السعودية تبحث عن شركاء للقتال.. هل تملأ تركيا وباكستان فراغ واشنطن؟

يجمع التحالف السعودي التركي الباكستاني عناصر قوة يمكن أن تتكامل
في ذروة مواجهة تتداخل فيها الغارات السعودية داخل اليمن مع الهجمات الحوثية المتصاعدة على المملكة، اجتمع قادة عسكريون سعوديون وأتراك وباكستانيون في الرياض، يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2026، لبحث التنسيق العسكري وتبادل المعلومات الاستخبارية وتكامل القدرات.
وتعهد القادة بتحويل التزامات «اتفاقية مكة» فورًا إلى تعاون عسكري، بينما تواجه الرياض سؤالًا يتجاوز امتلاك السلاح إلى مدى استعداد حلفائها للقتال إلى جانبها.
وجاء الاجتماع بعدما رفضت واشنطن طلبًا سعوديًا للمشاركة في حملة غارات متواصلة ضد الحوثيين. ومع تقدم الجماعة على الساحل اليمني وتهديدها الملاحة والمنشآت السعودية، بات التردد الأميركي يمس قدرة المملكة على استعادة المبادرة وحماية مشروعها الاقتصادي.
هنا تكتسب الشراكة مع أنقرة وإسلام آباد أهمية تتجاوز الأزمة اليمنية، بوصفها اختبارًا لإمكان بناء قوة إقليمية تسند القرار السعودي عندما تختلف حساباته عن حسابات واشنطن.
فهل تستطيع الاتفاقية تغيير ميزان المواجهة؟ وماذا يعني انتقال تركيا وباكستان من التعهد بالحماية إلى تحمل كلفة الحرب؟ وهل يفتح ما تعده الرياض خذلانًا أميركيًا بابًا لإعادة ترتيب منظومة الأمن التي اعتمدت عليها المملكة لعقود؟

هجوم لاستعادة المبادرة
تخوض السعودية مواجهة على جبهتين مترابطتين: حماية أراضيها من الصواريخ والطائرات المسيرة، وإسناد القوات اليمنية التي تحاول وقف تقدم الحوثيين واستعادة مواقع خسرتها.
ولهذا، فإن طلبها المشاركة الأميركية لا يتعلق بالدفاع عن أراضيها ومنشآتها فحسب، بل يرتبط أيضًا بمحاولة تغيير موازين القتال داخل اليمن.
وفي 14 سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة مواقع غربي تعز وتحقيق تقدم في الجوف بإسناد جوي، بالتزامن مع اتساع المعارك بعد وصول الحوثيين إلى منطقة باب المندب.
وفي اليوم نفسه، نسبت الجماعة إلى السعودية تنفيذ 58 غارة على ست محافظات خلال 24 ساعة. ويشرح هذا المشهد مأزق الهجوم المضاد؛ إذ تستطيع الغارات إسناد القوات البرية واستهداف تجمعات الخصم، لكن استعادة الساحل والمواقع الإستراتيجية تحتاج إلى قوة ميدانية قادرة على تثبيت المكاسب ومنع انهيار الجبهات مجددًا.
ويكتسب الدعم الخارجي أهميته من قدرته المحتملة على تحسين الاستطلاع والإسناد والتنسيق، فضلًا عن أثر المشاركة العسكرية في معنويات القوات اليمنية، وهو ما أشار إليه محلل سعودي نقلت عنه صحيفة «فايننشال تايمز» الأمريكية.
وتضاعف التطورات البحرية كلفة التعثر، فسيطرة الحوثيين على مواقع قرب المضيق تمنحهم قدرة على الضغط على التجارة السعودية، بينما يضيّق اضطراب هرمز خيارات المملكة.
وبذلك، يتجاوز الخطر الحدود الجنوبية إلى أمن التصدير والاستثمار وثقة الأسواق في الاستقرار السعودي.
