مساعي سلطات المغرب لمراقبة "العمل الخيري".. محاولة للضبط أم الخنق؟
.jpg)
جدل واسع وانتقاد متواصل في المغرب على خلفية مشروع قانون يتعلق بتنظيم عملية "جمع التبرعات من العموم" وتوسيع المساعدات لأغراض خيرية، أثار مخاوف الجمعيات المدنية من التضييق على أنشطتها التطوعية.
ورأى جامعيون وناشطون وبرلمانيون أن مشروع القانون رقم "18.18"، محاولة لـ"خنق" المجتمع و"التشديد" على العمل الخيري في المغرب.
وتطالب جمعيات غير حكومية بعدم المصادقة على المشروع المذكور في البرلمان، لأنه سيضعها تحت توجيهات وزارة الداخلية، فيما ترى السلطات المعنية أن مشروع القانون هو تنظيم للعمل الخيري وحد من عمليات الاحتيال.
إبادة الإرث
وفي 10 مايو/أيار 2022، صادق مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) بالإجماع على مشروع القانون المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات، لتتم إحالته على مجلس النواب (الغرفة الأولى)، الذي بدأ مناقشته في 7 يونيو/حزيران 2022.
ويحال مشروع القانون عقب مصادقة الحكومة عليه إلى غرفتي البرلمان (النواب والمستشارين) للتصويت، وفي حال التصديق، ينشر في الجريدة الرسمية ليدخل حيز التنفيذ.
ونص مشروع القانون الجديد على إعطاء الصلاحية لـ"الإدارات" الرسمية بصفة عامة، وللسلطة الإدارية المحلية بصفة خاصة؛ لتتبع ومراقبة جميع مراحل جمع التبرعات من العموم وعمليات توزيع المساعدات.
كما ألزم الجهة المنظمة لهذا النوع من العمليات، بموافاة الإدارة (السلطة المحلية) بتقرير مفصل حول سير عملية جمع التبرعات، وكذا بجميع الوثائق والمعلومات التي تثبت تخصيص مجموع الأموال المتبرع بها للأغراض المعلن عنها.
وفي تعليق على هذا الإجراء، شدد الأستاذ الجامعي، صالح النشاط، على أن "من اطلع على مشروع قانون تنظيم عملية التبرع سيخرج بخلاصة تؤكد أن الدولة أرادت التضييق على العمل الخيري في المجتمع".
وعبر فيديو نشره في قناته على منصة "اليوتيوب"، تساءل النشاط: "هل هذا القانون هو لغلق باب التطوع أم لخنق المجتمع".
وقال النشاط: "نحن مع ضبط وتقنين باب الإحسان العمومي حتى لا يترك الباب مشرعا، ولكن ليس بالشكل الذي يضيق على المجتمع".
وتابع: "كلنا مع التقنين ومع الضبط، لكن أن يصبح موضوع جمع التبرعات وتوزيع المساعدات على المحتاجين وذوي الهشاشة الاجتماعية بالمغرب، هاجسا لدى الدولة وتقننه أكثر من اللازم فهذا غير مقبول".
ولفت النشاط، إلى أن "المتصفح لما وراء سطور مشروع هذا القانون، سيجد أن المجتمع اليوم بجمعياته المدنية سيصبح أداة في يد الدولة تفعل به ما تشاء، وهذا إشكال".
وقال إن "من سيخوض اليوم في العمل الخيري سيجد أمامه جبلا من الوثائق المعرقلة وغير العملية"، مبينا أنه "بهذا التقنين المبالغ فيه سنقتل سجية المغاربة في التطوع، وسنبيد هذا الإرث المثبت في حضارتنا المغربية".
وأشار النشاط، إلى أن "مشروع هذا القانون يأتي في سياق حادث جماعة سيدي بولعلام بإقليم الصويرة وسط غرب البلاد (حيث أدى إلى مصرع 15 من النساء المعوزات بسبب التدافع في محاولة منهن لتلقي مساعدات غذائية من قبل جمعية مدنية محلية في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017)".
تقييد الحريات
البرلماني السابق أحمد صدقي، رأى أن "استغلال الإحسان العمومي من قبل البعض، يجب ألا يكون مدعاة لغلق باب التبرع على الجميع، بما فيها الجمعيات المدنية التي تقدم أعمالا نبيلة للمجتمع".
