أبوظبي والرياض.. علاقات تبدو راسخة لكنها تطفو على برميل بارود

سلطان العنزي | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

رغم حرص الحكومتين السعودية والإماراتية، في السنوات الأخيرة، على إظهار مدى ترابط العلاقات بينهما، والتأكيد بأن تحالفهما "راسخ وغير قابل للتصدع" إلا أن هذه العلاقات تجلس على برميل بارود قد ينفجر في أية لحظة.

فهذا التحالف الظاهر يخفي وراءه الكثير من الملفات الشائكة، من بينها الخلاف الحدودي الذي يطل برأسه بين فترة وأخرى، حيث ترى الإمارات أن المملكة تحتل نحو 4 آلاف كيلومتر مربع من أراضيها، و"تسرق" نحو مليون برميل نفط يوميا من هذه الأراضي.

آخر التحرشات الإماراتية التي أيقظت الخلاف بين البلدين، جاءت على يد نجل رئيس دولة الإمارات، سلطان بن خليفة آل نهيان، بعدما نشر عبر حسابه الرسمي بإنستجرام، تهنئة بمناسبة عيد الأضحى، أرفقها بخريطة لبلاده تضم "خور العديد".

و"خور العديد" منطقة ساحلية تفصل بين قطر والإمارات، وهي تابعة لسيادة المملكة العربية السعودية، بموجب اتفاقية جدة عام 1974، لذا اعتبر السعوديون نشر هذه الصورة "سلوكا مستفزا وغادرا"، وطالبوه بحذفها، وتقديم اعتذار لبلدهم.

وفق مراقبين فإن نشر نجل رئيس الإمارات لهذه الخريطة، رسالة واضحة للرياض، بأن أبوظبي مصممة على استعادة تلك الأراضي، وأن هذه القضية قد يتم إثارتها رسميا في وقت قريب، لاسيما وأن المملكة تعيش وضعا حرجا، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وحتى اجتماعيا.

فما جذور هذا الخلاف الحدودي بين البلدين؟ وما هي الاتفاقية التي وقعتها أبوظبي على مضض وولدت شعورا بالغبن والإحباط، ظل ملازما للقادة الإماراتيين منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم؟ وما تأثير ذلك الشعور على مستقبل التحالف المؤقت الناشئ بين الدولتين الخليجيتين؟.

"اتفاقية جدة"

في عام 1974، وقعت المملكة والإمارات اتفاقية حدودية عرفت بـ"اتفاقية جدة"، تنازلت بموجبها الرياض لأبوظبي عن جزء من "واحة البريمي"، مقابل الحصول على جزيرة الحويصات وساحل بطول حوالي 50 كم يفصل بين قطر والإمارات "خور العديد".

وإضافة إلى ذلك، آلت للسعودية نسبة 80% من "حقل الشيبة" النفطي، الذي يمتد جزء منه داخل الأراضي الإماراتية. ويضم هذا الحقل احتياطيا يقدر بنحو 20 مليار برميل نفط، ونحو 650 ألف متر مكعب من الغاز.

وقضت اتفاقية جدة، أنه في حال اكتشاف نفط في الحدود المشتركة، سواء قبل الاتفاق أو بعده، فإن ملكية الحقل تؤول برمّته إلى الدولة التي يقع فيها الجزء الأكبر منه، وبذلك أصبحت ملكية حقل الشيبة وموارده ملكا للرياض.

وبدأت شركة "أرامكو" السعودية العمل فيه سنة 1998، وهو يضم حوالي 145 بئرا نفطيا، وينتج مليون برميل يوميا، وفقا للموقع الرسمي لأرامكو.

وفي عام 1999 قاطعت أبوظبي مؤتمر وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، وبررت ذلك بأن الدولة المضيفة (السعودية) لا تشرك دولة الإمارات في تقاسم عائدات النفط من حقل الشيبة كما ينص اتفاق 1974.

وتفاقمت التوترات بعد منع الإمارات من التنقيب عن النفط والمعادن في المناطق المقابلة لحقل الشيبة، فالمملكة اعتبرت ذلك خطا أحمر، كونه "تعد على أراضيها وسيادتها"، الأمر الذي ولد شعورا إماراتيا بالغبن.

إحياء الخلاف

ورغم توقيع الإمارات على "اتفاقية جدة"، إلا أنها لم تكن راضية عنها وأضمرت الرفض لها، لاسيما وأنها حرمتها من خيرات وفيرة، فهي من وجهة النظر الإماراتية "منتقصة الشروط"، وأهمها تحرر جميع الأطراف من أية ضغوط تحول دون القبول بالشروط المتفق عليها.

ويرى الإماراتيون أن السعوديين استغلوا ظروف نشأة الاتحاد الإماراتي، وحاجة الأخير للحصول على اعتراف من دول الجوار، لإملاء شروط غير متوازنة في "اتفاق جدة".

كانت الرياض قد رفضت الاعتراف بدولة الإمارات العربية المتحدة لسنوات، واشترطت تسوية الخلاف الحدودي أولا، وهو ما شكل ضغطا لا يستهان به على الاتحاد الإماراتي الوليد.

وظل غضب الإمارات يتفاعل تحت الرماد حتى وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومع تولي ولي عهده الشيخ خليفة بن زايد مقاليد الحكم، أثار هذه الاتفاقية مع السعوديين خلال أول زيارة له إلى الرياض في ديسمبر/كانون أول 2004.

وأبلغ رئيس الإمارات المسؤولين السعوديين بأن هذه الاتفاقية "ظالمة" لدولته التي وقعتها في "ظروف استثنائية"، لكن رد الرياض كان حاسما بأن الاتفاقية جارية، ولا يمكن إجراء أي تعديل عليها، وهو ما أثار استياء القادة الإماراتيين.

