إسرائيل تعيش "صراع هويات".. ما أسبابه وتأثيره على مجتمع المحتلين؟

قسم الترجمة | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

بعد نحو 75 عاما من إعلان تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، يشهد مجتمع المحتلين انقسامات داخلية وصراعات هوياتية غير مسبوقة.

وهي الحالة التي وصفتها صحيفة "ماكور ريشون" العبرية بأنها "فترة مراهقة" يمر بها المجتمع الإسرائيلي، حيث يعيش حالة اضطراب حول هويته الذاتية.

صراع الهويات

وبهذا الشأن، يتناول تقرير نشرته الصحيفة الجدل الهوياتي الواسع الذي يمزق المجتمع الإسرائيلي حاليا، متسائلا عن التوزيع الأمثل للسلطات الحاكمة، وكيفية الفصل بينها حال الخلاف.

كما ناقش الإشكالية البارزة المتمثلة في الخلاف الهوياتي بين "الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة"، وكذلك أوضح موضعة الائتلاف الحاكم الحالي في هذا الخلاف.

وترى الصحيفة أن الجدل الحالي الذي يمزق المجتمع الإسرائيلي بشأن الإصلاح القانوني يدور حول سؤال محدد: "ما هو التوزيع الصحيح للسلطات بين هياكل الدولة، الكنيست (البرلمان) والحكومة مقابل القضاء؟".

وخلال الأسابيع الماضية، دفعت حكومة بنيامين نتنياهو بعدة تشريعات، تشمل 4 بنود، تقول المعارضة إنها ستؤدي في نهاية الأمر إلى تركيز السلطة القضائية في يد السلطة التنفيذية، التي تسيطر بدورها أيضا على السلطة التشريعية بحكم الأغلبية البرلمانية.

والبنود الأربعة هي: الحد من المراجعة القضائية لتشريعات الكنيست، وسيطرة الحكومة على تعيينات القضاة، وإلغاء تدخل المحكمة العليا في الأوامر التنفيذية (فقرة التغلب)، وتحويل المستشارين القانونيين بالوزارات إلى معينين سياسيين. لكن جرى توقيف المخطط لاحقا بفعل احتجاجات عارمة على التحكم بالقضاء.

وفي هذا السياق، توضح صحيفة "ماكور ريشون" العبرية أنه خلف الستار يكمن الخلاف الأعمق حول إشكالية التوازن الصحيح بين الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة. 

وحسب الصحيفة، أوضحت التجربة أن الكنيست يعطي وزنا أكبر للمكون اليهودي لهوية الدولة، في جوانب الدين والقومية.

وأتبعت: "في المقابل،  تؤكد المحكمة على المكون الديمقراطي في جوانب حقوق الإنسان وحماية الأقليات". 

وحول موقف الائتلاف الحاكم الحالي برئاسة بنيامين نتنياهو من هذا الصراع، توضح الصحيفة: "يسعى لتعزيز مكانة الكنيست على حساب المحكمة، رغبة منه في تعزيز الهوية اليهودية".

واستدركت: "بينما في المقابل، تسعى المعارضة جاهدة لحماية استقلالية المحكمة باعتبارها حامي الديمقراطية".

وعن جهود التفاوض والتسوية التي يتبناها حاليا رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، تشكك الصحيفة في احتمالية نجاحها.

وأوضحت أنه حتى بافتراض نجاحها، فإن "الخلاف العميق بشأن هوية الدولة سيستمر على مدار السنوات القادمة".

وأردفت: "فحتى الآن، تعطي التيارات الأيديولوجية والمعسكرات السياسية المختلفة إجابات متناقضة أمام تحدي الهوية الإسرائيلية". 

وهذا هو المحرك الذي يشعل بقوة متزايدة "الحرب الثقافية" في المجتمع الإسرائيلي، من وجهة نظر "ماكور ريشون".

ولأن حسم هذا الجدل مهم جدا من الناحية السياسية والوجودية، دفع معهد "سياسة الشعب اليهودي" 75 شخصا من أفضل المفكرين في إسرائيل إلى إيجاد إجابة على سؤال "ما هي الدولة اليهودية؟".

ولفتت الصحيفة إلى أن هذه الجهود تمخض عنها كتاب "75 وجها للدولة اليهودية"، والذي ترى أنه يقدم صورة مختلفة لجوهرها ورؤيتها وسلوكها والتحديات التي تواجهها. 

أبرز التحديات

بحسب الكتاب، فإن التعامل بشكل عام مع تحديات مسألة هوية الدولة اليهودية يتطلب فهم ثلاثة أنواع من الصعوبات، مفاهيمية وثقافية وعملية.

