مسبوق شمل صدامات مسلحة وانتهى باعتقال الرئيس المشترك السابق للاتحاد الوطني الكردستاني، لاهور شيخ جنكي، وقبله زعيم حزب "حراك الجيل الجديد" المعارض شاسوار عبد الواحد.

كلتا الحادثتين وقعت في مدينة السليمانية التي يحكمها فعليا حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة بافل الطالباني، منذ أن منحت مناطق شمال العراق حكما ذاتيا عام 1991، لتتحول رسميا في دستور البلاد عام 2005 إلى إقليم كردستان ضمن "عراق اتحادي". 

ضرب الخصوم

وبعد اشتباك دام ساعات عدة فجر 22 أغسطس/ آب 2025، مع أفراد حمايته داخل أحد الفنادق الشهيرة في السليمانية، اعتقلت القوات الكردية رئيس "جبهة الشعب" لاهور شيخ جنكي، إثر صدور مذكرة قبض قضائية بحقه بتهمة التخطيط لارتكاب جرائم تهدد النظام والأمن العام.

بعد وفاة زعيم حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" الرئيس العراقي الأسبق جلال الطالباني عام 2017،  خلفه في زعامة "الاتحاد" ابنه بافل، وابن عمه لاهور شيخ جنكي، بانتخابهما رئيسين مشتركين، قبل أن ينقلب الأول على الثاني ويتفرد بقيادة الحزب.

تصدر بافل قيادة "الاتحاد الوطني" الكردستاني بعدما حصلت توترات كبيرة داخل الحزب في يونيو/حزيران 2021، اتهم فيها لاهور شيخ جنكي بتسميمه للتخلص منه، وبذلك تقرر فصله، الأمر الذي رفضه الأخير وعدها "مؤامرة" ضده.

لم يقف الأمر عند لاهور شيخ جنكي، وإنما تحدثت وكالة "موازين" العراقية في 21 أغسطس، عن صدور مذكرات اعتقال بحق قادة سابقين في الاتحاد الوطني، هم: "برهم صالح (رئيس العراق السابق)، ملا بختيار، جعفر شيخ مصطفى".

وكانت هذه القيادات تعتزم بالتعاون مع لاهور شيخ جنكي وآخرين، وكلهم لهم مجموعة كبيرة من المؤيدين، "تشكيل جبهة قوية معارضة لقيادة الحزب الحالية برئاسة بافل الطالباني وتتصدى لسياسته"، حسبما ذكرت صحيفة "العالم الجديد" العراقية، في 23 أغسطس.

وقال المتحدث باسم محكمة السليمانية، القاضي صلاح حسن، ليلة القبض على شيخ جنكي: إن مذكرة توقيف صدرت (في 21 أغسطس) بحق الأخير وآخرين (لم يسمهم) بموجب المادة 56 من قانون العقوبات العراقي بتهمة "التآمر لزعزعة الأمن والاستقرار".

وخلال عملية القبض على شيخ جنكي، شهدت مدينة السليمانية هجومين بطيران مسيّر، وإطلاق نار في منطقة دباشان؛ حيث يقع منزل رئيس الاتحاد الوطني بافل الطالباني، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية في 22 أغسطس.

وتأتي الاطاحة بشيخ جنكي بعد أقل من أسبوعين على اعتقال شاسوار عبد الواحد زعيم أكبر حزب معارض في الإقليم، بناء على دعوى قضائية تتعلق بالتشهير رفعت ضده قبل 6 سنوات، وفق تصريح تلفزيوني للمتحدث باسم "الجيل الجديد" ريبوار اورحمن، في 24 أغسطس.

تصفية المنافسين

وعن توقيت إصدار مذكرات الاعتقال في السليمانية، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي، أياد ثابت: إن "ما يفعله بافل الطالباني، هو استهداف سياسي من أجل تصفية منافسيه قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة (11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، حتى يهيمن على السليمانية".

وأوضح ثابت لـ"الاستقلال" أن "بافل متهم بتحريك قوة عسكرية تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني من أجل اعتقال لاهور شيخ جنكي، ويمكن جدا إقصاء بعض الأسماء القوية ذات الشعبية والحضور الجماهيري قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة".

في المقابل، لم يستبعد ثابت أن تضر تصرفات بافل الطالباني هذه بسمعة الاتحاد الوطني داخليا وخارجيا، كون ما يحصل يؤشر أنه حزب غير مستقر وفيه صراعات، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه في إدارة الحكم في إقليم كردستان العراق".

