رغم دعمها العري والشذوذ.. لماذا تحارب فرنسا الحجاب ولا تراه حرية شخصية؟
.jpg)
عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، يتوقف شعار "الحرية واحترام الحقوق الفردية" الذي تشهره فرنسا أمام العالم، في سلوك يفضح "قيم العلمانية" و"مبادئ الجمهورية".
وفي هذا السياق، أكدت صحيفة التايمز البريطانية، في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2022، أن وزير التعليم الفرنسي باب ندياي، ندد بما وصفها بـ "موجة" جديدة من التلاميذ يرتدون ملابس إسلامية.
ووفق المصدر ذاته، وعد باب ندياي باتخاذ إجراءات صارمة ضد الناشطين الإسلاميين على وسائل التواصل الاجتماعي، مدعيا أنهم يشجعون الفتيات المراهقات من مجتمعات المهاجرين على الاستهزاء بالعلمانية الفرنسية من خلال دعوتهم إلى ارتداء الحجاب.
تزامنا مع هذا التصريح، قالت محكمة العدل الأوروبية، في قرار صدر في 13 أكتوبر 2022، إنه بإمكان الشركات في التكتل الأوروبي حظر الحجاب ما دام أنه حظر عام لا يميز بين الموظفين.
تمييز وعنصرية
ووفق ما نقلت وكالة "يورونيوز" الأوروبية في 13 أكتوبر 2022، فقد جاء القرار إثر قضية رفعتها امرأة مسلمة قيل لها إنها لا تستطيع ارتداء الحجاب حين تقدمت بطلب للحصول على تدريب على العمل لمدة ستة أسابيع في شركة بلجيكية.
وبحسب المصدر ذاته، قالت الشركة إنها تتبع قاعدة حيادية لا تسمح في مقرها بوضع غطاء للرأس سواء كان قبعة أو طاقية أو وشاحا.
وتقدمت المرأة بشكواها إلى محكمة بلجيكية التمست بدورها المشورة من محكمة العدل للاتحاد الأوروبي.
وقالت المحكمة العليا، ومقرها لوكسمبورج، إنه لا يوجد أي تمييز مباشر في مثل هذا الحظر.
وجاء في قرار القضاة أن "القاعدة الداخلية، لأي نشاط اقتصادي، التي تحظر ارتداء العلامات الدينية أو الفلسفية أو الروحية التي يمكن رؤيتها لا تشكل تمييزا مباشرا إذا جرى تطبيقها على جميع العاملين بطريقة عامة وغير تمييزية".
وكانت المحكمة قد قالت في العام 2021 إن شركات الاتحاد الأوروبي بوسعها منع الموظفين من وضع غطاء للرأس في ظل ظروف معينة، إذا كان يتعين عليها تقديم صورة حيادية للعملاء.
وفي ألمانيا، أثار حظر غطاء الرأس للنساء في العمل الجدل لسنوات، وتتعلق معظم القضايا بمعلمات طمحن للعمل في المدارس الحكومية ونساء يتدربن ليصعدن في سلك القضاء.
وفي تحليله لما يقع، قال التجاني بولعوالي، المحاضر والباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الإسلام في الغرب، إن الجدل السياسي والقانوني حول الحجاب الإسلامي ليس جديدا ولا وليد اليوم.
وأضاف بولعوالي في حديث لـ "الاستقلال"، ما زلنا نتذكر قرار الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في ديسمبر/كانون الأول 2003، الذي أعلنه في قصر الإليزيه، والقاضي بحظر حمل وارتداء الرموز الدينية داخل المؤسسات التعليمية.
وأوضح أن هذه الرموز تتمثل في الحجاب الإسلامي، والقبعة اليهودية، والصليب المسيحي، والعمامة السيخية، وذلك بهدف حماية النهج العلماني الذي اتبعته الجمهورية الفرنسية منذ عشرينيات القرن الماضي.
