متورطان مثله.. لماذا تطالب "الجنائية" بتسليم البشير وتستثني البرهان وحميدتي؟
.jpg)
جدل واسع أثاره مصادقة السودان 3 أغسطس/ آب 2021، على مشروع قانون بموجبه ينضم مجددا لـ"نظام روما الأساسي" الذي انسحب منه عام 2008، والذي أنشئ بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، المختصة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية.
وزيرة خارجية السودان، مريم الصادق المهدي، أعلنت 10 أغسطس/ آب 2021 قرار حكومة بلادها تسليم الرئيس السابق عمر البشير، واثنين من مساعديه المطلوبين في ملف جرائم "دارفور" إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ووفق وكالة الأنباء السودانية، أكدت المهدي للمدعي العام للجنائية الدولية، كريم خان، أن مجلس الوزراء قرر تسليم المطلوبين، وأن الموافقة النهائية "ستأتي بعد اجتماع مشترك للحكومة ومجلس السيادة السوداني".
الجنائية الدولية، أصدرت عامي (2009 و2010) مذكرتي توقيف للرئيس البشير، المسجون حاليا بسجن "كوبر" بالخرطوم، بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور غرب البلاد بين (2003 و2008).
وأصدرت المحكمة أيضا مذكرتي توقيف لاثنين من مساعدي البشير، هما وزير الدفاع الأسبق عبدالرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد هارون، المحبوسين كذلك في سجن "كوبر".
قوى سودانية، وناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصحف محلية طرحوا السؤال: "لماذا يجري تسليم البشير وحده للجنائية الدولية دون رئيس مجلس السيادة الحالي عبدالفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهما أبرز شركاء حرب دارفور؟".
ذلك الجدل ذهب حد التكهن بعقد صفقة مع الغرب لإعفاء البرهان وحميدتي من المحاكمة لدورهما في اتفاقية التطبيع مع إسرائيل 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
زاد الشكوك ترحيب الخارجية الأمريكية، 11 أغسطس/ آب 2021 بقرار السودان تسليم البشير، للمحكمة الجنائية الدولية.
وتأكيد المتحدث باسمها نيد برايس أنه "لو تم ذلك سيكون خطوة كبيرة للسودان في الحرب ضد عقود من الإفلات من العقاب".
فواتير العمالة
رد فعل الحركة الإسلامية السودانية على أنباء تسليم الرئيس السابق للجنائية جاء قويا، إذ أكدت أنها "ستقف سدا منيعا ضد قرارات حكومة الناشطين بتسليم الشرفاء لمحكمة الجنايات الدولية".
البيان الذي صدر باسم الأمين العام المكلف علي كرتي، 11 أغسطس/ آب 2021 كان واضحا في وصف تسليم البشير ورفيقيه لمحكمة الجنايات الدولية بأنه "سداد فواتير العمالة".
الحركة اعتبرت القرار "استجابة لرغبات المنظمات المأجورة والقيادات العميلة التي استرزقت وتتاجر بقضية دارفور، وطعن في صدر العدالة واستحقار للقضاء السوداني وتسييس العدالة".
ووصفت الحركة الإسلامية في بيانها الحكومة الحالية بأنها "حكومة الانكسار والخضوع والخنوع".
أيضا أصدر "منبر السلام العادل"، القريب من التيار الإسلامي بيانا 12 أغسطس/ آب 2021 وصف فيه نية الحكومة تسليم البشير بأنه يأتي ضمن "أجندات تسعى جهات داخلية وخارجية لتنفيذها".
واعتبر "التوقيع على ميثاق روما ثم تسليم مطلوبين سودانيين امتدادا لمشروع كبير ينفذه عملاء منظمات وجهات خارجية وأصحاب أجندات وتبعية داخل الحكومة الانتقالية يعملون على تفكيك الدولة السودانية والقوات المسلحة".
المنبر الذي كان يترأسه خال الرئيس البشير، مصطفى الطيب، والذي توفي 15 مايو/ أيار 2021 متأثرا بفيروس "كورونا"، أكد رفضه "التحاكم خارج السودان"، وشكك في عدالة المحكمة الجنائية ووصفها بـ"المسيسة التي تستهدف دولا بعينها لأهداف محددة".
القيادي في الحركة الإسلامية السودانية أمين حسن عمر، وصف الحديث عن تسليم البشير بأنه "زوبعة في الأسافير (مواقع التواصل) لصرف النظر عن مصائب وفضائح وكوارث أخرى".
