الجزائر تستدعي سفير فرنسا وتبون يحذر.. إلى أي مدى وصلت الأزمة؟

"هذه الممارسات التي تتكرر كل مرة تكشف عن المسار الذي ينتهجه اليمين المتطرف الفرنسي"
مسلسل التوتر بين الجانبين الفرنسي والجزائري مستمر دون توقف، وسط دعوات لمعالجة أسباب الخلاف، بما يحقق مصالح الطرفين، اقتصاديا وسياسيا.
آخر مظاهر هذا التوتر، تمثل في استدعاء الجزائر، في 28 يناير/كانون ثاني 2025، السفير الفرنسي لديها ستيفان روماتي، وأبلغته احتجاجا شديدا جراء المعاملة "الاستفزازية" لجزائريين في مطاري العاصمة باريس.
فيما أكد الرئيس عبد المجيد تبون، في 2 فبراير/ شباط 2025، أن العلاقات بين بلاده وفرنسا قد تصل إلى مستوى يصعب إصلاحه، داعيا إلى تدارك الأمر من الجانب الفرنسي بما يحقق مصالح الجانبين.
احتجاج جديد اللهجة
وقالت الخارجية الجزائري في بيان، إنها استدعت السفير الفرنسي في الجزائر، وأبلغته "الاحتجاج الشديد للحكومة الجزائرية، على خلفية المعاملات الاستفزازية التي تعرض لها مواطنون جزائريون في مطاري باريس".
ووصفت تلك الخطوة بأنها "غير مقبولة إطلاقا"، مشددة على أن "الجزائر تتابع بقلق بالغ شهادات متطابقة لعدد من المواطنين الجزائريين حول المعاملات الاستفزازية والمهينة والتمييزية التي تعرضوا لها من قبل شرطة الحدود في مطاري رواسي شارل ديغول، وأورلي".
وأكدت الخارجية رفض الجزائر القاطع "لأي مساس بكرامة مواطنيها أو محاولة استغلالهم بأي شكل من الأشكال، كوسيلة للضغط أو الاستفزاز أو التهديد ضد بلدهم".
وطالبت السفير الفرنسي "بإبلاغ حكومته بضرورة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لوضع حد لهذه التصرفات والممارسات".
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الفرنسية: إن "إجراءات فحص الركاب عند مراقبة الحدود لا تخضع لأي تمييز فيما يتعلق بمنشأ الرحلات أو جنسية الركاب".
وأكدت نائبة المتحدث باسم الوزارة، جوزيفا بوغنون، في تصريح صحفي، في 29 يناير 2025، أن "الوقائع المقدمة خلال استدعاء سفيرنا إلى الجزائر ستخضع للتحقق المعتاد".
وأعادت المتحدثة التذكير بما سبق أن أعلن عنه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، حين قال إنه "لا مصلحة لفرنسا ولا الجزائر في استمرار التوتر بين البلدين الجارين".
تبون يحذر
في ظل تصاعد التوترات الدبلوماسية بين الجزائر وباريس، أجرى الرئيس عبد المجيد تبون حوارا مع صحيفة L’Opinion الفرنسية، تطرق فيه لمختلف القضايا الشائكة بين الجانبين.
خلال اللقاء الذي نشر في 2 فبراير/شباط 2025، أبدى تبون انزعاجه من ما وصفه بـ "حملة منهجية للتشويه" تقودها جهات سياسية فرنسية من اليمين واليمين المتطرف.
وأشار إلى مطالبهم بتعليق التأشيرات، وإلغاء اتفاقيات التنقل، وتجميد المساعدات المالية.
وقال: "الأجواء متوترة، ونضيّع الوقت مع الرئيس ماكرون"، منتقدا" ما سمّاه بـ "الاستغلال السياسي لقضايا مشتركة"، وتابع "لا شيء يحرز تقدما باستثناء العلاقات التجارية. الحوار السياسي شبه مقطوع".
وحول قضية الكاتب بوعلام صنصال، أكد تبون أن الأخير يخضع لرعاية طبية ويتواصل مع عائلته، لكنه سيُحاكم وفق القانون الجزائري، مضيفا: "هذه المشكلة تخص من صنعوها".
ودعا تبون إلى مواجهة الملفات التاريخية بشفافية، مشددا على ضرورة معالجة إرث التجارب النووية الفرنسية في الجزائر من منظور "إنساني وأخلاقي وسياسي".
