لماذا تختلف المقاربة الغربية تجاه الحوثيين عن تنظيم الدولة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

رغم تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية وتهديدهم الملاحة الدولية واقترابهم من باب المندب، لا تتعامل القوى الغربية معهم بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع تنظيم الدولة؛ فبينما حشدت تحالفًا دوليًا لإنهاء التنظيم خلال سنوات، تبدو المواجهة مع الحوثيين أكثر حذرًا، وحساباتها مختلفة.

ففي العام 2014 نفسه الذي سيطر فيه تنظيم الدولة على مساحات واسعة من سوريا والعراق، معلنًا تأسيس دولته، انقلبت جماعة الحوثي، بدعم إيراني، على السلطة الشرعية في اليمن. لكن الغرب تعامل بحزم مع الأولى، وأنهى دولتها خلال ثلاث سنوات فقط، بينما أبقى الثانية قائمة حتى اليوم.

وتزداد هذه التساؤلات مع تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات كانت إدارته تستعد لها ضد الحوثيين، وذلك بعد تقدم الجماعة السريع على حساب قوات الحكومة اليمنية واقترابها من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

حسابات مختلفة

في 21 سبتمبر/ أيلول 2026، أفادت "رويترز" بأن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة في اليمن، طلب من ترامب دعمًا أميركيًا لحكومته في مواجهة الحوثيين الذين حققوا تقدمًا إستراتيجيًا قرب باب المندب، إلا أن الرئيس الأميركي لم يلتزم خلال الاتصال بتقديم مساعدة عسكرية مباشرة.

ويأتي عدم إبداء الرئيس الأميركي دعمه بشكل صريح، أو تعهده بمساعدة الشرعية اليمنية، رغم تصنيف واشنطن الحوثيين منظمة إرهابية، ورغم أن الجماعة تسيطر بقوة السلاح على مناطق واسعة من اليمن.

وبحسب معلومات أوردتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في 22 سبتمبر، كانت إدارة ترامب قد اقتربت من تنفيذ ضربات جوية على الحوثيين، قبل أن يتراجع الرئيس الأميركي عنها في اللحظة الأخيرة، بينما كانت القوات تحمل القنابل على الطائرات.

كما نقل موقع "أكسيوس" الأميركي في 21 سبتمبر عن مسؤولين أميركيين أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، أعد خيارات لضربات جوية وقدمها إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، لكن ترامب قرر تعليق الخيار العسكري في الوقت الراهن.

وتقدم هذه التطورات جانبًا من الإجابة عن الفارق بين التعامل مع الحوثيين وتنظيم الدولة؛ إذ تبدو الحسابات الأميركية الحالية مرتبطة بالخوف من توسيع نطاق المواجهة في المنطقة؛ فالولايات المتحدة تخوض حربًا مع إيران، بينما يخشى مسؤولون داخل الإدارة من أن يؤدي فتح جبهة جديدة في اليمن إلى تعقيد الوضع العسكري القائم.

ولا ترى واشنطن أن القوة اليمنية المناهضة للحوثيين موحدة وقادرة على حسم المعركة، وفق مسؤولين وقادة عسكريين أميركيين نقلت عنهم "نيويورك تايمز"، مشككين في جدوى قصف محدود لإجبار الجماعة على التفاوض، خاصة بعد صمودها أمام حملة أميركية استمرّت نحو ثمانية أسابيع عام 2025.

ونقلت الصحيفة عن غريغوري جونسن، الزميل غير المقيم في "معهد دول الخليج العربية" في واشنطن، أن القوة البرية اليمنية التي يفترض أن تدعم أي حملة جوية تتكون من أطراف يمنية متباينة الأهداف. مضيفًا أنها "تقضي وقتًا في قتال بعضها البعض أكثر مما تقضيه في قتال الحوثيين".

وتكشف المعطيات أن اختلاف التعامل مع تنظيم الدولة والحوثيين لا يرتبط فقط بسيطرة الجماعتين على أراضٍ بالقوة، بل بتباين البيئة العسكرية والسياسية، ما يجعل واشنطن أكثر حذرًا في اليمن، خصوصًا أثناء الحرب مع إيران، وعدم وحدة القوى المحلية القادرة على خوض مواجهة واسعة.

"تآمر واضح"

وفي السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن المقارنة بين تنظيم الدولة والحوثيين لا يمكن فصلها عن طبيعة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

وقال التميمي: إن "التنظيمين (الدولة، الحوثي) أدّيا دورًا وظيفيًا في إعادة هندسة المنطقة". مقدرا أن تغيير المنطقة في العراق وسوريا مر عبر استخدام السلاح تحت ذريعة مواجهة تنظيم الدولة، بينما جرى التعامل مع الحوثيين في إطار مختلف من التدخلات الغربية في اليمن.

وأضاف أن الحوثيين وصلوا إلى صنعاء "بدعم كامل من الغرب"، وأن ذلك جرى أيضًا تحت عنوان مكافحة الإرهاب. مشيرًا إلى وجود إصرار أميركي في حينها على أن يكون الحوثيون نواة للحكومة التي كان يجرى الإعداد لتشكيلها في اليمن، قبل أن تتحول تلك العملية إلى سيطرة واسعة للجماعة.

