شروط مسبقة.. هل من مؤشرات على إعادة المغرب العلاقات مع النظام السوري؟

بحذر وترقب، تقلب المملكة المغربية الملفات التي تشكل حجزة عثرة أمام إعادة العلاقات المقطوعة مع النظام السوري منذ عام 2012، حينما تبادلا طرد السفراء بعد مبادرة الرباط بهذه الخطوة؛ ردا على قمع المدنيين في سوريا خلال ثورة شعبية اندلعت قبل ذلك بعام.
لكن حضور رأس النظام بشار الأسد للقمة العربية بمدينة جدة في 19 مايو/أيار 2023، وإعلان السعودية استئناف عمل بعثتها الدبلوماسية بدمشق في العاشر من الشهر ذاته، وجعل الباب مواربا أمام المغرب للإقدام على خطوة مشابهة.
يأتي ذلك خاصة عقب إعادة النظام السوري لشغل مقعد دمشق في الجامعة العربية، بقرار من وزراء الخارجية العرب في 7 مايو/أيار 2023، بعد طرده منها عام 2011 لقمعه الثورة الشعبية بالحديد والنار.
سحب الاعتراف
ونقل موقع "فاس نيوز" المغربي عن مصادر متفرقة قولها: "ينتظر أن تعلن سوريا عن قرارها سحب اعترافها بجبهة البوليساريو وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع المغرب".
وأضاف الموقع في تقرير له نشره مطلع يوليو/تموز 2023، بأن "الجميع يترقب الإعلان الرسمي لهذا القرار المهم والمؤثر على العلاقات بين البلدين".
وشدد على أن "هذه الخطوة تعد إشارة إيجابية من سوريا تجاه الوحدة الترابية للمملكة المغربية، لتعزيز الاستقرار والسلام في منطقة الصحراء المغربية".
ولفت الموقع إلى أنه "سيكون لهذا القرار تأثير كبير على المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة، ويعكس إرادة الحكومة السورية في تطوير العلاقات الثنائية مع المغرب".
ومنذ عام 1975، يدور نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر حول إقليم الصحراء الغربية، وهي مستعمرة إسبانية سابقة تصنفها الأمم المتحدة بين "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي".
ويقترح المغرب خطة حكم ذاتي تحت سيادته، بينما تدعو جبهة البوليساريو إلى استفتاء لتقرير المصير وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم المتنازع عليه.
وتحول الصراع إلى مواجهة مسلحة استمرت حتى 1991، وتوقفت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار قبل اندلاع التوترات من جديد.
وتأسست "البوليساريو" (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) في 20 مايو/أيار 1973 وأعلنت في 27 من فبراير/شباط 1976 قيام "الجمهورية العربية الصحراوية" وشكلت أول حكومة صحراوية.
وتوجد مكاتب عائدة للبوليساريو في دمشق، وحينما تولى بشار الأسد السلطة وراثة عن أبيه حافظ عقب وفاته عام 2000، قام بإغلاق عدد من المكاتب في إطار تصحيح العلاقة مع المغرب بعد زيارة قام بها الأسد للرباط في 13 أبريل/ نيسان 2001.
وحينما تفجرت الثورة السورية في مارس/آذار 2011، لم تخرج المغرب عن الإجماع العربي حول طرد النظام السوري من الجامعة العربية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام المذكور، حتى إن الرباط عبرت عن رفضها للقمع والقتل الحاصل من قبل النظام تجاه السوريين.
وطلب المغرب في 16 يوليو/تموز 2012، عبر بيان لوزارة الخارجية، من السفير السوري المعتمد لديه آنذاك، نبيه إسماعيل، مغادرة المملكة بـ"بصفته شخصا غير مرغوب فيه".
وأكد البيان وقتها أن الوضع في سوريا "لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه"، وعللت الخارجية المغربية هذه الخطوة "بفشل الجهود" التي بذلتها لتسوية الأزمة السورية، رغم أن "المملكة انخرطت بجدية وديناميكية في جميع القرارات والمبادرات العربية والدولية".