وتابع الباحث الأكاديمي: "الغريب في ذلك القرار أنه وضع كل هذه الرموز في سلة واحدة دون أي تمييز بين لباس المرأة المسلمة الذي يغطي سائر الجسد، ولا يشكل غطاء الرأس إلا جزءا منه، وهو ضرورة شرعية ومطلب ديني".
بينما الرموز الدينية الأخرى ذات طابع تكميلي وتحسيني، ولا تختلف كثيرا عن السبحة أو القبعة التي يرتديها المسلمون، وفق قوله.
واسترسل بولعوالي متسائلا: "تُرى كيف يمكن تفسير هذا التعارض الذي تسقط فيه العلمانية الفرنسية والغربية؟ هل بجهل حقيقة الحجاب الإسلامي أم بتوظيفها الأيديولوجي لهذا العنصر في توجهها الرافض للحضور الإسلامي في الغرب؟".
ليجيب بالقول: "لا يمكن استيعاب أغلب المواقف السياسية والإجراءات القانونية التي تتخذ ضد الحجاب الإسلامي في انفصال عن الرؤية المعطوبة التي جاء بها قانون ديسمبر 2003 لحظر الحجاب".
وآخرها قرار المحكمة الأوروبية للعدل في 13 أكتوبر 2022 باعتبار منع ارتداء الحجاب في العمل ليس تمييزا ضد المرأة.
من جهته، قال الباحث في الفكر المعاصر إدريس الكنبوري، إن فرنسا اليوم تحارب الأقليات وتستهدف حقوقهم ولا تعترف بها.
وأضاف الكنبوري في تدوينة نشرها بحسابه على فيسبوك، 16 أكتوبر 2022 إنه "ليست هناك مشكلة في فرنسا وأوروبا الليبرالية في القبول بالتطرف المسيحي واليميني والاعتراف به".
وتحدث عن تصريحات عنصرية أدلى بها المرشح الرئاسي السابق إريك زمور، والذي أسس حزبا بحمولة تاريخية ودينية خطيرة أسماه "حزب استرداد reconquête".
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن زمور أطلق حملة من أجل ما سماه "استعادة مدارس فرنسا من الإسلام"، ومحاربة الرموز الإسلامية.
Les Français se mobilisent contre l’offensive islamique à l’école.
— Eric Zemmour (@ZemmourEric) October 15, 2022
Vous aussi, rejoignez notre rassemblement à Paris !#SamuelPaty #ReconqueteDeNosEcoles pic.twitter.com/pEQfmUvJ8j
وأوضح الكنبوري أن هذه الحملة تأتي بعد أقل من أسبوع على صدور قرار محكمة العدل الأوروبية بمنع الحجاب، مشيرا إلى أن زمور يريد استغلال القرار لشن حملة ضد مسلمي فرنسا.
وشدد أن ما يقع تناقض غريب في الليبرالية التي رفعت شعارات التسامح والتعايش وحقوق الإنسان وحرية المعتقد، ومع ذلك يسمح القانون بأحزاب متطرفة تعادي كل هذه الشعارات، ويتيح لها الوصول إلى البرلمان والسلطة.
واستمرارا في مسلسل التضييق على المحجبات وحقوق المسلمين في فرنسا، تعرضت طالبة محجبة في مدرسة للتعليم الثانوي لاعتداء، في 13 أكتوبر 2022، بعد أن وجدت حجابها في سلة المهملات ومصحفها ممزقا.
وذكرت "الجزيرة نت" في 17 أكتوبر 2022، أن الاعتداء طال إحدى طالبات ثانوية "جون روستاند" في كاين شمال غرب فرنسا، موضحة أن الحادث "أصاب الطالبة بصدمة كبيرة".
استبداد غربي
هذه الاعتداءات والتضييق والتمييز في حق المسلمات غير جديد في فرنسا، بل سبق وأكدته تقارير أممية وحقوقية دولية.