وقد ربط السفير الأميركي السابق مايكل راتني، في تحليل نشره مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، بين الرد العسكري السعودي وضرورة مواجهة الاعتداءات سياسيًا، مع ترجيحه العودة إلى الدبلوماسية.
ومن ثم، تصبح استعادة المبادرة العسكرية وسيلة لتحسين شروط التسوية، أما استمرار الضغط الحوثي فيجعل التفاوض يجري تحت تهديد متواصل، ويضع الرياض أمام اختبار قدرتها على حماية مصالحها وفرض كلفة على مهاجميها.
خذلان لن ينساه ابن سلمان
وفي قلب هذه المعادلة جاءت الرسالة الأميركية التي جعلتها «فايننشال تايمز» محور تقريرها؛ إذ طلبت السعودية غارات تتجاوز ضربة منفردة، لكن واشنطن رفضت المشاركة، دون تعليق من البيت الأبيض على المعلومات المنشورة.
فالرياض أرادت انخراطًا يساند حملتها ويبعث رسالة ردع، بينما احتفظ ترامب بمسافة تفصل المساعدة العسكرية عن دخول المعركة.
واختصرت الجنرال المتقاعدة كارين جيبسون، المديرة السابقة للاستخبارات في القيادة المركزية الأميركية، تداعيات الموقف بقولها للصحيفة: «لن ينسى محمد بن سلمان هذا».
وفسرت ذلك بأن الولايات المتحدة لن تقاتل بالضرورة حين ترى المصالح السعودية الحيوية مهددة. وتزداد وطأة الموقف مع رهان السعودية على الشراكة الأميركية لحماية مسار التحول الاقتصادي الذي يقوده ولي العهد.
ويعمق الأزمة أن واشنطن فتحت اتصالات مع الحوثيين عبر سلطنة عمان، بينما أكد مسؤول حوثي أن الاستهداف موجه إلى السعودية، لا المصالح الأمريكية. ولذلك حذرت منى يعقوبيان من أن ترك المملكة وحدها تواجه الهجمات؛ لأن مصالح الولايات المتحدة غير مهددة لا يعزز الثقة بالشراكة.
وتتصل هذه المفارقة بتباين الأولويات؛ فترامب يواجه استنزاف الحرب مع إيران وضغوط الوقود وانتخابات الكونغرس، بينما يواجه محمد بن سلمان تهديدًا لمشاريع تحويل المملكة إلى مركز للاستثمار والتجارة والسياحة.
وما تعده واشنطن جبهة إضافية يمكن تجنبها، تراه الرياض معركة تمس أمنها ومكانتها. وتعيد الأزمة، وفق راتني، إلى الذاكرة عدم الرد الأميركي عسكريًا على هجمات بقيق وخريص عام 2019.
لكن تكرار التجربة يمنح البحث عن شركاء آخرين، مثل تركيا وباكستان والصين، وزنًا أكبر؛ فشراء الأسلحة واستمرار تبادل المعلومات لا يحسمان سؤال من يشارك في استخدامها عند وقوع الخطر.
وهنا تكمن دلالة ما تعده الرياض خذلانًا؛ إذ يبقى التعاون قائمًا، بينما تتسع الشكوك في الضمانة السياسية التي اعتقدت المملكة أنها تسند ذلك التعاون وتحميها عند الامتحان.

ثلاث قوى ومعادلة أمن مختلفة
ومن هنا يجمع التحالف السعودي التركي الباكستاني عناصر قوة يمكن أن تتكامل: الثقل المالي والسياسي والديني السعودي، والصناعات الدفاعية والقوات التركية، والقدرات العسكرية الباكستانية وعلاقاتها الأمنية القديمة بالمملكة.
كما يضم دولة عضوًا في حلف شمال الأطلسي «الناتو» وأخرى تمتلك سلاحًا نوويًا، بما يمنحه وزنًا سياسيًا يتجاوز ترتيبات التدريب وشراء المعدات.