وقال لموقع "سودافاكس" 12 أغسطس/ آب 2021: إن "قرار تسليم البشير ومحاكمته خارج البلاد سيعرض الحكومة الهشة لنزاعات وخلافات ويهدد بسقوطها بعمل شعبي واسع من أجل السيادة الوطنية لا من أجل البشير".

لن يسلم
مصادر سودانية في الخرطوم تقول لـ"الاستقلال": إن "تصريحات المهدي عن تقديم البشير للجنائية الدولية مع اثنين من معاونيه ليست جديدة وسبق أن كررتها".
المصادر التابعة لـ"المؤتمر الوطني" -حزب البشير- تؤكد أن "الأمر يرجع للمجلس العسكري الذي يخشى محاكمة أعضائه أيضا لتورطهم أيضا في دارفور إن كان البشير متورطا".
وتشير إلى "حديث بالدوائر السياسية عن ضغوط أميركية وأوروبية وراء القرار، رغم عدم تصديق واشنطن على اتفاقية روما، إلى جانب وعود للبرهان وحميدتي ألا تطلبهما المحكمة للمثول أمامها".
ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها الحكومة الانتقالية موافقتها على تسليم البشير ومعاونيه دون تحديد زمن وكيفية التسليم.
سبق وأن كرر وزراء الحكومة السودانية تصريحات تسليم البشير للجنائية في فبراير/ شباط 2020 دون أن يحدث ذلك.
في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 وخلال زيارة المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودا، للسودان تكررت التصريحات.
لذا فإن المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم أسد خان أكد عدم توصل وفد المحكمة الذي زار الخرطوم لاتفاق مع الحكومة السودانية.
وقال 12 أغسطس/ آب 2021: إنهم يرفضون تحديد تاريخ محدد لتسليم البشير، رغم إبرام السودان اتفاقا مع المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يشكك في احتمالات تسليم الخرطوم للبشير.
موافقة المجلس السيادي الحاكم في السودان على تسليم البشير ووزيري دفاعه وداخليته السابقين للمحكمة الجنائية، لو جرت ستكون سابقة بمحاكمة رئيس عسكري عربي في "لاهاي" جنوب هولندا حيث مقر المحكمة.
ولأن ثنائي الحكم في المجلس العسكري البرهان وحميدتي شاركا في معارك دارفور ولعبا دورا مسجلا على الأرض، تشير التكهنات لاحتمالات رفضهما تسليم البشير لأنهما بذلك يحكمان على نفسيهما بالمصير ذاته.
سودانيون لا يتوقعون استجابة العسكر لوزراء الحكومة الانتقالية المشكلة من التيار اليساري ممثلا في "قوى الحرية والتغيير" بتسليم البشير، خوفا من أن تتكرر هذه السابقة مستقبلا، وتطالهم.
أيضا، انتماء البشير، ومحمد حسين، إلى المؤسسة العسكرية يجعل تسليم الجيش لهما إلى جهة أجنبية هي الجنائية الدولية مشكوكا فيه وغير مقبول بين العسكريين لارتكابهم نفس الجرائم.
المحلل السياسي السوداني عوض قسم السيد، يرجع احتمالات رفض فكرة تسليم البشير إلى "الضغوط الشعبية القوية" في ظل حديث عن احتجاجات شعبية مرتقبة للتنديد بحكومة حمدوك.
ويقول لقناة الحرة 20 فبراير/ شباط 2020: "من الأسباب التي ستحول دون تسليم البشير للجنائية الاتهامات الموجهة للبرهان وحميدتي بالضلوع في جرائم دارفور، ولا أعتقد أنهما سوف يفتحان على نفسيهما بابا كهذا".
ويشير إلى أن "حميدتي قائد قوات الدعم السريع سيئة الصيت والتي تعرف محليا باسم (الجنجويد) وهي مليشيات ذات مكون عربي استعان بها البشير لدحر التمرد في دارفور في الفترة بين 2003-2008".
أما البرهان فقد كان قائدا بارزا في العمليات العسكرية لمواجهة التمرد في دارفور، ووصفه عبدالواحد نور رئيس حركة تحرير السودان بأنه "مجرم حرب".
