السر المدفون.. لماذا تحيي تركيا الأرشيف القديم لإمبراطوريتها؟

أحمد يحيى | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تسعون عاما من الحظر، هكذا دخلت اللغة العثمانية في سراديب المجهول، مع تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وحدث فصل بين تراث الأجيال القديمة والحاضرة، مع ما يعرف بالثورة اللغوية التي أعلنها مصطفى كمال أتاتورك، واستبدل فيها الحروف العربية باللاتينية، وولدت اللغة التركية الحالية.  

وبقي العامل الأصعب في التهديد الذي تعرض له تراث الدولة الضخم، حيث كانت الدولة العثمانية تحكم مساحات شاسعة من الأرض، وتمتد أطرافها إلى قارات العالم القديم في أوروبا، وآسيا، وإفريقيا.. وتمتلك وثائق نادرة وبالغة الأهمية، ومع اختفاء اللغة وشبه اندثارها، أصبحت مهددة بالضياع أو فقدان القيمة.

ولكن الإصلاح الذي أدخله حزب العدالة والتنمية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان على التعليم، ألزم بعض المدارس بإعادة تدريس اللغة، ووسع آفاق البحث في الأرشيف العثماني، وفتح الآفاق أمام المؤسسات المعنية لإخراج أجيال قادرة على البحث والقراءة في الأرشيف، واستخراج المعلومات والوثائق.

الأغنى في العالم 

في 25 أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، أقام مركز "حرمون للدراسات المعاصرة" احتفالية بمدينة إسطنبول التركية، بتخريج أول دفعة من المتدربين على قراءة "الأرشيف العثماني"، وذلك بعد دورة استمرت نحو 3 شهور، استهدفت تمكين المتدربين البالغ عددهم 26 متدرب ومتدربة، من قراءة الوثائق العثمانية وفهمها والبحث فيها، وتمكينهم من ترجمتها إلى اللغة العربية، أو إعادة كتابتها باللغة التركية بالحروف اللاتينية.

وقال مدير مركز "حرمون"، سمير سعيفان، في كلمة خلال افتتاح حفل تسليم الشهادات: إنه "كان من أحد توجهات المركز تعليم قراءة الأرشيف العثماني، الذي يعد من أهم أغنى ثلاث أرشيفات في العالم".  وأكد سعيفان: على أن "الوثائق العثمانية تشكل إمبراطورية واسعة، يتضمن جزء كبير منها الوطن العربي".

ولفت إلى: أن لهذه الدورة دور كبير في الحفاظ على الوثائق العثمانية، لا سيما بعد استخدام اللغة التركية للأحرف اللاتينية بدلا من العربية، مما بنى حاجزا منع من قراءة هذا الأرشيف.

وبحسب وكالة الأناضول التركية الرسمية، تحدث كمال خوجة، مدرب قراءة الأرشيف العثماني: عن "اهتمامه الكبير والقديم بنقل هذه المعرفة لطلاب يحافظون على الأرشيف العثماني، ما دفعه إلى عرض المشروع على عدة أشخاص ومسؤولين، ليحظى باهتمام مركز حرمون، الذي بدأ بإعطاء هذه الدورة للطلاب التي استمرت لمدة ثلاثة أشهر متواصلة".

وقال في كلمة له: إن "عدد الوثائق العثمانية التي تخص العالم العربي تبلغ أكثر من 100 مليون وثيقة، تشمل تاريخ 50 دولة من بلاد البلقان حتى شمال إفريقيا، من بينها 140 ألف صفحة تخص دولة فلسطين".

وأردف: "تم ترجمة 50 ألف وثيقة عثمانية منذ 1993 وحتى 2019، وهذا العدد لا يساوي قطرة من ماء، ولا يوجد مختصون بتعليم قراءة هذا الأرشيف سوى أنا والأستاذ فاضل بيات، ما يعني أن هذا الأرشيف مهدد بالضياع".

جدير بالذكر أن كمال خوجة، تركي من أصل سوري، حائز على إجازة في الشريعة بجامعة دمشق عام 1975، أسس القسم العربي في وكالة إخلاص للأنباء، ووكالة جيهان للأنباء التركيتين، وترجم أكثر من 50 ألف وثيقة والعديد من الكتب العثمانية إلى اللغة العربية.

ملايين الوثائق

يوجد الأرشيف العثماني في مقرّين: أحدهما في إسطنبول في منطقة كاغت هانة، ويعمل فيه 400 موظف. والثاني في أنقرة، ويضم 300 موظف. ويعمل الموظفون في كليهما على ترميم وحماية الوثائق، وتبويبها وترجمتها من اللغة العثمانية إلى التركية، ﻹتاحتها للباحثين.

ويُعد اﻷرشيف العثماني من أكبر المؤسسات في العالم من حيث عدد الوثائق والمخطوطات، إذ يضم ما يزيد عن مائة وخمسين مليون وثيقة ومخطوطة.

وتعمل الحكومة التركية على جمعها والاعتناء بها وفرزها وتوثيقها وحوسبتها في عملية توثيقية ضخمة، لتسهل على الباحثين الاستفادة منها، بالإضافة إلى ترجمة وتحليل هذه الوثائق من قبل المتخصصين. 