غير أن هذا الوزن لا يعني تلقائيًا امتداد ضمانات «الناتو» أو مظلة نووية إلى السعودية. فالمعلن هو التزام الأطراف الثلاثة بتقدير الاعتداء على إحداها اعتداءً عليها جميعًا، بينما تتحدد قيمته العملية بقدرتها على اتخاذ قرار عسكري مشترك وتنفيذه.
ويرى الباحثان مهند الحاج علي وعظيمة تشيما، في تحليل لـ«كارنيغي»، أن الاتفاقية محاولة لمنع فراغ أمني في الخليج كشفته الحرب الأميركية الإيرانية. ويربطان مصالح أنقرة وإسلام آباد بفرص توسيع صناعتيهما العسكريتين بالتمويل السعودي وتعزيز موقعهما في الممرات التجارية.
وبذلك، يتأسس التقارب على مصالح متبادلة تمنح الالتزام الدفاعي قاعدة أوسع من التضامن الظرفي.
ولهذا التكامل جذور عملية؛ إذ أعلنت الرياض في أبريل/ نيسان 2026 وصول طائرات مقاتلة ومساندة باكستانية ضمن اتفاق دفاع ثنائي سابق، بينما يوفر عقد طائرات «أقنجي» التركية المسيرة المعلن عام 2023 إطارًا للتدريب والإسناد والتعاون الصناعي.
ويمكن البناء على هذه الروابط لتقليل زمن الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنسيق الميداني.
أما التحول الأكثر أهمية، فهو إمكان انتقال السعودية من انتظار استجابة قوة خارجية واحدة إلى التفاوض داخل شراكة تملك فيها وزنًا مؤثرًا. وبالنسبة إلى أنقرة وإسلام آباد، تتيح حماية المملكة إثبات قدرتهما على أداء دور أمني إقليمي أوسع.
فإذا نجح اختبار اليمن، ستكتسب الاتفاقية صدقية تتجاوز أطرافها، وإذا بقيت التعهدات بلا أثر عسكري ملموس، فسيتضرر ما تقدمه من ضمانة مختلفة عن تلك التي تختبر الرياض حدودها مع واشنطن.

الالتزام على عتبة القتال
لهذا تضع تصريحات قادة التحالف مسافة بين الالتزام بحماية السعودية والموافقة على حرب مفتوحة.
فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان حدد، في مقابلة نقلتها الأناضول، طبيعة الرد وفق طلب الدولة المعتدى عليها واحتياجاتها، وطرح الاستخبارات والإسناد اللوجستي والذخائر ودعمًا أوسع بحسب التهديد، مستبعدًا افتراض تدخل عسكري تلقائي في كل حادث.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد تركيا لتلبية احتياجات عسكرية سعودية، خصوصًا التقنية، لكنه رفض جر المملكة إلى الحرب الأميركية الإيرانية.
ويتيح هذا الموقف لأنقرة مساندة الرياض مع الاحتفاظ بسلطة تقدير طبيعة المهمة؛ فتوفير معلومات أو معدات للدفاع يختلف عن إرسال قوات لتنفيذ ضربات داخل اليمن.
وفي باكستان، قال وزير الدفاع خواجة محمد آصف: إن الوقت حان لتطبيق الاتفاقية، وإن الدفاع عن المملكة والمقدسات التزام قائم حتى من دون اتفاق رسمي.
وعزز شهباز شريف هذا الموقف بالتأكيد على حماية الحرمين، بينما تحفظ إسحاق دار على تفاصيل توقيت استخدام القوة وأهدافها ووسائلها لأسباب تتعلق بسرية العمليات.
وتمنح مشاركة المشير عاصم منير في اجتماع الرياض، ثم مباحثاته مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، هذه التعهدات مسارًا عسكريًا مباشرًا.
لكن البيانات لا تحدد تعزيزات جديدة مرتبطة بالاجتماع أو قرارًا معلنًا بعملية مشتركة، ولا تكشف الحدود التي يقبل كل طرف بلوغها.