وربط التميمي بين التطورات اليمنية والتحولات التي أعقبت هجوم "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قائلًا: إن ما ظهر بعد ذلك هو أن الحوثيين يمثلون جزءًا من المشروع الإيراني المعروف باسم "محور المقاومة".

وبحسب التميمي، فإن هذا المحور كان يعمل ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع، لكنه بعد 7 أكتوبر حاول إثبات قدرته على تنفيذ الشعارات التي رفعها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونتيجة لذلك، أصبح الحوثيون اليوم، وفق التميمي، "يشكلون خطرًا على الاقتصاد العالمي، وعلى إمدادات الطاقة، وعلى استقرار المنطقة"، ومع ذلك لا يرى أن الغرب يتعامل معهم "بالمستوى نفسه من التعاطي العسكري كما كان الحال بالنسبة إلى تنظيم الدولة".

ورأى التميمي أن استمرار بقاء الحوثيين مسلحين، وامتلاكهم مشروعًا سياسيًا وعسكريًا، يعني أن فرص الاستقرار في اليمن ستظل محدودة. مضيفًا أن المجتمع الدولي والغرب خصوصًا بحاجة إلى تغيير مقاربته تجاه الجماعة.

وذهب الخبير اليمني إلى أبعد من ذلك بالقول إن الغرب لم يكتفِ بعدم إنهاء الحوثيين عسكريًا، وإنما تدخل أيضًا في مسار الحرب اليمنية، مقدرا أن تدخلاته أسهمت في منع استعادة الحديدة، وسمحت بصعود المشروع الانفصالي الإماراتي.

ووصف التميمي المقاربة الغربية تجاه اليمن بأنها تنطوي، بحسب تعبيره، على "تآمر واضح حول استقرار اليمن"، وعلى التخلي عن مسار سياسي جرى إقراره منذ عام 2011، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن.

معركة مؤجلة

ويبرز في موقف التميمي تفسير آخر لسبب اختلاف التعامل الغربي مع الحوثيين عن التعامل مع تنظيم الدولة؛ إذ يرى أن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ ضربات عسكرية، وإنما بطبيعة المشروع الذي تريده واشنطن من اليمن والمنطقة، وبالنتائج التي يمكن أن تترتب على إنهاء الجماعة عسكريًا.

وبحسب هذا التصور، فإن القضاء على الحوثيين لا يعني انتهاء الأزمة اليمنية تلقائيًا، خصوصًا في ظل انقسام القوى المناهضة لهم وضعف التنسيق بينها. وهذا يتقاطع مع المخاوف التي نقلها موقع "أكسيوس" عن مسؤولين ودبلوماسيين، بشأن قدرة القوات اليمنية على الاستفادة من أي حملة جوية أميركية.

وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تواجه معضلة مختلفة عن تلك التي واجهتها عندما تشكل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة؛ فالتدخل العسكري ضد الحوثيين يمكن أن يفتح، بحسب المخاوف المنقولة عن مسؤولين أميركيين، جبهة إضافية في لحظة تخوض فيها الولايات المتحدة مواجهة مع إيران، بينما لا تملك الحكومة اليمنية قوة عسكرية متماسكة يمكن أن تتولى الجزء الأكبر من المعركة على الأرض.

كما أن الحوثيين أنفسهم أعلنوا، وفق ما نقلته "رويترز"، أنهم لن يستهدفوا السفن الأميركية، فيما أشارت "أكسيوس" إلى أن مسؤولين أميركيين كانوا قد تلقوا تطمينات من الجماعة بأنها لا تعتزم إغلاق باب المندب.

لكن تقدم الحوثيين نحو باب المندب يضع هذه الحسابات أمام اختبار مختلف؛ فالممر يمثل نقطة اختناق بحرية شديدة الأهمية للتجارة الدولية، وقد انعكس التوتر فيه على حركة الملاحة.

وأظهرت بيانات نقلتها "رويترز" في 21 سبتمبر، أن حركة السفن عبر باب المندب تراجعت خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى 51 سفينة مقابل 57 في الفترة السابقة.

وفي المقابل، يرى التميمي أن الحل لا يحتاج بالضرورة إلى تدخل أميركي مباشر واسع، بل إلى دعم قوة عسكرية يمنية وسعودية قادرة على خوض مواجهة حقيقية مع الحوثيين. وقال: "أعتقد أن أفضل طريقة للتدخل هي دعم عملية عسكرية حقيقية تقوم بها المملكة العربية السعودية والقوات اليمنية، وهذا يكفي".

أما اتصال ترامب بالعليمي، فيقرأه التميمي باعتباره مؤشرًا على أن واشنطن قد تكون بصدد القيام بخطوة تجاه اليمن، قائلًا إن اتصال الرئيس الأميركي بالرئيس اليمني "لأول مرة في تاريخ الأزمة كلها" يعني أن لدى ترامب "مهمة أو رغبة في عمل شيء".

ومع ذلك، فإن المصادر التي نقلت عنها "رويترز" بخصوص اتصال ترامب بالعليمي أكدت عدم وجود تعهد أميركي بتقديم دعم عسكري مباشر للسلطة الشرعية في اليمن ضد الحوثيين.