هجمات تنظيم الدولة في سوريا.. كيف يستغلها النظام لصالح القوات الإيرانية والروسية؟

بصورة لافتة، عاد تنظيم الدولة لتنفيذ هجمات ضد قوات بشار الأسد والمليشيات الإيرانية في سوريا، وذلك بعد حالة من الخمول لخلايا التنظيم التي تتمركز في البادية السورية الممتدة نحو صحراء الأنبار العراقية.
ويأتي تكثيف تنظيم الدولة لهجماته على الساحة السورية، عقب مقتل أبو الحسين الحسيني القرشي الزعيم الرابع للتنظيم الذي قضى في اشتباكات في شمال غرب سوريا.
وقد أعلن تنظيم الدولة في الثالث من أغسطس 2023 تعيين أبو حفص الهاشمي القرشي زعيما جديدا للتنظيم ليكون الخامس بعدما جرى قتل الأربعة السابقين في سوريا.
هجمات تنظيم الدولة
وفي أحدث الكمائن، نفذ عناصر من تنظيم الدولة هجوما على حافلتين عسكريتين تقل عناصر من قوات النظام السوري عندما كانت تمر في بادية الميادين في ريف دير الزور الشرقي في 10 أغسطس/آب 2023، ما أدى لمقتل 33 عنصرا من النظام.
وتبنى تنظيم الدولة الهجوم في اليوم التالي وفق ما نقلت وكالة "أعماق" التابعة له عبر حسابات على تطبيق تلغرام.
وقال إن عناصره "نصبوا كمينا محكما لحافلتين عسكريتين" قبل أن يستهدفوهما "بنيران كثيفة وعدد من القذائف الصاروخية"، ما أدى إلى احتراق حافلة وإعطاب الأخرى.
أما الهجوم الأكثر حساسية من ناحية المكان فكان في 28 يوليو/تموز 2023، عندما استهدف تنظيم الدولة بعبوة ناسفة حي السيدة زينب في جنوب دمشق، ما تسبب بمقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من عشرين آخرين بجروح، وفق إعلام النظام السوري.
ووقع التفجير قرب مقر أمني يبعد نحو 600 متر من "مقام السيدة زينب"، وجاء رغم تشديد القوى الأمنية هناك إجراءاتها في المنطقة بالتزامن مع مجالس العزاء التي تواكب إحياء ذكرى عاشوراء لدى الطائفة الشيعية، حيث يتردد على الحي زوار من إيران والعراق ولبنان ودول أخرى.
وتنبع أهمية التفجير كونه نفذ بقلب حي "السيدة زينب" الذي سلخته طهران عن محيطه وحولته إلى عاصمة إدارية شيعية لها بدعوى "حماية" مقام السيدة زينب بنت الخليفة الرابع علي بن أبي طالب.
وحاليا حي "السيدة زينب"، تحول بعد عقد من الزمن لأضخم معقل محصن لمليشيات إيران في قلب العاصمة، حيث تقطنه عوائل قادتها العسكريين بينهم ضباط بالحرس الثوري.
وأنشأت كذلك إيران عدة معسكرات تدريب في المزارع والبساتين المحيطة بحي "السيدة زينب" للعناصر المحلية التي انضمت للمليشيات الإيرانية، لخلق بقعة نفوذ ممتدة إلى مطار دمشق الدولي.
تجدر الإشارة إلى أن تنظيم الدولة تبنى في 10 مايو/ أيار 2023 تفجير مركبة بعبوة ناسفة داخل مركز للشرطة في العاصمة دمشق، ما تسبّب بمقتل ضابط برتبة مقدم وإصابة أربعة عناصر من الشرطة.
البادية السورية
وتعد المناطق الحدودية من جهة البادية السورية تحت نفوذ نظام بشار الأسد والمليشيات الإيرانية، باستثناء بعض البقع المليئة بالثغرات مع العراق تسرح وتمرح بها خلايا تنظيم الدولة.