وأوضح صدقي، في فيديو توضيحي على "اليوتوب"، أنه "مع الضبط والتنظيم، ولكن أيضا مع التيسير، وألا يكون التشديد والتعسير والتقييد إلى درجة أن يتم الإجهاز على روح التطوع ببلادنا"، مشددا على أن "تقييد حريات المجتمع المدني ليس في صالح البلاد".
واستغرب صدقي، من "فرض مشروع القانون للترخيص المسبق على الجمعيات لإمكانية فتح دعوة لجمع التبرعات"، مبينا أن "منطق الترخيص سيفقد العمل المدني معناه".
وأوضح أن "العمل المدني بالمغرب أسس على أن يكون نظاما تصريحيا وليس نظاما ترخيصيا، لأن ماهية وفلسفة وكينونة المجتمع المدني مؤسسة على الاستقلالية في مقابل المجتمع الرسمي".
ويرى صدقي، أن "طلب الترخيص يخدش منطق وفلسفة المجتمع المدني، لأن الأصل هو أن الجمعية تصرح بالقيام بعمل ما، وعلى السلطة أن تتلقى التصريحات وتراقب حسب الاختصاصات والقوانين".
ومطلع يونيو/حزيران 2022، طالب "ائتلاف مبادرة المجتمع المدني" الذي يضم حوالي 500 جمعية مدنية، بسحب مشروع القانون المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات.
وأكد عضو الائتلاف، مصطفى الفرجاني، خلال ندوة صحفية بالعاصمة الرباط، على "ضرورة التوافق بين الجمعيات والدولة على صيغة جديدة لمشروع القانون".
بدوره، يرى عضو الائتلاف، إبراهيم تيلوى، أن "مشروع القانون المذكور أخل بالتوازن بين الجمعيات والإدارة".
وأضاف تيلوى أن "الائتلاف ليس ضد التنظيم بل هو ضد التقييد الذي قد يتسبب في عدم تشجيع الفاعل المدني على القيام بأدواره الدستورية التي تخفف العبء عن الدولة".
وأضاف في مقال نشره عبر مواقع محلية في 4 يونيو 2022، أن "المطلوب اليوم من النسيج الجمعوي الاجتماعي الوطني وكافة الفعاليات الجمعوية والحقوقية الرفع من مستوى اليقظة ومتابعة هذا المشروع قبل المصادقة عليه بالبرلمان".
ودعا المحامي بوزيد، إلى "العمل على تحصين المكتسبات التي راكمها الفعل الجمعوي بالمغرب منذ الاستقلال (عام 1956)، والمطالبة بتوفير إطار قانوني متوازن يحمي المتطوعين والمتطوعات من دون ضرر ولا ضرار، ويسهم في تشجيع قيام المجتمع المدني بأدواره بمختلف مجالاته".
"مرتزقة" العمل الخيري
في المقابل، دافعت حكومة عزيز أخنوش عبر وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عن مشروع القانون المتعلق بتنظيم عملية جمع التبرعات من العموم وتوسيع المساعدات لأغراض خيرية.
وقال وزير الداخلية، خلال دراسة مشروع القانون المذكور بمجلس المستشارين في 29 مايو/أيار 2022، إن مشروع القانون جاء من أجل سد الطريق عمن وصفهم بـ"المرتزقة" من العمل الخيري ومستغلي الحالات الاجتماعية.
وأكد أنه "مبدئيا هناك حسن نية، والقانون يسري على الجميع، وفي حالة سوء النية تسري على الجمعيات المخالفة قوانين أخرى قد تصل إلى المتابعة الجنائية".
وأوضح لفتيت، أن "الهدف من تشديد العقوبات، ليس تخويف المغاربة وتوقيف العمل الخيري، بل سد الطريق عن المرتزقة من العمل الخيري ومستغلي الحالات الاجتماعية".
وعد أن مشروع القانون الجديد "أتى بإجابات وحلول جديدة تساير التطورات المجتمعية لبلادنا وتتماشى مع التكنولوجيا العصرية، مع ما يقتضيه كل ذلك من تشجيع للتطوع والتبرع، ومن ترشيد وعقلنة وحسن تدبير وتبسيط للمساطر (القوانين)".
وأضاف أن هذا النص يهدف إلى "إخضاع جميع عمليات دعوة العموم إلى جمع التبرعات إلى (قانون الترخيص المسبق) لدى الإدارة، كيفما كانت الوسيلة المستعملة في الدعوة".
