تأشيرة البرهان.. حين تتحول ضغوط واشنطن إلى اختبار للوساطة والسلام في السودان

تعطيل حضور البرهان لا يعني صدور قرار أممي بسحب مقعد السودان
حجبت الولايات المتحدة تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، قُبيل مشاركته المقررة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتضع خلافها مع قيادة الجيش أمام اختبار يتجاوز العلاقات الثنائية إلى التزاماتها بوصفها الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.
وكشفت "رويترز"، في تقرير نشرته يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2026، أن مسؤولين أميركيين ربطوا حضوره بالموافقة على هدنة لمدة 90 يومًا اقترحها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس. وبينما أرجأ البرهان رحلته، أكّدت إفادة سودانية أنه لم يتلقَّ إشعارًا رسميًا برفض التأشيرة.
وجاء التعطيل بينما يعرض البرهان رؤيته للسلام في مقال بمجلة "فورين بوليسي"، وتطالب واشنطن الطرفين بوقف القتال دون شروط. وهكذا تداخلت معركة الوصول إلى المنبر الأممي مع نزاع على شروط التسوية، ومن يملك تمثيل السودان، ومستقبل السلطة بعد انتهاء الحرب.
فهل تدفع ضغوط التأشيرة نحو وقف الحرب، أم تزيد تعثر الوساطة؟ وأين تنتهي صلاحيات واشنطن وتبدأ حقوق الدولة العضو؟ وما الذي يفصل خطة البرهان عن المقترح الأميركي؟
وبدأ الاعتراض السوداني من موقع الولايات المتحدة بوصفها مضيفة للأمم المتحدة؛ ففي رسالة مؤرخة في 21 سبتمبر/ أيلول، طلب المندوب السوداني الحارث إدريس الحارث من الأمين العام أنطونيو غوتيريش التدخل الفوري لضمان إصدار التأشيرة، محذرًا من أن استمرار الوضع سيمنع رئيس مجلس السيادة من المشاركة شخصيًا في أعمال الجمعية العامة.
وأبلغ المتحدث الأممي ستيفان دوجاريك "رويترز" أن غوتيريش "قلق للغاية" إزاء عدم إصدار التأشيرة، وأنه يتواصل مع واشنطن بشأنها.
وفي المقابل، امتنعت الخارجية الأميركية عن التعليق على الطلب، فيما أفادت الوكالة بأن وزير الخارجية محيي الدين سالم سيلقي كلمة السودان بدلًا من البرهان.
وتستند الحجة السودانية إلى اتفاق المقر لعام 1947؛ إذ تمنع مادته الحادية عشرة عرقلة عبور ممثلي الدول الأعضاء إلى المنظمة، وتجعل المادة الثانية عشرة هذه التسهيلات مستقلة عن العلاقات مع الحكومة الأميركية، بينما تلزم المادة الثالثة عشرة بمنح التأشيرات المطلوبة بأسرع ما يمكن.
وبذلك، تطرح الأزمة تمييزًا بين موقف واشنطن من السلطة السودانية والتزاماتها بتيسير وصول ممثلي الدول إلى المنظمة. فالتشكيك في شرعية حكومة لا يحسم تلقائيًا حق وفدها في المشاركة، كما أن تعطيل حضور البرهان لا يعني صدور قرار أممي بسحب مقعد السودان.
وفي هذا السياق، نقلت "ألترا سودان" عن الدبلوماسي عمار محمد محمود انتقاده تحويل النقاش من اتفاق المقر إلى شرعية الحكم. واستشهد برسالة قال: إن ترامب بعث بها في يناير/ كانون الثاني 2026، مخاطبًا البرهان بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي.

خلاف على الانسحاب قبل الهدنة
أما ما وراء أزمة الدخول، فهو خلاف تفاوضي سبق اجتماعات نيويورك. فقد كشفت وثائق اطلعت عليها "رويترز" في يوليو/ تموز 2026، أن الحكومة السودانية قبلت معظم المقترح الأميركي، لكنها رفضت اقتصار انسحاب الدعم السريع على مناطق محددة، وطالبت بخروجه من جميع المدن التي يسيطر عليها.
وكان المقترح يتضمن هدنة إنسانية فورية، ثم التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وانتقال مدني، فيما دعت واشنطن إلى قبوله بصيغته المطروحة دون شروط مسبقة.
وتوضّح هذه التفاصيل أن النزاع يتصل بما تنتجه الهدنة على الأرض، وحدود انتشار القوات، وأمن السكان، والضمانات التي تمنع استخدام توقف القتال لإعادة التسليح. وهي مسائل تجعل الاتفاق على ضرورة إنهاء الحرب غير كافٍ وحده لتجاوز الخلاف على ترتيبات التنفيذ.
وتتمسك الحكومة السودانية بأولوية إخلاء المواقع المدنية. وقال مستشار رئيس مجلس السيادة أمجد فريد، في تصريحات نشرتها "العهد أونلاين": إن إنهاء إكراه المدنيين من متطلبات إجراء محادثات ذات جدوى. معتبرًا أن مستقبل الحكم والدستور وإعادة الإعمار ينبغي أن يناقش داخل السودان عبر حوار شامل يملكه السودانيون.
أما واشنطن، فتضع وقف القتال في مقدمة المسار. واتهمت الخارجية الأميركية الجيش والدعم السريع بتكثيف العمليات وضربات الطائرات المسيّرة، بدل إظهار التزام جدي بهدنة فورية، وطالبت الطرفين بالانخراط في حوار يقود إلى حكومة مدنية.
لكن تحويل الخلاف على الترتيبات إلى شرط للحضور الدولي يضيف عبئًا على الوساطة؛ فقد نقلت "رويترز" عن مطلعين على الاتصالات أن عدم منح البرهان التأشيرة قد يقلل فرص انخراطه مستقبلًا مع بولس.
وعبّر دبلوماسي سوداني عن جوهر الاعتراض بقوله: إن البرهان يرفض النهج الجامد، وإن أي مقترح قابل للتعديل. وهنا يصبح هامش التفاوض على النص نفسه جزءًا من النزاع، إلى جانب مضمون الهدنة وضماناتها.