الخبير القانوني منعم آدم يقول لموقع "ميدل إيست آي" 12 مارس/ آذار 2020: "بعض قادة المليشيا والجيش يخشون أن تكون لدى المحكمة الجنائية قائمة اتهام أخرى غير معلنة للمشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم داخل السودان".
لذا يجزم بأنهم لن يسلموا البشير للجنائية لأن "جميعهم يتوقعون إدراج أسمائهم على تلك القائمة، وكانوا يحاولون التخلص من القضية بتسليم البشير، وحل المشكلة"، لكنهم يحتاجون لضمانات ألا تشملهم المحاكمة.
وسبق لرئيس مجلس السيادة السوداني أن أكد لبرنامج "بلا قيود" بفضائية (BBC) في 20 يوليو/ تموز 2019 عدم تسليم البشير للجنائية الدولية.
البرهان قال: "البشير لن يسلم إلى المحكمة الجنائية الدولية والسلطات العدلية السودانية لديها القدرة والاستقلالية لمحاسبة كل شخص داخل السودان".
أيضا يتخذ الاتحاد الإفريقي موقفا رافضا للتعاون مع المحكمة الجنائية، ويتهمها بالعنصرية لأنها تستهدف الأفارقة فقط؛ إذ حاكمت رؤساء كينيا، وساحل العاج، وليبيريا، ورفضت محاكمة مسؤولين في أميركا وإسرائيل وأوروبا.
أدلة التورط
هناك أدلة عديدة على تورط البرهان وحميدتي في جرائم دارفور، لكن منذ الانقلاب على البشير يجري التغاضي عن دورهما، ضمن صفقة سياسية قاصرة على تقديم البشير ووزيرين فقط ككبش فداء للمحاكمة.
المحلل السياسي السوداني آدم جديد يقول لإذاعة "مونت كارلو الدولية": إن "زعيم المليشيا السوداني السابق على كوشيب أحد المتهمين بجرائم في دارفور، أخبره أن البرهان كان ضالعا في جرائم دارفور".
كوشيب، الذي سلم نفسه للمحكمة الجنائية في لاهاي، قال لـ"جديد": إن "المسؤولية تقع بالأساس على قادة كبار في القوات المسلحة والحكومة السودانية السابقة برئاسة البشير".
وأكد أن بحوزته مستندات تؤكد كلامه، و"تربط بشكل مباشر رئيس مجلس السيادة الحالي عبدالفتاح البرهان بأحداث دارفور".
وأثناء أحداث دارفور، كان محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب البرهان الآن، أحد قادة جماعات الجنجويد، التي تمت الاستعانة بها لقمع تمرد دارفور، لذا فهو قائد ميداني متهم بنفس تهم البشير.
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية كتبت 18 مايو/ أيار 2019 عن تورط حميدتي بجرائم دارفور تحت عنوان: "الرجل الذي روع دارفور يقود التغيير السياسي السوداني المفترض".
وقالت: إن "هذا الرجل، غير المتعلم، قائد الجنجويد، المليشيات التي جلبت الموت والدمار لدارفور منذ 16 عاما".
وأنه اعترف لمحرر "فورين بوليسي" بدوره في قتل أبناء دارفور بحجة مهاجمتهم قافلة تجارية له وقتل 75 من أنصاره.
أكدت المجلة أيضا أن "البرهان كان رئيسا للاستخبارات العسكرية، الجهاز المسؤول عن التنسيق بين الجيش والمليشيات المسلحة في الهجمات ضد المدنيين في ولاية غرب دارفور بين العامين (2003-2005)".
وجزمت بأن حميدتي كان آنذاك بالفعل "أحد أمراء الحرب المعروفين، وهو الذي أصبح بالتدريج زعيم الجنجويد الأول".
المصادر
- ‘Suspect still at large’: Why Sudan hasn’t handed Omar Bashir over to the ICC
- The Man Who Terrorized Darfur Is Leading Sudan’s Supposed Transition
- صادق على “نظام روما”.. هل يعترف عسكر السودان بالمحكمة الجنائية الدولية؟
- لماذا تسليم الرئيس البشير وحده لمحكمة الجنايات الدوليّة وليس أبرز شُركائه في حرب دارفور؟
- الحركة الاسلامية في بيان شديد اللهجة سنقف سدا منيعا ضد تسليم الشرفاء
- آدم جديد: على كوشيب أخبرني بأن عبد الفتاح البرهان كان ضالعاً في جرائم دارفور