وكرد على ذلك، حاولت الإمارات إنشاء جسر بحري يربطها بدولة قطر في عام 2005، على غرار جسر الملك فهد الذي يربط السعودية بالبحرين، لكن الفكرة أُجهضت بضغوط من الرياض، لتعاود أبوظبي استفزاز الرياض بإصدار خرائط جديدة يظهر فيها "خور العديد" تابعا للمياه الإقليمية الإماراتية، في عام 2006.

تصاعدت حدة الخلاف بين البلدين بعد أن قررت الرياض عام 2009، منع الإماراتيين من دخول أراضيها باستخدام "بطاقات الهوية" كما هو معمول به، وذلك ردا على قيام الحكومة الإماراتية بتغيير خريطتها الجغرافية الموجودة على تلك البطاقات التي بحوزة مواطنيها، ما دفع السلطات الإماراتية للطلب من مواطنيها الراغبين بالسفر إلى المملكة، أو عبور أراضيها برا إلى دول مجلس التعاون، استخدام جوازات سفرهم بدلا من بطاقات الهوية.

كما أوقفت الحكومة السعودية في ذات العام، آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي مع دولة الإمارات، بذريعة تعزيز الرقابة على دخول السيارات إلى أراضيها، وذلك كجزء من حملة الضغط التي تهدف إلى إخضاع أبوظبي، وإجبارها على الكف عن المطالبة بتلك الأراضي.

مجلس شؤون الحدود

وعلى خلفية تصاعد الخلاف الحدودي مع المملكة، أصدر رئيس الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، في عام 2009، مرسوما اتحاديا بإنشاء "مجلس شؤون الحدود"، وكلف ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة محمد بن زايد برئاسة المجلس.

واتخذ الخلاف منحى خطيرا في عام 2010، بعدما أطلق زورقان إماراتيان النار على زورق سعودي في "خور العديد"، واحتجز اثنين من أفراد الحرس الحدود السعودي، وكادت العلاقات تنقطع بين البلدين إثر هذه الحادثة.

وتعليقا على هذه التوترات، رأى عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد أن الاتفاقية التي وقعتها الإمارات في عام 1974، كانت لها ظروفها الاستثنائية، ووقعت بعد ضغوط سعودية كبيرة، أبرز مظاهرها الامتناع عن إرسال سفير سعودي إلى أبوظبي، قبل توقيع الاتفاقية.

وأضاف عبد الله خلال تصريح صحفي في ديسمبر/كانون الأول 2010: أن "الخلاف الحدودي مع السعودية كان ينبغي أن يحل بطريقة ودية وفي إطار العلاقات الثنائية والأخوية"، ودعا المستشار السابق آنذاك إلى "موقف إماراتي حاسم في هذا الإطار، وإصدار بيان رسمي يؤكد أن الإمارات ليست بصدد افتعال مشكلات، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل لغة الإملاءات والأوامر".

تحرشات مستمرة

وحتى بعد صعود نجم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة، والذي تربطه علاقات وطيدة مع "ملهمه ومعلمه" ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، إلا أن التحرشات الإماراتية لم تتوقف، وأطل الخلاف الحدودي برأسه أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، مهددا بانهيار التحالف القائم بين "المعلم والتلميذ".

فبعد الهجوم الذي شنته جماعة الحوثي ضد حقل الشيبة بواسطة الطائرات المسيرة المفخخة، في أغسطس/آب 2019، تهكم عبد الخالق عبدالله، من فشل الدفاعات الجوية السعودية بالتصدي لهذه الهجمات.

وأكد عبد الخالق في تغريدة على تويتر- قبل أن يعود ويحذفها -، بأن الحوثيين لم يكونوا ليجرؤوا على قصف حقل الشيبة لو أنه كان تحت السيادة الإماراتية.

 

من جانبه سخر رجل الأعمال الإماراتي البارز، المعروف بقربه من السلطات، خلف الحبتور، من عجز المملكة عن التصدي لطائرات جماعة الحوثي، رغم إنفاقها الكبير على التسليح. وتساءل الحبتور عن السبب الذي منع من التصدي لهذه الهجمات؟.

 

وفق متابعين، قد يبقى الخلاف الحدودي بين السعودية والإمارات، الذي استعصى على الحل طيلة العقود السابقة، مصدر قلق واضطراب قد يعصف بعلاقات البلدين في أية لحظة، لاسيما وأن الجانب الإماراتي يصر على استرداد تلك الأراضي التي سيطرت عليها المملكة في وقت سابق.

وما قد يساعد على انهيار تحالف الرياض وأبوظبي هو أنهم "ليسوا أصدقاء ولا أعزاء" وإنما الحاجة اللحظية اقتضت وجود هذا التحالف المؤقت، ففي إحدى وثائق ويكيليكس التي سربت في نوفمبر/تشرين ثاني 2010 قال محمد بن زايد: "الإمارات خاضت 57 معركة ضد السعودية خلال الـ250 سنة الماضية. السعوديون ليسوا أصدقائي الأعزاء وإنما نحتاج لأن نتفاهم معهم فقط".

وحسب تلك الوثائق، فإن ولي عهد أبوظبي حاول مرارا تحريض القادة الأميركيين ضد المملكة، وتحدث بألفاظ مهينة للملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز وكبار أمراء العائلة الحاكمة، فضلا عن وصفه للشعب السعودي بـ"الجهل والتخلف".

تاريخ الصراع بين السعودية والإمارات قديم ومتجذر، وقد يغذيه تضارب المصالح في الإقليم، فمع خروج أبوظبي إلى لعب دور سياسي مباشر في العديد من بلدان المنطقة، بدأت تمس مصالح الرياض وأمنها القومي، كما حصل في اليمن.