وأشار الباحث إلى أن "صراعات الاتحاد الوطني ستصب في صالح غريمه السياسي في أربيل، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، الذي يعدّ أكثر استقرارا، وهو ما يجعل الأخير خيارا أفضل لتمثيل الأكراد في التحالف مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية".

من جهته، رأى المحلل السياسي والصحفي الكردي محمد زنكنة أن ما شهدته السليمانية يعد شكلا من أشكال التصفية السياسية، مؤكدا أن القوة التي نفذت عملية اعتقال لاهور شيخ جنكي، غير نظامية وتتبع لبافل الطالباني.

وبيّن زنكنة خلال تصريح لشبكة "الساعة" العراقية في 22 أغسطس أن "ما حصل يعد تصفية حسابات سياسية بين الاتحاد الوطني وجبهة الشعب، خاصة أنه يأتي بعد حادثة الطرد الشهيرة التي تعرض لها شيخ جنكي من قبل بافل الطالباني بعد مناكفات مستمرة".

ولفت إلى أن "ملاحقة شيخ جنكي أخذت طابعا قانونيا من خلال صدور مذكرة قبض من محكمة السليمانية، ولكن المداهمة نفذت عن طريق قوة خاصة غير نظامية تأتمر بأمر بافل الطالباني".

وأشار زنكنة إلى أن "ملاحقة شيخ جنكي تعكس تصاعد الخلاف على النفوذ والسيطرة، بسبب اقتراب موعد انتخابات البرلمان العراقي والحوارات بشأن تشكيل حكومة إقليم كردستان وعقد أول جلسة لبرلمان الإقليم".

وشدَّد على أن "الاتحاد الوطني الكردستاني وللأسباب السابقة يحاول إبعاد الخصوم من المشهد في السليمانية، لذلك جاءت حادثة اليوم (اعتقال لاهور شيخ جنكي)".

"جهات خفية"

في مقابل ذلك، اتهم القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، غياث السورجي، "جهات خفية" بالوقوف خلف موجة التظاهرات وعمليات التخريب التي تشهدها مناطق نفوذ الحزب المذكور، لا سيما في السليمانية، مستبعدا أن تكون تلك التحركات تلقائية أو ذات طابع جماهيري عفوي.

ونقلت وكالة "المعلومة" العراقية عن السورجي، في 23 أغسطس، قوله: إن “الوضع الأمني في السليمانية مستقر حاليا، إلا أن التظاهرات التي تدعو لها بعض أحزاب المعارضة مثل الجيل الجديد، وجبهة الشعب تُنظم دائما في مناطق تخضع لسيطرة الاتحاد الوطني”.

وذكر أن تلك التظاهرات لا تقام في المقابل، بمدن مثل أربيل أو دهوك التي تقع تحت إدارة الحزب الديمقراطي، ما يطرح علامات استفهام كثيرة حول أهداف هذه التحركات ومن يقف خلفها.

وأوضح السورجي أن “هذه الأحزاب لديها قواعد جماهيرية ومقاعد برلمانية في أربيل ودهوك، لكنها لا تجرؤ حتى على توجيه دعوة للتظاهر في تلك المناطق، في حين تندفع بقوة لإشعال الشارع في مناطق الاتحاد الوطني”.

وأشار إلى أنَّ "عمليات التخريب التي رافقت بعض التظاهرات لم تكن عفوية، بل هناك محاولات واضحة لزعزعة الاستقرار في مناطق معينة من الإقليم دون غيرها"، لافتا إلى أن "المشهد بات مكشوفا للرأي العام".

وفي 22 أغسطس، طالبت "جبهة الشعب" القنصليات والبعثات الدبلوماسية في إقليم كردستان، إلى جانب حكومتي الإقليم والحكومة العراقية، باتخاذ موقف صريح وعدم الصمت إزاء ما وصفته بـ"العمل غير المتحضر والإرهابي" الذي استهدف لاهور شيخ جنكي.

وأشارت الجبهة في بيان إلى أنها "تضع المسؤولية الكاملة عن سلامة حياة شيخ جنكي وشقيقه بولاد على عاتق رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني".

وعلى الوتيرة ذاتها، كشفت النائبة سروة عبد الواحد شقيقة رئيس حراك "الجيل الجديد" شاسوار، عن ورود معلومات "مقلقة" بشأن تدهور الحالة الصحية لشقيقها داخل السجن.

واتهمت عبد الواحد عبر منصة "إكس" في 23 أغسطس، حزب الطالباني بخرق القانون ومنع أهله ورفاقه من زيارته، واصفة ما يجرى بأنه “سلوك تعسفي وغير قانوني يؤكد أن القضية سياسية بامتياز”، مؤكدة أن "الشارع لن يسكت عن هذه الانتهاكات".