روحاني يفتح النار على خامنئي والحرس الثوري.. بداية تمرد أم خلافٌ عابر؟

"هذا الرئيس الهادئ قام بفعل أكثر جرأة من أحمدي نجاد"
"إن الشعب ينتظر من السلطة القضائية إصدار حكم الإعدام بحق الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، وأن يُلف حبل المشنقة حول عنقه ويُعدم".
بهذه الكلمات هاجم النائب في البرلمان الإيراني كامران غضنفري، روحاني، في أحدث حلقات الصراع المستمر بين تيار الإصلاحيين وبين المرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري وتيار المحافظين.
ويرى موقع "سوهو" الصيني أن كلمات غضنفري "ليست مجرد تهديد أجوف، بل هي تعبير عن واقع الجمهورية الإيرانية".
وقال: "ما هو المصير الأمثل لرئيس دولة بعد انتهاء فترة ولايته؟ هل هو التمتع بهدوء حياته، وكتابة مذكراته، أم الانخراط في الأعمال الخيرية؟ في إيران، قد يكون الجواب على هذا السؤال صادما للغاية، وهو ببساطة: (البقاء على قيد الحياة)".

شبح سياسي
واستشهد الموقع الصيني بتجربة محمود أحمدي نجاد، فقال: "هذا الرئيس السابق ليس شخصا عاديا، فقد كان خلال فترة رئاسته محور تغطية وسائل الإعلام العالمية".
وتابع: "حيث هاجم الولايات المتحدة الأميركية بلا مواربة على منبر الأمم المتحدة، وشكك علنا في صحة الهولوكوست، وهدد بمحو إسرائيل من الخريطة".
وبحسب الموقع "جعلته هذه المواقف نموذجا للمقاتل المناهض لأميركا، و(أحد المقربين) لدى المرشد الأعلى علي خامنئي".
وأضاف: “من المنطقي أن يكون لرجل مثل هذا مكانة جيدة بعد انتهاء ولايته، أليس كذلك؟”
واستدرك التقرير: "إلا أن الواقع كان مفاجئا تماما، فبعد انتهاء فترة ولايته، دخل أحمدي نجاد في صدام حاد مع المرشد الذي رعاه ودعمه سابقا".
وأوضح الموقع مظاهر هذا الصدام، فقال: "بدأ الرئيس أحمدي نجاد ينتقد النظام علنا ويهاجم قرارات المرشد".
وأردف: "وفي مقابلة مع وسائل إعلام أميركية عام 2024، كشف أحمدي نجاد عن معلومات صادمة، حيث زعم أن جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) اخترق أجهزة الاستخبارات الإيرانية، واتهم رئيس قسم مكافحة التجسس نفسه بأنه كان عميلا مزدوجا".
وعقب الموقع قائلا: "تصريحات كهذه بدت للكثيرين ضربا من الجنون، وكأنها تقدم سلاحا مجانيا للعدو".
إلا أنه لفت إلى أن "ما حدث بعد ذلك، جعل الكثير يصدق ما قاله نجاد، فبعد بضعة أشهر فقط من تصريحاته، شنّت إسرائيل بالفعل هجمات جوية استمرت 12 يوما على إيران، استهدفت خلالها قواعد عسكرية ومنشآت نووية بدقة".
"حينها، بدأ البعض يدرك أن أحمدي نجاد ربما لم يكن يهذي"، يقول الموقع.
ويكمل: "إلا أن قول الحقيقة كان له ثمن باهظ، فبعد تصريحاته بوقت قصير، نجا بأعجوبة من حادث سير كاد يودي بحياته".
وتابع: "السيارة الرسمية التي كان من المفترض أن يستقلها انحرفت على الطريق السريع وتحطمت، وأُصيب حارسه الشخصي بجروح خطيرة".
واستطرد: "المصادفة أن جهاز التكييف في السيارة تعطل قبل الانطلاق، فاستُبدلت في اللحظة الأخيرة، ما أنقذه من الموت".
"أما الرواية الرسمية، فقد وصفت الحادث بأنه (عطل ميكانيكي)، لكن الشارع الإيراني لم يصدق ذلك"، بحسب تقدير الموقع.
وأشار إلى أنه "منذ تلك الحادثة، اختفى أحمدي نجاد من المشهد، فلم يُجرِ أي مقابلات، ولم يُدلِ بأي تصريحات نارية، وتحول إلى (شبح سياسي) لا يتحدث إلا عن قضايا معيشية هامشية، وكأنه مات سياسيا".
