تقارب تركي مع بنغازي.. هل تنجح في الانتقال من دعم طرابلس إلى توحيد ليبيا؟

"ليبيا أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة"
منذ سقوط نظام معمر القذافي في العشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2011، دخلت ليبيا في مرحلة مضطربة لم تتمكن بعد من الخروج منها بالكامل.
فقد كان انهيار النظام الذي حكم البلاد لعقود طويلة إيذانا بفتح أبواب مرحلة من الصراع الداخلي، وتحولت ليبيا بعدها إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، بينما يدفع الشعب الليبي ثمن هذا الانقسام المستمر.
ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت لحظات هدأت فيها نار الحرب نسبيا، فإن البلاد لم تصل إلى الاستقرار الذي يحلم به الليبيون، ولا تزال هياكل الدولة ضعيفة ومجزأة وغير قادرة على فرض سيادة كاملة على تراب الوطن.
![]()
تعمّق الانقسام
ونشر معهد "التفكير الإستراتيجي" مقالا للكاتب التركي مدحت ايشيك، ذكر فيه أن “هذا الضعف يظهر جليا في انقسام ليبيا إلى كيانين سياسيين وعسكريين رئيسيين”.
ففي الغرب تتولّى حكومة الوحدة الوطنية إدارة العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها، بدعم تركي ودولي متباين.
أما الشرق فيخضع لسلطة القوات التابعة للانقلابي خليفة حفتر الذي يتمركز في بنغازي ويحظى بدعم النظام المصري ودعم إقليمي آخر.
وهذا الانقسام فرض معادلة سياسية معقدة لا تنفصل عن الأبعاد الإقليمية، فتركيا ونظام مصر كانتا في مرحلة سابقة على طرفي النقيض داخل الساحة الليبية، حيث دعمت أنقرة طرابلس بقوة، بينما رأت القاهرة في حفتر عامل توازن يضمن ألا تتحول الحدود الليبية إلى تهديد لأمنها القومي.
ومع ذلك، فإن الأعوام الأخيرة شهدت تحولات مهمة في العلاقات الإقليمية، خصوصا بين القاهرة وأنقرة، حيث سعت الدولتان إلى فتح صفحة جديدة قائمة على تقليل الخلافات وتنسيق بعض الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملف الليبي الذي يمسّ أمن البلدين بشكل مباشر، يقول ايشيك.
وقد أدى هذا التقارب إلى تغيّر نسبي في أنماط التحالفات داخل ليبيا نفسها، وبدأت بعض الشخصيات السياسية والعسكرية في الشرق تُبدي انفتاحا على إمكانية التعامل مع تركيا بصفتها فاعلا لا يمكن تجاوزه في مستقبل البلاد.
وأضاف أن “هذه التحولات تتزامن مع واقع داخلي معقد في الشرق الليبي، حيث باتت مسألة وراثة السلطة داخل بيت حفتر من أبرز العوامل التي ترسم المشهد”.
وأوضح الكاتب التركي أن “خليفة حفتر، الذي تجاوز سن التقدم العسكري المعتاد، أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على أبنائه الخمسة في إدارة مختلف الملفات الحساسة”.
وقد توزعت الأدوار بينهم بشكل غير متوازن، إذ برز صدام حفتر باعتباره الوريث المحتمل لوالده، وهو شخصية تعمل على الظهور بصورة رجل الدولة المنفتح على الحلول السياسية وعلى التعاون مع القوى الإقليمية المؤثرة، بما في ذلك تركيا.
ويختلف هذا التوجه عن موقف شقيقه خالد الذي ينسجم أكثر مع الخط الروسي ويميل إلى الابتعاد عن أي انفتاح تجاه أنقرة، بينما يحافظ بلقاسم حفتر على دور اقتصادي لا يقل أهمية عن الدورين الأمني والسياسي، خصوصا في مجالات إعادة الإعمار والبنية التحتية.
أما عمر وصدّيق حفتر فيظلان فاعلين من خلف الستار، ويتحركان أحيانا بما يعكس اختلافا في الرؤية داخل الأسرة نفسها.