ورغم التوتر، تقول الصحيفة: إن تبون أبدى انفتاحا على استئناف التعاون الأمني مع فرنسا، لكنه وضع الكرة في ملعب باريس، حيث شدد "على وجوب أن تستأنف الجزائر وفرنسا الحوار المشترك عندما يعبر ماكرون بوضوح عن رغبته بذلك".
وأكد الرئيس الجزائري رفضه لفكرة القطيعة مع فرنسا، لكنه حذر من تداعيات استمرار التوتر قائلا: "إذا لم تُصحح الأمور، فقد نصل إلى انفصال لا يمكن إصلاحه".
وأشار إلى وجوب صدور تصريحات سياسية قوية بهذا الاتجاه، مشددا على أهمية "أن يُسمع الرئيس الفرنسي والمثقفون ومؤيدو العلاقة أصواتهم".

أصل القصة
تأتي أزمة المواطنين الجزائريين بمطاري باريس، بعد أن نقلت صحفية المجاهد الناطقة بالفرنسية (حكومية)، في 28 يناير 2025، أن المسافرين الجزائريين الذين وصلوا إلى مطاري باريس "تعرضوا لمعاملة سيئة جدا".
وأوضحت الصحيفة أن سلطات مطارات باريس "وفور وصول المسافرين الجزائريين قامت بالإغلاق المتعمد لكل الشبابيك وتركت واحدا مخصصا لهم".
وأشارت إلى أن المسافرين الجزائريين "انتظروا في طوابير لمدة أطول من الرحلة ذاتها، للتأشير على جوازاتهم".
كما اتهمت وسائل إعلام جزائرية وزير الداخلية الفرنسي برينو روتايو، الذي وصفته بـ "الحاقد"، بالوقوف وراء هذه المعاملة السيئة للجزائريين، ضمن "إجراء انتقامي" على خلفية الأزمة الحالية بين البلدين.
وهذه المرة الثانية التي تتخذ فيها الجزائر الإجراء ذاته؛ حيث أفادت صحيفة المجاهد منتصف ديسمبر/كانون الأول 2024، باستدعاء سلطات البلاد سفير باريس، وتوجيه "تحذير شديد اللهجة" بشأن ما قالت إنها "مخططات عدائية" تقف وراءها المخابرات الفرنسية.
بدورها، ذكر موقع "البلد" الجزائري، في 28 يناير 2025، أن ما يجرى هو تصعيد جديد للنزعة الانتقامية لكل ما هو جزائري لدى أنصار اليمين المتطرف في الحكومة الفرنسية.
وأضافت، حيث بدا واضحا في المعاملة السيئة التي تعرض لها الجزائريون في المطارات الفرنسية، إثر أوامر خاصة من وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو، لإدارة شرطة الحدود بالمطارات وموظفي الأمن، وجميع سلطات المطارات الفرنسية.
واسترسلت: "والتي تقوم وفق الروايات الجزائرية ممن شهدوا على هذه الحوادث، بغلق جميع أكشاك الجوازات والإبقاء على واحد فقط خصيصا لتلك الأعداد الهائلة، فتزيد من معاناتهم بعد عناء السفر".
وأضافت: "بعدها تخصص لهم إجراءات تفتيش دقيقة ومشددة عليهم دون غيرهم من الرعايا القادمين لفرنسا، يتعدى وقت تنفيذها مدة الرحلة نفسها".
ورأى الموقع أن "هذه الأفعال يراها متابعون للشأن الفرنسي إساءة من قبل السلطات الفرنسية التي تروج عن نفسها انعكاسا لمفاهيم تطبيق العدالة والقانون وحتى الإنسانية".
وذكر المصدر ذاته، أن "أوامر روتايو المسيئة للجزائريين في المطارات الفرنسية لم يتجرأ على ذكرها الإعلام الفرنسي الذي يمارس التضليل، رغم أنها أصبحت حديث الوكالات ومختلف وسائل الإعلام الدولية".
ونبه إلى أن "هذه الأفعال التي غالبا ما تأتي كأداة انتقامية موصوفة وفق ما تم تداوله بـ "الطريقة العقابية" التي جاءت بتدبير من وزير الداخلية الفرنسي، لخلفيات أصبح يعرفها الجميع في شأن العلاقات بين البلدين".