تحدٍّ صريح
ويرى الموقع أن "تجربة أحمدي نجاد توضح حجم المخاطر التي تواجه أي شخص يتحدى السلطة العليا في إيران".
واستدرك: "لكن مع ذلك، هناك من لا يبالون بالشر ويتحدون النظام، ومن هؤلاء حسن روحاني".
وتحدث "سوهو" عن الفرق بين الرئيسين السابقين: "إذا كان أحمدي نجاد رجلا حاد المزاج، فإن روحاني كان الرئيس الأكاديمي الرصين، الذي يرتدي النظارات ويتسم بالسلوك الهادئ".
وأشاد بأبرز إنجازاته، فقال: إنه "نجح، تحت ضغط داخلي هائل، إلى التوصل لاتفاق نووي مع القوى الكبرى، مما منح إيران فترة من التخفيف عن العقوبات الدولية وأعادها إلى طاولة الحوار مع الغرب".
ولذلك، أبدى الموقع دهشته من تصرفات روحاني قائلا: "من المفترض أن رجلا بهذه الفطنة والدبلوماسية لا يجرؤ على تحدّي النظام".
وأوضح التقرير الصيني تفاصيل الخطوة المفاجئة التي قام بها روحاني، فقال: "في أغسطس/ آب 2025، قام هذا الرئيس الهادئ بفعل أكثر جرأة من أحمدي نجاد".
فقد أعلن دعمه لبيان أصدره عدد من رموز التيار الإصلاحي، وجهوا فيه انتقادات مباشرة لسياسات المرشد الأعلى خامنئي، مطالبين بإنهاء النهج المتشدد تجاه الولايات المتحدة، والحد من نفوذ الحرس الثوري.
ويقدر الموقع أن تأييد روحاني للبيان كان "تحديا صريحا لمركز السلطة، ويمكن عدّه (انقلابا سياسيا ناعما)".

حافة الانهيار
وحول أسباب تبني روحاني لهذا البيان قال التقرير: "روحاني، الذي بلغ السادسة والسبعين من عمره، لم يكن يجهل عواقب ما أقدم عليه، كان يدرك تماما أن ما فعله قد يكلفه حياته أو حريته، لكنه اختار المواجهة؛ لأن الوضع في طهران لم يعد يُحتمل".
وسلط الضوء على الواقع الإيراني، فقال: "إذا نظرنا إلى حياة المواطن العادي عام 2025، نجد أن الاقتصاد قد بلغ حافة الانهيار".
ففي عام 2017، كان الدولار الواحد يعادل 40 ألف ريال، أما اليوم فقد تجاوز 500 ألف، وهو ما يعني أن راتب العامل العادي لم يعد يكفي حتى لشراء كيس دقيق.
وأكمل: "نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 30 بالمئة، والشوارع تعجّ بالعاطلين عن العمل، الذين تملأ أعينهم الحيرة والغضب، الاحتجاجات باتت مشهدا يوميا، وغالبا ما تنتهي بقنابل الغاز والهراوات على يد الحرس الثوري".
"ولم تقتصر الضغوط على الوضع من الداخل فقط، بل تصاعدت من الخارج أيضا". يقول التقرير.
وتابع موضحا: "فالدول الأوروبية التي كانت شريكة في الاتفاق النووي -بريطانيا وفرنسا وألمانيا- انقلبت على طهران، وانضمت إلى الولايات المتحدة في التحضير لفرض (عقوبات قصوى) تهدف إلى خنق ما تبقى من الاقتصاد الإيراني".
وأردف: "تشير تقارير إلى أن البلاد تقف على شفا الانفجار، وأن أي شرارة قد تشعل فتيل انهيار شامل".
مغامرة أخيرة
ويعتقد الموقع أنه "في ظل هذا التدهور الداخلي والضغوط الخارجية، ومع تفاقم معاناة المواطنين؛ لم يعد بإمكان روحاني والتيار الإصلاحي الصمت أكثر".
فقد باتوا، حسب تقديره، مقتنعين بأن "الاستمرار في تبني أيديولوجية (محور المقاومة) سيقود إيران إلى طريق مسدود".