وتبقى إجراءات التفعيل نفسها قيد الاستكمال، فقد قال رئيس البرلمان التركي في 25 سبتمبر/ أيلول: إن الاتفاقية لم تُعرض بعد للتصديق.
ويمكن تقديم مساعدات ثنائية خلال ذلك، لكن اختبار الالتزام الحقيقي يبدأ عندما تطلب الرياض مساهمة تحمل مخاطر بشرية وسياسية.
عندها، ستظهر قدرة التحالف على الاتفاق على أهداف الحرب ومدتها وتقاسم أعبائها، ومدى استعداده لتحويل كلفة أمن السعودية إلى مسؤولية مشتركة، بدل بقائها عبئًا تتحمله المملكة وحلفاؤها اليمنيون وحدهم منذ استئناف التصعيد.

ردع الحوثيين وإعادة حسابات واشنطن
ويستهدف التحالف، في اختباره الراهن، تغيير حسابات الحوثيين بشأن كلفة مواصلة الهجمات.
فالمساندة الفعلية قد تمنعهم من استثمار تردد واشنطن لعزل السعودية عسكريًا، وتمنح الرياض قدرة أفضل على الجمع بين حماية الداخل وإسناد الهجوم المضاد.
لكنها قد تدفع الجماعة أيضًا إلى توسيع الاستهداف، وقد حذر القيادي الحوثي محمد البخيتي، في مقابلة مع وكالة «أسوشيتد برس»، الدول التي قد تنضم إلى المملكة في الحرب.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال بفعل العلاقة مع إيران. فكشف آصف عن نقل رسالة سعودية إلى طهران، بينما تؤكد أنقرة وإسلام آباد أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها.
وتسمح هذه الاتصالات بتوظيف القوة المحتملة في الضغط للتسوية، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا إذا تحول الحليف المدافع إلى طرف مباشر في القتال.
وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى ترتيبات أمنية إقليمية شاملة ومستدامة، مع تأكيد حق المملكة في حماية أمنها.
فالغاية السعودية تتصل بمنع تكرار الأزمة وضمان الملاحة، بقدر اتصالها بنتيجة جولة القتال الحالية.
ويمتد أثر الاتفاقية إلى واشنطن؛ فنجاح الشركاء الجدد يمنح الرياض هامش تفاوض أوسع بشأن الضمانات الأميركية. وقد رأى فراس مقصد، في حديثه لـ«فايننشال تايمز»، أن التوتر قد يسرع تنويع الشركاء الأمنيين ويفتح فرصًا لمنافسين إستراتيجيين.
ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة مصدرًا للسلاح والاستخبارات، ووفرت 77 بالمئة من واردات المملكة من الأسلحة الرئيسة خلال 2021–2025.
لهذا، فإن التحول المحتمل يبدأ بتقليص احتكار واشنطن لخيارات الاستجابة، مع استمرار الاعتماد على بنيتها التسليحية.
وسيحدد أداء تركيا وباكستان في هذه الأزمة ما إذا كانت الرياض قادرة على تحويل استيائها إلى قدرة تفاوض وحماية إضافية، أم أن اجتماع الحلفاء سيتركها أمام المعضلة ذاتها: سلاح متقدم، وشركاء كثر، وقرار سعودي منفرد بتحمل كلفة المواجهة.
المصادر
- اجتماع عسكري عاجل مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان.. هل تُفعَّل "اتفاقية مكة" ضد الحوثيين؟
- تركيا ترسل رئيس الأركان إلى السعودية لحضور اجتماع عاجل بشأن اتفاقية مكة للدفاع
- ‘MBS will not forget’: Donald Trump’s reluctance to fight Houthis rattles Saudi Arabia
- Is the United States Abandoning Saudi Arabia at Its Moment of Need?
- أردوغان: اتفاقية مكة تعبير عن مسؤولية بناء مستقبل أكثر أمنا وسلاما
- Iran-backed Houthi rebels warn against joining Saudi Arabia in Yemen’s growing civil war


