ويضم الأرشيف العثماني ملايين الوثائق التي تتناول تاريخ الدولة العثمانية منذ نشأتها في عام 1299، ويشمل جميع الدول التي حكمها العثمانيون، باﻹضافة إلى العلاقات الخارجية، والمراسلات الدبلوماسية، وغيرها من اﻷمور الداخلية الخاصة كالتعليم والصحة.

وللدول العربية ملايين الوثائق في الأرشيف، وقد أطلقت الحكومة التركية في عام 2015 مشروعا لمراجعة ملايين الوثائق الخاصة بفلسطين، وأجرت دراسات لجميع نواحي الحياة فيها، ثم ترجمتها وبوبتها وفرزتها ثم نقلتها إلى مختلف اللغات.

وهذا المشروع من تنفيذ رئاسة أتراك المهجر والمجتمعات القريبة التابعة له (YTB) بالتعاون مع المنتدى التركي الفلسطيني. ويهدف ﻹتاحة الفرصة للباحثين للاطلاع عليها وتسليط الضوء على مادة تاريخية ثرية بالمعلومات التي تخص فلسطين.

ويأتي باحثون من دول أوروبية ومن اليابان وغيرها من الدول، وهم متقنون للغة التركية الحديثة والعثمانية، ومدعومون ماديا من قبل الجهات التي أرسلتهم، ليطلعوا على هذه الوثائق. في حين يُعد الباحثون العرب على أصابع اليد الواحدة، وأغلبهم يأتي على نفقته الخاصة ليكابد غلاء المعيشة.

وقد وفرت الحكومة التركية منحا دراسية لجميع المستويات من أجل دراسة اللغة التركية والبحث، لأن التركية أداة مهمة للولوج إلى عالم الوثائق، كما أنها أنشأت فروعا لمعهد "يونس إمرة" في جميع أنحاء العالم لتعليم اللغة التركية مجانا.

وأدرجت الحكومة التركية اللغة العثمانية كمادة إلزامية في مناهج مدارس اﻷئمة والخطباء ومدارس العلوم الاجتماعية، و كمادة اختيارية في مناهج المدارس الثانوية الأخرى.

سرقة كبرى

في 19 مايو/ آيار 2019، خلال ندوة بمدينة العيون (كبرى مدن إقليم الصحراء الغربية)، نظمها حزب العدالة والتنمية (قائد الائتلاف الحاكم) في المغرب، قال المفكر المغربي، أبو زيد المقرئ الإدريسي: إن "إسرائيل استولت سابقا على 3 ملايين وثيقة مقدسية من الأرشيف العثماني "لسرقة القدس معرفيا".

وأوضح الإدريسي خلال الندوة: أن أحدث المباني المقدسية تعود إلى العصر العثماني، وأن أهاليها كانوا يفضلون البقاء بالمدينة القديمة حبا في التقرب من المسجد الأقصى. وأكد: أن إسرائيل استولت على حارة المغاربة بالقدس وهدمت 135 عقارا بها، وطردت 635 مغربيا.

وذكر: أن آخر عقار بقي في حي المغاربة بالقدس، هو بناء مهدوم إلا من غرفة واحدة آيلة للسقوط، واسمه المدرسة الصلاحية، وتسكنه السيدة المغربية المقدسية، عائشة المصلوحي وأحفادها.

ورأى المفكر المغربي: أن عدم سقوط المسجد الأقصى حتى الآن "معجزة"، لأن إسرائيل تعمل على ذلك، من خلال الحفريات وحقن أساساته بمواد كيمائية.

ولفت في هذا السياق: إلى إجراء مهندس فلسطيني أبحاثا تكشف قيام اليهود بتطوير مواد كيميائية، توهن الحجارة الضخمة التي بناها العثمانيون، لتسهيل عملية إسقاط أساسات القدس.

وثائق عثمانية بتوقيع السلطان عبد الحميد الثاني

في عام 1931، باعت الحكومة التركية كميات ضخمة من الوثائق اﻷرشيفية العثمانية إلى مصانع الورق في بلغاريا، لاستخدامها في تدوير نفايات الورق، وجرى نقلها في عربات القطار.

ومنذ ذلك الوقت، تختزن المكتبة الوطنية في العاصمة البلغارية صوفيا كنوزا من الوثائق والمراجع والمخطوطات العثمانية النادرة.

تضم هذه المكتبة في بلغاريا ملايين الوثائق العثمانية، وبينها أكثر من 160 ألفا من السجلات، وألفا من الدفاتر العثمانية، وما يزيد عن مليون من الوثائق الفردية.

كما تضم ما لا يحصى من دفاتر اﻷوقاف من جميع ولايات الدولة العثمانية فيما بين القرنين الخامس عشر والعشرين. وتضم باﻹضافة إلى ذلك مخطوطات باللغات العربية والفارسية والتركية، كما تضم اﻷرشيف التاريخي البلغاري في المكتبة مقتنيات منزلية يعود معظمها إلى القرن التاسع عشر.