"وهكذا، قرر روحاني، أن يخوض مغامرة أخيرة، مخاطِرا بكل شيء من أجل مستقبل البلاد". وفق وصف الموقع.
واستدرك: "لكن المشكلة أن خصمه لم يكن شخصية عادية، بل كان كيانا ضخما يكاد يكون من المستحيل التغلب عليه".
وعزا ذلك إلى نفوذ خامنئي الذي يتربع على قمة السلطة في إيران منذ عام 1989؛ حيث "أمضى 36 عاما في بناء شبكة نفوذ محكمة، أشبه بعنكبوت نسج خيوطه حول مؤسسات الدولة كافة: من الرئاسة إلى البرلمان، ومن القضاء إلى الإعلام".
واستطرد: "فرغم أن الرئيس يبدو في الظاهر رأس الدولة، إلا أن القرار الحقيقي لا يصدر إلا من مكتب المرشد الأعلى".
"أما السلاح الأقوى في يد خامنئي، فهو الحرس الثوري؛ حيث إن هذه القوة العسكرية التي تضم نحو 120 ألف عنصر، لا تخضع للحكومة، بل تتلقى أوامرها مباشرة من المرشد". بحسب ما ذكره التقرير.
ولفت إلى أن "نفوذها لا يقتصر على الجانب العسكري، بل تمتلك أجهزة استخبارات خاصة، ومنصات إعلامية، وحتى إمبراطورية اقتصادية ضخمة".
وبحسب ما أورده، "يسيطر الحرس الثوري، عبر شركاته العملاقة، على نحو ثلث الاقتصاد الإيراني".
وبالتالي يرى التقرير أن "دعوة روحاني لتقليص صلاحيات هذه المؤسسة تُعد بمثابة انتزاع للمصالح من بين أنياب النمر".
وبالعودة إلى تصريح البرلماني غضنفري، يرى الموقع أن هذا التهديد "لم يكن مجرد كلام عابر، فروحاني بالفعل يواجه ملفات قديمة يمكن استخدامها ضده".
ففي عام 2022، فتحت السلطات القضائية تحقيقا حول تورطه في التلاعب بسوق العملات الأجنبية، ما أدى إلى انهيار الريال.
وتشير الاتهامات إلى أن مقربين منه حصلوا على الدولار بأسعار منخفضة خلال الأزمة، ثم أعادوا بيعه بأسعار مرتفعة لتحقيق أرباح ضخمة.
وفي هذا السياق، نوه الموقع إلى أن "التحقيقات في القضية لم تُستكمل آنذاك، وهو ما فُسر من قبل البعض بأن خامنئي منح روحاني فرصة للخروج من المشهد السياسي بشكل لائق، إلا أن قرار روحاني الأخير بالمواجهة دفع التيار المحافظ إلى استغلال الملف مجددا لتشويه صورته".
وبناء عليه، تساءل: “هل اتخذ روحاني موقفا بطوليا من أجل مستقبل إيران، أم أنه أقدم على مقامرة سياسية يائسة لإنقاذ نفسه؟”
ويرى التقرير الصيني أن “الكرة الآن في ملعب خامنئي، هل سيكسر القاعدة غير المكتوبة التي تمنع إعدام الرؤساء السابقين، ويستخدم عقوبة الإعدام لترهيب المعارضين؟”
أم أنه "سيلجأ إلى خيار أكثر (نعومة)، كفرض الإقامة الجبرية على روحاني، ليصبح (ميتا سياسيا)، كما حدث مع قادة الحركة الخضراء عام 2009، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، الذين قضوا سنواتهم الأخيرة في عزلة؟"
وعقب الموقع: "أيا كانت النهاية، فإن مغامرة روحاني ألقت بظلال ثقيلة على المجتمع الإيراني".
وتابع موضحا مقصده: "ففي طهران، يقول أحد الأساتذة الجامعيين في جلسة خاصة: (اليوم، حتى مناقشة السياسات الاقتصادية داخل الفصل الدراسي باتت محفوفة بالمخاطر، خوفا من أن يبلغ أحد الطلاب عنك)".
وأردف الموقع: "هذا الخوف المتغلغل في كل زاوية، هو ما تسعى السلطة إلى ترسيخه كوسيلة لتحقيق (الاستقرار)، أما الهدوء الظاهر في شوارع طهران، فقد لا يكون سوى هدوء ما قبل العاصفة القادمة".