وأشار الكاتب التركي إلى أن “هذا التعدد في مراكز القوة داخل بيت حفتر انعكس مباشرة على صورة البرلمان المتمركز في الشرق، الذي يبدو اليوم مشتتا وغير قادر على اتخاذ مواقف موحدة إزاء الملفات المصيرية”.

بوادر انفتاح
واستدرك الكاتب: “ظهرت بوادر تشير إلى تغير في مقاربة الشرق للعلاقة مع تركيا، خاصة بعد اللقاء الذي جمع رئيس المخابرات إبراهيم قالن بحفتر في بنغازي، وهو أول اتصال بهذا المستوى يعكس رغبة تركية في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع القوى الفاعلة، دون اقتصار على حكومة طرابلس وحدها”.
وفي سياق هذا الانفتاح المتبادل، دخلت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقّعتها تركيا مع حكومة طرابلس عام 2019 مرحلة مراجعة فنية داخل برلمان شرق ليبيا.
وقد مثّل هذا التطور مؤشرا مهما على إمكانية حدوث تحول في موقف الشرق الليبي، إذ إن المصادقة على الاتفاقية من شأنها أن تزيد من شرعيتها الدولية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون قد يتفق فيها الشرق والغرب لأول مرة منذ سنوات على ملف إستراتيجي واحد.
ويبدو أن هذه الخطوة، لو اكتملت، ستفتح الباب أمام أنشطة تركية في مجال المسح الزلزالي والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو أمر قد ينعكس على التوازنات الإقليمية، خاصة في علاقة القاهرة وأنقرة، التي قد تجد في هذا التقارب الليبي–التركي فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في ملف الطاقة.
ومع ذلك، فإن أهمية التعاون بين الشرق والغرب في ليبيا لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات البحرية ولا عند تحسين العلاقات الخارجية فحسب؛ فليبيا تحتاج إلى صياغة مشروع وطني شامل يضع حدا لسنوات الانقسام ويؤسس لمرحلة من المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار.
وقد أصبحت الحاجة ملحّة لإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يتجاوز الحسابات العائلية أو العسكرية أو الحزبية، وبما يضمن توزيعا عادلا للسلطة والثروة بين مناطق البلاد كافة.
ورغم أن الطريق إلى هذا الهدف ما يزال طويلا ومليئا بالتعقيدات، فإن التحسن النسبي في العلاقات بين اللاعبين الإقليميين الأساسيين، وعلى رأسهم تركيا ومصر، يمنح ليبيا فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة، بحسب الكاتب ايشيك.
وإذا كانت تركيا تسعى للحفاظ على حضور سياسي واقتصادي قوي في ليبيا انطلاقا من حساباتها في شرق المتوسط، فإن القاهرة في المقابل تبحث عن دولة مستقرة على حدودها الغربية.
وهذا التقاطع في المصالح قد يخلق أرضية مشتركة تفرض على الأطراف الليبية المتنافسة البحث عن تسويات عملية، وقد يساهم في دفع العملية السياسية نحو مسار أكثر واقعية.
وقال ايشيك إنه “مع مرور الوقت، قد يجد شرق ليبيا وغربها نفسيهما مضطرين إلى التعاون لإنقاذ البلاد من الانهيار، وللاستفادة من الفرص التي يمكن أن يوفرها الاستقرار في مجالات الطاقة والتنمية والاستثمارات الدولية”.
وأضاف “في النهاية، تبدو ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حساس؛ فإما أن تستمر حالة الانقسام بما تحمله من مخاطر وتوترات وغياب للتنمية، وإما أن تستثمر الظروف الإقليمية المتغيرة لفتح صفحة جديدة تسمح بتوحيد المؤسسات وتفعيل العملية السياسية بشكل جدي”.
وتابع ايشيك: “ما بين هذين الطريقين، ستظل الأطراف الليبية مدفوعة بإعادة تقييم تحالفاتها الداخلية والخارجية، مدركة أن مرحلة ما بعد القذافي لم تعد تتحمل مزيدا من الانقسام، وأن تغيّر العالم بسرعة قد يدفع الجميع نحو خيار واحد، وهو بناء دولة ليبية موحدة قادرة على النهوض من جديد”.