تعزيز الأرشيف

في 2 أبريل/ نيسان 2018، أطلقت المديرية العامة للأرشيف التركي، مشروعا هدفت من خلاله إلى تعزيز أرشيف الدولة في تركيا بأكثر من 250 ألف نسخة وثائق عثمانية، من مناطق مختلفة كانت تحت سلطة الدولة العثمانية أبرزها منطقة البلقان.

وذكر المدير العام لأرشيف الدولة، البروفيسور  "أوغور أونال"، لوكالة الأناضول التركية الرسمية: أن "الدولة العثمانية كانت تمتلك عددا كبيرا من الأوراق والوثائق".

وقال أونال: إن "القسم الأكبر من الذاكرة العثمانية موجود في منطقة الأناضول وإسطنبول، ومحفوظ بمتحف الأرشيف العثماني، ولكن هناك أيضا أرشيف ووثائق في أوروبا التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية كمنطقة البلقان".

وأشار إلى: أنهم وبالتنسيق مع وكالة التعاون والتنسيق "تيكا"، اتخذوا خطوات هامة للغاية فيما يتعلق بجلب نسخ عن تلك الوثائق الموجودة في بلدان منطقة البلقان مع الحفاظ على الأصلية في تلك البلدان.

وأضاف: "خلال العامين الأخيرين نقلنا أكثر من 250 ألف وثيقة عثمانية موجودة ببلدان منطقة البلقان إلى الوسط الرقمي، 130 ألف منها نقلت العام الماضي من مقدونيا، وهذا هام للغاية لأنه يحتوي على تاريخنا".

وأردف: أن تلك الوثائق يمكن أن تكون سبيلا لدراسات هامة قد تكشف أمورا سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية كانت آنذاك.

وأعرب عن أمله بإنهاء العمل على الوثائق الموجودة في ألبانيا بغضون عام ونصف العام، وقال: "سيتضح الرقم التقريبي للوثائق بعد الانتهاء، ولكن بحسب توقعاتنا هناك قرابة 500 ألف وثيقة في تيرانا". وصرح: أن هدفهم يتمثل في نقل الأرشيف العثماني إلى الوسط الرقمي وتصنيفه وفتحه للعموم.

وأوضح أونال: أن مجال عملهم لا يقتصر على منطقة البلقان، مضيفا: "نعمل على جلب تلك الوثائق من العديد من البلدان المختلفة من الصين وحتى المغرب، وخاصة ألبانيا ومقدونيا، حيث إننا نقوم بتصويرها واحدة واحدة، ونعزز أرشيفنا بها".

وثيقة عثمانية قديمة

اللغة العثمانية 

وتحرص الجمهورية التركية منذ سنوات على إحياء اللغة العثمانية، وتدريسها بشكل رسمي، حيث تحاول الدولة الاتصال بتاريخها العريق، ففي 9 ديسمبر/ كانون الأول 2014، أصدرت وزارة التّعليم في تركيا قرارا يقضي بجعل تعليم اللغة العثمانية إجباريا في المدارس الثانوية للأئمة والخطباء بينما يبقى اختياريا في المدارس الأخرى. واللغة العثمانية هي التركية القديمة، أي التركية التي كانت تُكتب بالحروف العربية.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اجتماع للمجلس الشرعي التركي: "يوجد أشخاص لا يتمنون أن تُعلم العثمانية وتُدرس، وبغض النظر عما إذا كانوا يريدون هذا الأمر أم لا فالعثمانية ستُدرس وتُعلم في هذه البلاد".

وأضاف: "من غير المعقول أن يبقى التركي جاهلا بما هو مكتوب على شواهد قبور أجداده". 

الأبجدية العثمانية القديمة

وغابت اللغة العثمانية عن المجتمع التركي بين ليلة وضحايا، لكنها قاومت الاندثار، وبدأت تعود إلى الحياة مجددا في السنوات الأخيرة، فقد بدأت تعقد العديد من الدورات لتعليمها، وزاد الإقبال عليها من قبل الطلاب والباحثين والأكاديميين.

وفي عام 1928، ألغى مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك استعمال الأحرف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية في ما عرفت "بثورة الأحرف". كما جرد اللغة من الكلمات العربية والفارسية، ومنع نهائيا تعليم اللغة العثمانية.

وكان شاعر تركيا محمد عاكف أرسوي قد نظم النشيد الوطني التركي باللغة العثمانية، ثم جرى كتابته فيما بعد بالأحرف التركية الجديدة، لكنه ما زال يحتوي على كلمات كثيرة لا يعرف معناها جيل اليوم.

خبراء اللغة الأتراك لا يعتبرون العثمانية: "لغة مستقلة مختلفة"، بل هي النسخة القديمة للغة التركية المستخدمة حاليا، لكنها مكتوبة بالأحرف العربية، وتتشكل في معظمها من كلمات عربية وفارسية.

وتتكون اللغة العثمانية من 34 حرفا، تجمع كافة أحرف اللغة العربية إضافة إلى ستة أحرف فارسية.