وأضاف البيان "في الأيام الأخيرة ازدادت المجازر المروعة التي أوقعت المئات من الضحايا المدنيين العزل، ومنهم عشرات الأطفال الأبرياء".
ولم يتأخر رد النظام السوري كثيرا، حيث أعلنت حينذاك خارجيته أن السفير المغربي "شخص غير مرغوب فيه وذلك عملا بمبدأ المعاملة بالمثل".
ومن ذلك الحين، كان المغرب تابثا في مواقفه من النظام السوري، ويربط إعادة علاقاته معه بالتوافق العربي وبقبوله للحل السياسي طبقا للقرارات الأممية ذات الصلة.
وأجاب وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي، ناصر بوريطة خلال استضافته في برنامج "بلا حدود" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية بتاريخ 24 يناير/كانون الأول 2019 عن شروط إعادة العلاقات المغربية السورية.
وأوضح بوريطة حينها، أن المغرب "ليس في حكم إعادة العلاقات مع سوريا ليعيدها، أو في منطق إعادة فتح السفارة في دمشق"، لافتا إلى أن "هناك تغييرات على أرض الواقع يجب أخذها في الحسبان، والحاجة إلى دور عربي يجب أخذه في الحسبان كذلك".
وشدد بوريطة حينها على "ضرورة وجود تنسيق عربي قبل اتخاذ أي قرار وربط ذلك بكيف سيساعد على حلحلة المسار السياسي في سوريا"، على حد قوله.
وبما أن إيران وحزب الله اللبناني هم حلفاء نظام الأسد في حربه على السوريين، فقد أكد بوريطة في المقابلة ذاتها، أن التوتر مع إيران انطلق بـ"الدعم الإعلامي من خلال حزب الله ودعوته أفرادا من البوليساريو إلى اجتماعاته بلبنان، وبعد إلقاء المغرب القبض على شخص مهم في تنظيم حزب الله وتسليمه إلى الولايات المتحدة".
وتابع: "ثم المرور إلى مرحلة أخرى عبر تقديم دعم لوجيستيكي، قبل أن يصلوا إلى تدريبات عسكرية وزيارات أطر أمنية لحزب الله بتنسيق مع سفارة إيران بالجزائر، وذلك بمواعيد وأسماء وتواريخ وأماكن".
وفي مايو 2018، أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران بسبب دعمها لجبهة البوليساريو وتزويدها بالأسلحة.
وصرح وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، ناصر بوريطة، في ذلك الوقت، خلال مؤتمر صحفي، بأن الرباط ستغلق سفارة إيران وتطرد سفيرها، واتهم حزب الله اللبناني بتوريد الأسلحة للبوليساريو.
إشارات إيجابية
وأمام التحولات الجيوإستراتيجية الجديدة في المنطقة العربية، فإن الرباط تبني علاقتها في الوقت الراهن على أساس مواقف الدول من قضية الصحراء وهذا ما ينطبق على النظام السوري.
وبما أن قضية المغرب الأولى، هي الصحراء، فقد يشكل سحب النظام السوري اعترافه بجبهة البوليساريو المدخل العريض لإعادة العلاقات الثنائية مع المغرب، وفق مراقبين.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في ملف الصحراء المغربية، نوفل البعمري، أن "علاقة المغرب بالدولة السورية كانت من الناحية الدبلوماسية تتجه نحو بناء شراكة قوية يلعب فيها البلدان معا أدوارهما في المنطقة العربية خاصة الشرق الأوسط".
وأضاف البعمري لـ"الاستقلال" أن "ما عاشته سوريا من اضطرابات أدى إلى تباين في المواقف، خاصة تلك التي عبر عنها المغرب تجاه الاحتجاجات وكانت مطالبة بالتغيير دون أن يصل الأمر لأن يحدد شكل التغيير الذي يمكن أن يحدث بسوريا، ودون أن ينخرط في دعم سياسي أو دبلوماسي للمعارضة مع ثبات المغرب على موقفه من وحدة الأراضي السورية".
ومضى يقول: "هذه المواقف خاصة ما جرى التعبير عنه تجاه الوضع العام الذي كانت تعيشه سوريا أدى إلى قطيعة بين البلدين وإعلان سوريا مواقف للأسف داعمة للانفصال، رغم أن المغرب ظل ثابتا أي موقفه المتبني لوحدة سوريا ورفض أي مشاريع تقسيمها".