من الناحية المفاهيمية، يرى الكتاب أن "الدولة الديمقراطية" تعبر عن "رؤية راديكالية إلى حد ما في العصر الحديث".

وبالتالي فإن الطريقة التي تعمل بها هي محور اهتمام التجربة الإنسانية في الأجيال الأخيرة، مما يجعل "الدولة اليهودية" ظاهرة شابة فريدة من نوعها، وفقا للكتاب.

وتبين الصحيفة أن "الذاكرة اليهودية أُفرغت من التجربة السياسية، وبالتالي لا توجد خبرة بشرية متراكمة في إدارة السيادة اليهودية على مستوى القيم وعلى المستوى المؤسسي". 

وأوضحت أن هذا الغياب خلق صعوبة مفاهيمية تظهر في عدم استيعاب المعنى الذي ينسب إسرائيل إلى كونها "دولة يهودية".

لكن من ناحية أخرى، تلفت الصحيفة إلى تحد مفاهيمي آخر، ناشئ عن محاولة الجمع بين مركزي الهوية، "اليهودية" و"الديمقراطية". 

ففي الفضاء العام في إسرائيل، يُعرف كلا الجانبين بتعريفات وتفسيرات مختلفة، حيث يعطي كل منها وزنا مختلفا لكل مكون. 

وفي هذا السياق، يوضح الكتاب ميزة اختلاف التفسيرات والتعريفات قائلا: "يمكننا أن ننظر إلى كل جزء من أجزاء التعريف ثنائي الرأس على أنه جوهر مفاهيمي مفتوح، يترك لنا وللأجيال القادمة خيارات متنوعة فيما يتعلق بالدمج المحتمل بين الاثنين"، في إشارة منه للـ"اليهودية" و"الديمقراطية".

أما الصعوبة الثانية التي أبرزها الكتاب، فتدور حول التحديات الثقافية التي يواجهها المجتمع الإسرائيلي.

وبهذا الشأن، تبرز الصحيفة العبرية الاختلافات الثقافية التي تشكل المجتمع اليهودي في إسرائيل.

وأوضحت: "توجد مجموعة من الهويات الرئيسة، ما بين علمانية ودينية وأرثوذكسية متشددة، وكلها تدور بين الثقافة الغربية الليبرالية ونظيرتها اليهودية التقليدية". 

بشكل عام، يتعلق الخلاف الثقافي بمسألة "ما إذا كان من الممكن وإلى أي مدى سينشط شيء من الذاكرة حول معنى الوجود اليهودي في الفضاء العام الإسرائيلي على مدى الأجيال القادمة".

وهنا تتساءل "ماكور ريشون": "هل كل الصعوبات الثقافية، أو على الأقل جزء منها، يعود إلى سعي الدولة الإسرائيلية في الانتماء إلى العالم الخارجي، الذي يحمل في قلبه الثقافة الغربية؟".

وأخيرا، تنتقل الصحيفة العبرية إلى الصعوبة الثالثة، وهي التحديات العملية. وبهذا الشأن، يوضح الكتاب أنه لطالما كان يُنظر إلى "اليهودية" على أنها تسمية أطلقت على كل من الشعب (المعيار الديموغرافي)، والجنسية (المعيار القومي)، والدين (المعيار الديني).

ويؤكد الكتاب أن "الوجود الجسدي والروحي والعقلي للحضارة اليهودية يتجسد ويتغذى دائما من هذا المصدر الثلاثي".

وأكمل: "لكن اليوم، بسبب العلمنة وتأسيس دولة إسرائيل، فُصلت حزمة الهوية الثلاثية عن بعضها البعض".

وأضاف: "فضلا عن اعتقاد البعض أن هذا الفصل مهم ومطلوب من أجل مصلحة الدولة والدين، بينما يعتقد البعض الآخر أنه سيشكل ضررا مميتا على الهوية اليهودية للدولة". 

في الختام، تلفت الصحيفة العبرية كذلك إلى التوترات التي تثيرها الأسئلة المتعلقة بهوية الدولة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية، حيث تؤمن الأخيرة أن "إبراز الهوية اليهودية للدولة يأتي على حسابها".

وبالعودة إلى شوارع الدولة العاصفة الآن، تقول "ماكور ريشون" إنه "في سن الخامسة والسبعين، لا يزال المجتمع الإسرائيلي يمر بسنوات المراهقة، حيث الهوية الذاتية موضع نزاع، والحدة العاطفية المحيطة بها عالية بشكل واضح".