ومن ذلك، تأكيد لجنة تابعة للأمم المتحدة بأن فرنسا مارست التمييز ضد امرأة مسلمة مُنعت من الحضور بالحجاب في تدريب مهني بمدرسة عامة، بحسب وثيقة للأمم المتحدة.
ووفق ما نشرت "يورونيوز" في 4 أغسطس/آب 2022، فإن أصل القضية يعود إلى سنة 2010.
وكان من المقرر أن تتدرب السيدة نعيمة مزهود (45 عاما)، في مهمة مساعدة إدارية في دورة أقيمت بمدرسة ثانوية حكومية، يحظر القانون على الفتيات فيها ارتداء الحجاب.
وذكرت الوثيقة أن مدير المدرسة الواقعة في الضواحي الشمالية لباريس منعها عند وصولها من الدخول.
وقبل ذلك بست سنوات، في عام 2004، حظرت فرنسا ارتداء الحجاب وغيره من الفروض الدينية المرئية في المدارس الحكومية. وقالت مزهود إنها بكونها طالبة في التعليم العالي، لم يكن ينطبق عليها القانون.
وقررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بحسب الوثيقة، أن "اللجنة خلصت إلى أن رفض السماح للسيدة مزهود بالمشاركة في التدريب وهي ترتدي الحجاب يشكل تمييزا على أساس الجنس والدين".
وبحسب المصدر ذاته، قال نيكولاس هيرفيو، خبير قوانين الحريات من معهد باريس للدراسات السياسية، إنه وفقا للسوابق القانونية، من غير المرجح أن تمتثل فرنسا لقرار اللجنة.
انتقد بولعوالي في تصريحه لـ "الاستقلال" التناقض الذي يقع فيه الغرب بخصوص الحجاب، بين دعوته للحرية الفردية من جهة، والتضييق على المسلمات في حقهن الشخصي في ارتدائه.
وأكد الباحث الأكاديمي أنه لا يمكن مناقشة الحرب الشعواء التي تمارس على الحجاب الإسلامي خارج إطار العلمانية التي تدعي الفصل بين الدين والدولة.
غير أنها في الواقع تتدخل في الشؤون الدينية، لا سيما للشريحة المسلمة باسم التعددية الفاعلة والحرية والديمقراطية.
واستدرك: "هذه العلمانية بدل الحرص على التعددية الفاعلة، تشطر مكونات المجتمع جراء سياسة الاستقطاب وصناعة الأقطاب المتنافرة، وبدل الحرية تسلب المرأة المسلمة حقوقها الشخصية والدينية، وبدل الديمقراطية تبرر استبدادها تذرعا بحماية قيم الحداثة الغربية".
وشدد الباحث الأكاديمي أنه تستوي في هذه الممارسات الإقصائية أغلب التيارات الليبرالية واليمينية المتطرفة، وقلما نسمع صوتا سياسيا يتيما ينادي باحترام حجاب المرأة المسلمة.
وأوضح بولعوالي أنه عندما ننظر إلى تصريحات مختلف السياسيين تجاه الحجاب الإسلامي نجد أنها تتمسك برمزيته الدينية دون أي التفات إلى ما هو إنساني وثقافي وإثنوغرافي.
وأردف: "ما أكثر النساء اللواتي يرتدين ما يشبه الحجاب لكن لسن مسلمات في الأصل، وإن كن مسلمات فليس العامل الديني هو الوحيد الذي يملي عليهن دوما ارتداء الحجاب، بل هناك عوامل متنوعة، منها ما هو ثقافي، وما هو سوسيولوجي، وما هو عرفي، وغير ذلك".
وهذا يعني، بحسب بولعوالي، أن هؤلاء يجهلون وظيفة الحجاب الإسلامي التي تتجاوز ما هو رمزي وشكلي إلى ما هو ديني وتعبدي، وأحيانا ثقافي وعرفي.