وحول مؤشرات طي صفحة الماضي بين النظام والمغرب، يقول البعمري إن "اللحظة الحالية التي تعيشها سوريا خاصة بعد أن اجتازت أزمتها السياسية ورغبة الدول العربية في عودة دمشق للحضن العربي سواء على مستوى الجامعة العربية أم على المستوى الثنائي بحيث رأينا تحركات سورية لدى العديد من الدول العربية قد يؤدي إلى حلحلة الموقف".
وأردف قائلا: "خاصة أنه على الصعيد الرسمي بالمغرب لم يتحفظ على قرار عودة سوريا لشغل مقعدها بالجامعة العربية، بحيث كان إيجابيا دون أن يتخلى عن خطابه المتعلق بالديموقراطية مما يعني أنه قد قدم إشارات إيجابية لسوريا".
واستطرد: "هذه الإشارات على النظام السوري أن يلتقطها ويعمل على تغيير موقفه من السيادة المغربية على كامل ترابه، خاصة أن أي مساس بالصحراء المغربية فهو فيه مس بالشعور الوطني العام لدى عموم المغاربة مراعاة لكون قضية الصحراء المغربية بالنسبة للمغرب هي قضية شعب ودولة".
وراح البعمري يقول: "ما على الدولة السورية أن تستوعبه، هو أن تعي أن أي مواقف معادية للموقف المغربي من وحدة أراضيه أو دعم الحركة الانفصالية المليشياتية البوليساريو فيه استعداء مباشر الشعب المغربي".
وذهب البعمري للقول: "المغرب ينتظر من سوريا أن تعيد قراءة موقفها غير المبرر من البوليساريو".
فإذا كان النظام السوري يقول إنه ظل يحارب التنظيمات الإرهابية بسوريا بالنسبة للمغرب لا يوجد فرق بين (تنظيم الدولة) والبوليساريو فكلاهما تنظيم مسلح مليشياتي غير معترف به ولا يمكن تشجيع تنظيم مثل البوليساريو بدعم سياسي من النظام السوري لأنه يعد دعما لتنظيم مسلح ضد المغرب".
تفكيك المحور
كما برز مؤشر آخر يرطب الأجواء بين المغرب ونظام الأسد، حينما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية يونيو/حزيران 2023، مشروع قرار لإنشاء مؤسسة للكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرا في سوريا، صوتت 83 دولة لصالح قرار إنشاء المؤسسة المستقلة و11 دولة صوتت ضده وامتنعت 62 دولة عن التصويت.
وصوتت قطر والكويت لصالح القرار، في حين امتنعت المغرب إلى جانب السعودية والإمارات والبحرين وعمان ومصر والأردن ولبنان وتونس واليمن عن ذلك.
وأمام ذلك، فإن حدوث تقارب جديد بين المغرب ونظام الأسد، سيشكل اختراقا كبيرا للرباط، ولا سيما أنه سيؤثر على علاقة النظام مع إيران وحزب الله الذين تتهمهما المغرب بدعم البوليساريو بحيث يجرى "تفكيك هذا المحور المتحد حول صحراء المغرب".
ويشير الباحث والمحلل السياسي المغربي، محمد شقير، إلى أن "علاقات التحالف التي تجمع بين إيران وسوريا والجزائر جعلت النظام السوري يتخذ موقفا معاديا من القضية الوطنية (الصحراء)؛ مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين".
ولفت شقير لـ"الاستقلال" إلى أن "العلاقات الإستراتيجية مع السعودية دفعت المملكة إلى رفع تحفظها على عودة سوريا كعضو بالجامعة شرط ألا تتدخل في الشؤون الداخلية في إشارة إلى المس بالقضية الوطنية".
وشدد على أنه "إلى الآن ليست هناك مؤشرات تدل على استئناف العلاقات مع سوريا، إلا إذا اتخذ النظام السوري موقفا محايدا إزاء مغربية الصحراء، والتخلي عن موقفه المساند للموقف الجزائري فيما يتعلق بهذا الشأن".