وخلص وزير الداخلية إلى أن "هذا المشروع يسعى إلى تفعيل دور وسائل الدولة في التتبع والمراقبة وتمكين المجتمع المدني من تأطير التطوع وترسيخ قيم التكافل الاجتماعي، من خلال تشجيع الأفراد على التبرع والعمل الخيري والتنموي.
مخاوف مشروعة
وبين انتقاد هيئات المجتمع المدني لمضامين "مشروع قانون التبرع" ودفاع الحكومة عنه، يبقى السؤال هل سيدافع البرلمانيون عن مطالب الجمعيات المدنية، أمام سعي الحكومة لحشد الإجماع على غرار ما وقع بمجلس المستشارين.
عضو الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية المعارض، عبد الصمد حيكر، عبر عن أمله في أن "تستجيب الحكومة للتعديلات التي من شأنها تجويد هذا النص التشريعي المهم، حتى يكون أداة قانونية تيسر وتشجع الفعل الجمعوي في هذا المجال".
وأبرز حيكر، في حديثه لـ"الاستقلال"، أهمية مشروع قانون تنظيم عملية جمع التبرعات من حيث موضوعه وتوقيته، مبينا أن المغرب في حاجة لتحديث الترسانة القانونية المتعلقة بتنظيم جمع التبرعات من عند العموم التي تعود لسنة 1971.
وعد حيكر، أن هناك ثلاثة منطلقات كبرى تؤطر وتتحكم في دراسة المشروع واقتراح تعديلات عليه، مبينا أن المنطلق الأول هو المرجعية الدستورية التي تنص على توطيد الحقوق والحريات وضمنها حرية ممارسة العمل المدني، إضافة للمقتضيات المتعلقة بـ"الديمقراطية التشاركية".
وشدد أن "مشروع القانون المتعلق بالتبرع ينبغي أن يكون متناغما مع الحقوق والحريات ومنسجما مع المستجدات المتعلقة بالديمقراطية التشاركية".
المنطلق الثاني، يضيف حيكر، هو الخطاب الملكي بمناسبة الدخول البرلماني لسنة 2018-2019 الذي أكد على أن هذا المجال يتطلب تشريعا لتحفيز نشاط الجمعيات، مع تبسيط القوانين المتعلقة.
وذكر أن المنطلق الثالث، هو واقع الممارسة الجمعوية في هذا المجال الذي يشهد بأن المجتمع المدني يملأ فراغا لم تستطع الدولة أن تملأه، وبالتالي فإن هناك حاجة ماسة لضمان استمرار أنشطة الجمعيات المدنية.
ورغم تثمين حيكر، للمستجدات الإيجابية الواردة في مشروع القانون، لكن هذا لم يمنعه من ذكر عدة ملاحظات وتخوفات بخصوص بعض مواده.
ونبه برلماني حزب العدالة والتنمية، إلى أن مشروع القانون يتضمن بعض العبارات العامة غير الواضحة، داعيا إلى تحديد وتدقيق عدد من المفاهيم الواردة بالقانون.
وبعد أن ذكر أن مشروع القانون ينص على أن نشاط جمع التبرعات ينبغي أن تقوم به جمعية أو جمعيات مؤسسة بصفة قانونية، تساءل حيكر: "ماذا نقصد بجمعية مؤسسة بصفة قانونية؟"، مشيرا إلى أن "الواقع يؤكد أنه ما زال هناك معاناة كبيرة للعديد من الجمعيات في الحصول على الوصل المؤقت (الترخيص الأولي)".
ويرى أن "مشروع القانون أعطى للإدارة فيما يتعلق بعملية جمع التبرعات أو توزيع المساعدات إمكانية الاعتراض أو حتى توقيف النشاط أثناء مزاولته لاعتبارات تتعلق بحفظ النظام العام"، مضيفا أن عبارة "النظام العام" غير محددة بشكل واضح.
وختم حيكر حديثه بالقول إن "العديد من الجمعيات التي التقيناها ككتلة نيابية، سجلت تحفظها على ما يتعلق بضرورة كشف هوية المتبرعين والمستفيدين، لكونه يوجد عديد من المتبرعين، حسب الجمعيات المدنية، لا يريدون، لاعتبارات دينية أساسا، أن تكشف أسماؤهم".