واستطاع تنظيم الدولة منذ أن تمدد مطلع 2014 في سوريا، أن يجعل البادية موطنا لخلاياه، وتمركز فيها بشكل دائم عقب هزيمته على يد قوات النظام السوري أواخر عام 2017 وإخراجه من دير الزور والميادين والبوكمال.
ونجح تنظيم الدولة آنذاك في تقسيم البادية إلى قطاعات من أجل ضمان بقاء مجموعاته، التي زادت عقب إعلان الولايات المتحدة الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" القضاء على التنظيم بشكل نهائي بمحافظة دير الزور في مارس 2019.
وتقول الأمم المتحدة إن تنظيم الدولة يحافظ على وجود سري كبير في العراق وسوريا، ويشن تمردا مستمرا على جانبي الحدود بين البلدين مع امتداده على الأراضي التي كان يسيطر عليها سابقا.
وتضيف في تقرير نشر في فبراير/ شباط 2022، أن التنظيم ما زال يحتفظ بما مجموعه عشرة آلاف مقاتل نشط في هذين البلدين وحدهما.
وإلى الآن لم تنجح كل عمليات التمشيط التي يجريها نظام الأسد بدعم من مليشيات حليفتيه روسيا وإيران، في تقطيع أوصال البادية السورية ذات المنبع اللوجستي الكبير لتنظيم الدولة كونها ممتدة مع الحدود العراقية.
إذ تتكرر بين الفينة والأخرى هجمات تنظيم الدولة على أرتال وحافلات عسكرية تتبع لقوات النظام السوري على طريق ديرالزور دمشق الذي يشق البادية السورية.
وتأتي هجمات تنظيم الدولة الجديدة في وقت يشهد فيه شرق سوريا حالة تسخين من أطراف متعددة فاعلة عسكريا في الجغرافيا السورية.
وهي على شكل تحشيدات أميركية ومناورات روسية مع النظام السوري، مع إعادة انتشار وتموضع جديد للمليشيات الإيرانية في المنطقة.
خطة مدروسة
ولهذا ربط الخبير العسكري السوري العميد عبد الله الأسعد هجمات تنظيم الدولة في البادية السورية ضد قوات الأسد "بالعملية العسكرية المقبلة التي تلوح في الأفق بين التشكيلات العسكرية التابعة للولايات المتحدة ضد إيران".
وأضاف الأسعد لـ"الاستقلال"، أن "هجمات تنظيم الدولة تشكل ضربة لتحركات النظام السورية والمليشيا الإيرانية باتجاه المناطق في شمال شرق سوريا وتحديدا للمربعات الأمنية التي توجد فيها الحسكة وديرالزور".
ولفت الأسعد إلى أن مثل "هذه الهجمات تمثل استهدافا مباشرا لشحنات الأسلحة الإيرانية التي تصل لنظام الأسد عبر البادية السورية القادمة عبر الحدود العراقية".
ورأى الخبير العسكري، أن "دموية مثل هذه الهجمات تعطي دلالة على تقييد قوات النظام السوري في التحرك نحو الشرق السوري".
من جهته قرأ الخبير العسكري العميد أحمد رحال، هذا التسخين العسكري، بوجود "من يريد خلط الأوراق عبر تنفيذ عمليات على مبدأ الذئاب المنفردة' خاصة أن العملية الجديدة ضد حافلتين عسكريتين للنظام السوري جاءت في توقيت يعاني فيه تنظيم الدولة من التفكك".
وأضاف في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 12 أغسطس: "الاتهامات توجه نحو إيران التي لها علاقة بتنظيم الدولة من ناحية التوظيف والاستثمار والتشغيل، والتي تريد القول من خلال مثل هذه الهجمات إن هناك إرهابا في سوريا وإن أي عملية ضد المليشيات الإيرانية الموجودة شرق سوريا يعني تعطيل الحرب على الإرهاب".