وخلص الموقع إلى أن "هذه الممارسات التي تتكرر كل مرة تكشف عن المسار الذي ينتهجه اليمين المتطرف من خلال محاولة تغذية الخلافات الجزائرية الفرنسية، وتوريط حكومة بلاده والزج بها في أزمات ليست في صالح أحد".

علاقات معقدة
في قراءته للمشهد، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر، زهير بوعمامة، أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا "معقدة جدا" وتمُرُّ بدورات متكررة من التوتر والانفراج، لكن هذه الأخيرة لا تدوم طويلا.
وأضاف لـ "الاستقلال"، أن الآمال التي عُلِّقت على ماكرون بعد زيارته للجزائر عام 2017 قد تلاشت، إذ إن "تراكمات عديدة حالت دون تحقيق انفراجة حقيقية، أبرزها إصرار الجانب الفرنسي على عدم تقديم تنازلات حقيقية، بينما يريد أن يأخذ كل شيء".
وذكر بوعمامة أن "فرنسا لم تعد تلك القوة التي تأمر فتُطاع، فهي تعاني الآن من تراجع في نفوذها وخسارات كبيرة في مواقع عدة، بما فيها الجزائر".
وأبرز أن الجزائر بدورها "تعيش أفضل حالاتها مقارنة بالفترات السابقة، وتسعى إلى إعادة بناء علاقتها مع فرنسا على أسس جديدة قائمة على الندية والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل".
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن التصعيد الأخير لم يمنع الجزائر من إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حيث أكد بوعمامة أن "الجزائر لم تغلق باب الحوار، والدليل على ذلك زيارة مدير الأمن الخارجي الفرنسي للجزائر أخيرا ولقاؤه بكبار المسؤولين، وهو ما يمكن قراءته كإشارة إيجابية إلى أن الجزائر لم تقطع جسور التواصل".
ورأى أن جزءا من التوتر الحالي بين باريس والجزائر يعود إلى "تصعيد يقوده اليمين المتطرف في فرنسا، وعلى رأسه وزير الداخلية السابق جيرالد دارمانان، الذي يسعى لكسب تأييد القوى اليمينية المتشددة تحسبًا لأي انتخابات مستقبلية".
وذكر أن "فرنسا تشهد جدلا داخليا حول كيفية التعامل مع الجزائر، وهناك انقسام داخل الحكومة الفرنسية نفسها بهذا الشأن".
وخلص بوعمامة إلى أن "العهد الذي كانت فيه فرنسا تتحكم في الجزائر قد انتهى، والمرحلة القادمة يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وليس من منطلق التبعية أو الاستعلاء".

اليمين يضرم النار
اهتمت صحف فرنسية عديدة بالتصعيد الجديد في العلاقات المتوترة أصلا بين الجزائر وباريس، وربطت الموضوع باليمين الذي يريد أن يضرم النار في العلاقات بين البلدين.
وفي هذا الصدد، قال موقع "أوريان21"، إن العلاقات بين فرنسا والجزائر توترت الأشهر الأخيرة، مشيرا إلى أن إستراتيجية وزير الداخلية برونو روتايو ترمي إلى صبّ الزيت على النار لإرضاء اليمين الفرنسي المتطرف، مما يجعل البحث عن حلول للمشاكل المطروحة للنقاش أكثر صعوبة.
وأوضح الموقع في 28 يناير، أن الوزير أعلن بوضوح عن نيته في تصفية الحسابات مع الجزائر، خاصة فيمَا يتعلق بمسألة الجوازات القنصلية التي يصعب الحصول عليها وتُعدّ ضرورية لتنفيذ قرارات مغادرة التراب الوطني الصادرة عن السلطات الفرنسية.
واسترسل: "انتهز روتايو فرصة التلاسن باللهجة الجزائرية على منصة تيك توك بين 4 جزائريين أُلقي القبض عليهم واقتيدوا إلى العدالة، ليتجاوز الوزير القضاةَ ويأمر بطرد أكبرهم سنا"، مقدرا أن "الخطوة رابحة مهما حدث".
وأضاف، حيث رأى أن الجزائر إما أن تقبل بالأمر الواقع، فتكون باريس قد حصلت على الحل السحري لتكرار العملية وإرضاء زبائنها الانتخابيين -كما يقول الموقع- وإما أن ترفض، فتكتسب الحملة المعادية للجزائر زخما جديدا في فرنسا.