واشنطن توسع كلفة الرفض
كذلك يترافق الضغط التفاوضي مع تصعيد أميركي في الحديث عن مستقبل السلطة؛ ففي 15 سبتمبر/ أيلول، قال بولس في دبي، التي تتهمها الخرطوم بدعم وإمداد الدعم السريع: إن واشنطن تدعم انتقالًا مدنيًا سريعًا يستبعد البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو من القيادة السياسية، مقرًا بأن خارطة الطريق لم تحقق نتائج بعد عام من طرحها.
وتأتي الأزمة فوق إرث من العقوبات؛ فقد عاقبت إدارة بايدن البرهان في يناير/ كانون الثاني 2025، قبل تولي ترامب الرئاسة. وفي مايو/ أيار من العام نفسه، أعلنت الإدارة الجديدة إجراءات مرتبطة باتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية، وهو اتهام رفضته الخرطوم.
كما استهدفت الخزانة في يونيو/ حزيران 2026 شبكات مرتبطة بإمداد الجيش وأخرى بتجنيد مقاتلين للدعم السريع.
ومع ذلك، لم تنقطع الاتصالات؛ إذ اجتمع بولس بوزير الخارجية السوداني في نيويورك. ويوضح استمرار اللقاءات، بالتوازي مع التصعيد، أن واشنطن تفاوض السلطة القائمة بينما ترفض منحها إقرارًا سياسيًا بمشروعها للحكم.
واستدعت أزمة التأشيرة انتقادات تناولت مكانة السودان وحدود النفوذ الأميركي على المنظمة الدولية. وقارن المفكر عزمي بشارة، في منشور بتاريخ 23 سبتمبر/ أيلول، بين منع ممثلي السودان وفلسطين والسماح للرئيس الإيراني بالحضور، رغم الحرب مع طهران.
ووصف ذلك بأنه "مؤشر آخر مهم على وضع الدول والكيانات العربية، ووزن النظام الرسمي العربي دوليًا". موضحًا لاحقًا أنه يقصد رئيس مجلس السيادة بعبارة الرئيس السوداني.
ومن زاوية الوساطة، نقلت "العهد أونلاين" عن الباحث الأميركي كاميرون هدسون انتقاده استخدام التأشيرة للضغط مقابل توقيع اتفاق، وتساؤله عن استدامة تسوية تنتزع بالإكراه. ويضع هذا الاعتراض جدوى الإجراء الأميركي موضع اختبار، خصوصًا حين يصبح الحفاظ على الثقة بالوسيط جزءًا من شروط استمرار المحادثات.
وفي مقال بعنوان "تأشيرات الدخول والخطأ في الحساب"، توقع الكاتب مصطفى عبد العزيز البطل أن يقوي الإجراء موقف البرهان ويضعف بولس، ويدفع الخرطوم إلى التشدد تجاه شروط الرباعية.
أما حسن إسماعيل، فانتقد إدارة الزيارة نفسها، مقدرا أن تصاعد اللهجة الأميركية كان يستدعي توقع التعطيل وإيفاد رئيس الوزراء كامل إدريس.
ودعا الكاتب علي محمد طاهر علام إلى مواجهة الأزمة عبر القنوات القانونية والدبلوماسية، مع إبقاء أبواب التواصل مفتوحة. ويعكس موقفه اتجاهًا يجمع بين رفض الضغط بالتأشيرة والحرص على تجنب قطيعة تزيد تعقيد الملف السوداني.

البرهان يطرح سلام الدولة الواحدة
وفي مواجهة التشكيك الأميركي، قدم البرهان في مقاله بمجلة "فورين بوليسي" تصورًا يستند إلى أولوية مؤسسات الدولة. وأقر بأن الحكومة التي يقودها انتقالية وغير مثالية، لكنه تمسك بصفتها سلطة دولة ذات سيادة وعضوًا في الأمم المتحدة، معلنًا قبول الاحتكام إلى القانون الدولي والمساءلة بموجبه.
وتقوم الخطة التي عرضها على وقف دائم لإطلاق النار، مع إشراف أممي يساعد على إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، وصولًا إلى جيش وطني واحد تحت إشراف مدني. ويربط البرهان ذلك بحوار سوداني بعيدًا عن الإملاءات، ودستور يصوغه السودانيون، وانتخابات حرة تخضع لمراقبة دولية وتعيد القرار السياسي إلى المواطنين.
ويضع مقالُه المجتمعَ الدولي أمام أربع أولويات: دعم الخطة المقدمة لمجلس الأمن، وتجفيف تمويل الدعم السريع وخطوط إمداده، ومساندة مراقبة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، وإتاحة المجال للسودانيين لتحديد مستقبلهم. كما ينتقد الهدن السابقة، مقدرا أنها منحت الدعم السريع وداعميه فرصة لإعادة تنظيم الصفوف، بدل إنهاء الحرب.
ويستدل على أهمية استعادة سلطة الدولة بقوله إن نحو أربعة ملايين سوداني عادوا إلى الخرطوم والجزيرة وسنار بعد انسحاب الدعم السريع. ومن خلال الربط بين عودة السكان وتقدم الجيش، يقدم البرهان استعادة المؤسسات والأمن بوصفها أساسًا للتسوية، ويرفض مساواة الحكومة بالتشكيلات المسلحة الموازية.
