واستدرك قائلا: "تنظيم الدولة له ارتباطات عدة من النظام السوري وحزب الله حينما نقل عناصر التنظيم من القلمون بريف دمشق إلى ديرالزور ومن مخيم اليرموك جنوب دمشق إلى وادي اليرموك غرب درعا".
وألمح رحال إلى "أن هناك من يريد القول للمواطنين السوريين في مناطق الأسد إنه لا داعي للصراخ بسبب الأزمة المعيشية فلا صوت يعلو فوق صوت البندقية وإن هناك حربا على الإرهاب ومن هنا جاءت خطوة تحريك تنظيم الدولة".
وذهب رحال للقول: "تشير المعطيات العسكرية إلى أن منطقة شرق سوريا على شفير اندلاع حرب وأن الاستعدادات الأميركية بالتعاون مع تركيا لإرسال الجيش السوري الوطني (بالشمال السوري) إلى منطقة التنف (جنوب غرب)".
وأوضح أن هذه الخطة تهدف "لتنفيذ الخطة الأميركية بإغلاق الكاريدور الإيراني ما بين التنف والبوكمال وقطع حركة إيران عبره ذهابا وإيابا سواء لنقل الأسلحة والمليشيات أم نقل المخدرات الإيرانية من وإلى العراق".
وبالتالي "فإن إعادة إحياء تنظيم الدولة هو للقول إن أي حرب هدفها تضييق القوى المحاربة للإرهاب وهي بروباغندا إعلامية تحاول طهران توظيفها، خاصة أن هناك تساؤلات كبيرة حول كيفية قدرة التنظيم على خرق كل الاحتياطات الأمنية والتحرك بكل سهولة والتسبب بمقتل العشرات من قوات الأسد"، وفق رحال.
شماعة جاهزة
ومنذ ظهور تنظيم الدولة في سوريا عام 2014، استخدم النظام السوري وحليفتاه إيران وروسيا هذا التنظيم كشماعة جاهزة لتعديل كفة السيطرة العسكرية على الأرض السورية.
فقد فشلت حملات مشتركة ومنفردة من قبل الأطراف الثلاثة لتمشيط البادية السورية من خلايا تنظيم الدولة المنتشرة هناك والقضاء عليهم.
لا بل أسفرت جميع الحملات عن خسائر بشرية بالعشرات بين قتيل وجريح وأسير من قوات النظام السوري، رغم الدعم والإسناد المباشر من الخبراء والضباط الروس.
وأمام هذه المعطيات، فإن مسألة القضاء على تنظيم الدولة في البادية السورية يتفق الجميع أنها تتطلب جهدا دوليا بعيدا عن حسابات الروس والإيرانيين ومصالحهم.
خاصة أن روسيا تحاول أن تخلق عملية توازن في محاربة تنظيم الدولة، إلى جانب الولايات المتحدة التي تدخل جيشها بسوريا في سبتمبر/ أيلول 2014، لتنفيذ ضربات جوية ضد التنظيم لمساندة قوات "ي ب ج" الكردية والتي تعد العمود الفقري لـ "قسد" التي تشكلت عام 2015.
وضمن هذه الجزئية يشير نوار شعبان الخبير في الشؤون العسكرية في مركز "عمران للدراسات الإستراتيجية" إلى أن "إعلام النظام السوري يستخدم هجمات تنظيم الدولة ضد قوات الأسد إعلاميا وسياسيا".
وأضاف لـ"الاستقلال": "هذا الأمر يعني أن هناك إشارة بأن خلايا التنظيم ما تزال موجودة وهناك ضرورة من التدخل الدولي الروسي والإيراني المختلف للحد من هذا الانتشار".
وتابع شعبان: "وهذا قد يكون سببا من الأسباب التي يوضح فيها نظام الأسد بأنه بحاجة لوجود قوات موالية لإيران بسبب النقص في قواته وبالتالي يحتاج إلى دعم خارجي للقضاء على تنظيم الدولة الذي تتكرر فيه هجماته".