وبالفعل أعادت الجزائر الرجل الخمسيني إلى باريس على متن نفس الطائرة، فانتاب روتايو غضب بالغ، منددا برغبة الجزائر في "إذلال" فرنسا، وعدّد الإجراءات الانتقامية المتاحة، كما ندد بالاتفاق بين البلدين سنة 1968 حول الهجرة، وبإعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية من طلب تأشيرة الدخول.
أما صحيفة "لوباريزيان"، فقالت إنه للمرة الثانية خلال شهر، تم "استدعاء" السفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتيه، الثلاثاء، من قبل السلطات الجزائرية.
وذكرت الصحيفة، 28 يناير، أنه في قواعد اللغة الدبلوماسية، تعكس هذه البادرة أزمة قوية للغاية بين بلدين.
واسترسلت: "في واقع الأمر، لم تكن العلاقات الفرنسية الجزائرية بهذا السوء قط منذ استقلال البلاد في عام 1962".
وأضافت: "على حافة القطيعة الدبلوماسية، وربما تأتي تلك اللحظة"، هذا ما قدر به أحد الخبراء في هذا الشأن في بداية شهر يناير، وفق الصحيفة.
وكانت الجزائر قد سحبت سفيرها من باريس صيف 2024، في رد فوري على اعتراف إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، حيث تدعم الجزائر جبهة البوليساريو، المطالبة بالانفصال عن المغرب وتقرير المصير، فيما يقدم المغرب مقترح الحكم الذاتي الموسع لحل الأزمة بالإقليم.
ونبهت الصحيفة إلى أن الوضع بين الجزائر وفرنسا ما يزال متوترا، والتصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير الخارجية جان نويل بارو، والتي أعرب فيها عن "استعداده" للذهاب إلى هناك لتهدئة الأمور، لم تغير شيئا في الوقت الراهن.
وأردفت: "حسب معلوماتنا، تم عقد اجتماع على مستوى الرئيس أو الوزير الأول فرانسوا بايرو، يضم مختلف الوزراء المعنيين بالملف الفرنسي الجزائري - كي دورسيه، الداخلية، الاقتصاد، التعليم، الثقافة، إلخ لبحث هذه الأزمة المستمرة".
أما صحيفة "لوموند"، فقالت إن تدهور العلاقات بين البلدين جاء بشكل جلي بعد أن أعلنت باريس في نهاية يوليو/تموز 2024 أنها ستدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية.
وقالت الصحيفة، 28 يناير 2025، إن الخلاف تصاعد مع اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في الجزائر، منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ثم اعتقال العديد من المؤثرين الجزائريين والفرنسيين الجزائريين في فرنسا، في بداية 2025.
ونقلت لوموند ما ورد على لسان صحيفة المجاهد، وكذا تحميلها وزير الداخلية مسؤولية الأزمة الحالية بين الجانبين، الفرنسي والجزائري.
بدورها، استعرضت صحيفة "لوفيغارو"، 28 يناير 2025، الإجراءات التي اقترحها الوزير الفرنسي السابق بيير لولوش للتعامل مع الجزائر، حيث دعا إلى إلغاء جميع التأشيرات وتصاريح الإقامة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد.
كما دعا لولوش، وفق المصدر ذاته، إلى وقف التحويلات المالية إلى الجزائر، وإلغاء مساعدات التنمية العامة (200 مليون دولار سنويا) وإغلاق الحدود، في انتظار أن تطلق الجزائر سراح صنصال، وتلتزم باستعادة رعاياها المطرودين، وتوقف التصريحات المهينة ضد فرنسا وقادتها.
المصادر
- L’Algérie s’insurge contre les traitements provocateurs réservés à ses citoyens aux aéroports de Paris : «Le gouvernement français se déshonore»
- أنصار اليمين المُتطرف في الحكومة الفرنسية يختلقُون " إستفزاز " جديد للجزائريين
- france algerie tebboune met en garde contre lirreparable
- اليمين يضرم النار في العلاقات بين الجزائر وفرنسا
- L’ambassadeur de France convoqué à Alger : avec l’Algérie, un bras de fer toujours plus dur
- Algérie : l’ambassadeur de France convoqué à Alger pour dénoncer des « traitements dégradants » dans les aéroports parisiens
- Pierre Lellouche: «Ces mesures que la France doit prendre de toute urgence face à l’Algérie»