مع حكومة العثماني الجديدة.. هل يتجدد حراك الريف أم يبلغ مطالبه؟

مجددا، تطفو أزمة حراك الريف المغربي على السطح، إثر شكاوى قادته المعتقلين من استهداف ممنهج لحياتهم داخل السجن، لتسلّط ضوءا خفت كثيرا على قضية أرّقت المغاربة، وكانت نواة لاحتجاجات ضخمة خلال عامي 2016 و2017، شبهها كثيرون بثورات الربيع العربي.
شكاوى قادة الحراك تتزامن مع تعديل حكومي عُد سابقة في الحياة السياسية المغربية، لتضاف أزمة الريف بكل مكوناتها إلى قائمة طويلة من التحديات، فهل تسمع حكومة العثماني صوت الريف وأين يكون ترتيبه بين أولوياتها؟
حياة مهددة
في بيان مشترك، الجمعة، حمّل 6 من سجناء حراك الريف بالمغرب، الدولة: "المسؤولية عن أي ضرر أو مكروه محتمل يطالهم، أو أي انتقام قد يلحق بعائلاتهم"، مؤكدين أن: "حياتهم داخل السجن باتت مستهدفة".
أبرز من شملهم البيان، ناصر الزفزافي، الملقب بقائد حراك الريف، إضافة إلى 5 من رفاقه، وذلك بعد نحو شهرين على إعلانهم من داخل السجن تخليهم عن الجنسية المغربية.
الإعلان الذي نشره والد الزفزافي جاء احتجاجا على قرار محكمة الاستئناف في الدار البيضاء، أبريل/نيسان الماضي، تأييد الحكم بالسجن 20 عاما بحق الزفزافي، بتهمة "المساس بالسلامة الداخلية للمملكة".
تضمنت الأحكام، التي تم تأييدها أيضا، وهي نهائية، السجن لفترات تتراوح بين عام و20 عاما بحق 41 آخرين من موقوفي حراك الريف.
تجدد الأزمة تزامن مع الإعلان عن تعديل حكومي شامل بالمغرب، واعتبرت هذه النسخة أصغر حكومة في تاريخ المغرب السياسي الحديث، حيث تقلص عدد أعضاء الحكومة الجديدة من 39 وزيرا إلى 23، بعد تجميع عدد من القطاعات الوزارية.
واحتفظ رئيس الحكومة سعدالدين العثماني بـ 17 عضوا كانوا ضمن الحكومة السابقة وضم ستة وجوه جديدة، بعضها حزبية وبعضها الآخر من التكنوقراط.
تفضل جلالة الملك محمد السادس نصره الله اليوم بتعيين الأعضاء الجدد للحكومة بصيغتها الجديدة.وتنفيذا للتوجيهات الملكية ضمت الحكومة كفاءات جديدة، وتم تقليص العدد وتقوية الحضور النسائي والتشبيب، لأجل ضمان نجاعة أكبر للعمل الحكومي.وإننا عازمون على مضاعفة الجهود خدمة للوطن والمواطنين. pic.twitter.com/zEfYjDG1lB
— رئيس الحكومة -المغرب (@ChefGov_ma) October 9, 2019
وعقب أداء الأعضاء الجدد للقسم كتب العثماني على "تويتر": "الحكومة في صيغتها الجديدة تضم كفاءات إضافية، كما تم تقليص العدد وتقوية الحضور النسائي والتشبيب (الشباب) مع الحرص على ضمان نجاعة أكبر في العمل الحكومي والرفع من أدائه".
وأُسندت لحزب "العدالة والتنمية" الذي يقود الائتلاف الحكومي 7 وزارات، و4 لحزب "التجمع الوطني للأحرار"، ووزارتان لحزب "الحركة الشعبية"، ووزارة لكل من "الاتحاد الدستوري" و"الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، بينما عُين 9 وزراء تكنوقراط، أي من دون انتماء سياسي في وزارات حساسة وإستراتيجية.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2016 وعلى مدى 10 أشهر، شهدت مدينة الحسيمة وعدد من مدن وقرى منطقة الريف شمال المغرب؛ احتجاجات للمطالبة بتنمية المنطقة وإنهاء تهميشها، بعدها بعام أعفى العاهل المغربي الملك محمد السادس، 4 وزراء من مناصبهم؛ بسبب التقصير في تنفيذ برنامج إنمائي بمنطقة الريف.
وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، أصدر العاهل المغربي، عفوه عن 4 آلاف و764 شخصا في سجون المملكة، بمناسبة الذكرى الـ20 لتوليه الحكم، بينهم مجموعة من معتقلي أحداث الحسيمة، لم تشمل قادة الحراك.
شرارة الحراك
وكانت شرارة الغضب الأولى في اندلاع احتجاجات الريف مقتل بائع السمك، محسن فكري، مطحونا في شاحنة نفايات، عندما أراد استعادة سلعته التي صادرتها الشرطة منه.
بادرت السلطات المغربية وقتها إلى التهدئة واحتواء الحادث الفظيع، فأرسلت وزراء وكبار المسؤولين، إلى مدينة الحسيمة، وأصدرت المحاكم إدانات في حق الضالعين في مقتل فكري، ولكن يبدو أن الأمور كانت قد أفلتت من يد المسؤولين، وعائلة الضحية.
وتبنى الشارع القضية، في مسيرات ومظاهرات تجاوزت مطالب القصاص والعدالة، إلى العزلة والبطالة والفقر والخدمات الاجتماعية التي تفتقر إليها منطقة الريف، التي تعد من أفقر المناطق في المغرب.
وحاول العاهل المغربي الملك محمد السادس فك العزلة عن الريف، إذ أعلن مشاريع لتطوير شمال البلاد، وقرب منه مسؤولين من المنطقة، ولكن يبدو أن الاستثمارات التي أعلن عنها اقتصرت على المدن الكبيرة ولم تصل إلى القرى والمناطق الأكثر عزلة.
وشهدت منطقة الريف على مر السنين هجرة عدد متزايد من أبنائها لعدم توفر أسباب المعيشة في منطقتهم، على الرغم من ازدهار وتطور العديد من المدن المغربية الأخرى واستفادتها من البنى التحتية والخدمات الاجتماعية والاقتصادية، مثل الدار البيضاء والرباط وحتى طنجة.
وأمام هذه الضغوط والأوضاع الصعبة، أمسك الشباب في الحسيمة، بحادث مقتل واحد منهم، في ظروف مأساوية، للتعبير عن غضبهم وتوصيل مطالبهم إلى أعلى سلطات البلاد.
وكان ناصر الزفزافي، الشاب العاطل عن العمل، يتحدث باسمهم ويعبر عن معاناتهم، وهو يقاطع خطيب الجمعة في مسجد مدينته، ليتحدث عن ظروف المعيشة الصعبة والبطالة والفقر وغيرها من الآفات التي يعاني منها أهل الريف.
تاريخ ضد الاستعمار
الريف منطقة في شمال المغرب تتميز بجبالها الوعرة وقممها الشاهقة وغطائها النباتي الكثيف، وهو موطن جزء هام من الأمازيغ يُسمون "ريافة" ويتحدثون "تريفيت" (أحد الفروع الثلاثة للغة الأمازيغية بالمغرب)، كما تقطن جزأه الغربي مجموعات قبلية عربية تُدعى "جْبَالة".
خضع الريف كباقي مناطق وسط المغرب للحكم الروماني ولإماراته ومنها موريتانيا الطنجية، وخلال الفتح الإسلامي خضع الريف للخلافة الأموية في الأندلس، وشارك الأمازيغ بفعالية في الفتوحات الإسلامية، ومن أعلامهم في هذا الباب الفاتح "طارق بن زياد".
وفي الفترة الحديثة والمعاصرة، وقع الريف تحت الاستعمار الإسباني، وقاد محمد عبد الكريم الخطابي ثورة شرسة ضد الإسبان وهزمهم في معركة أنوال (1921)، وأعلن تأسيس جمهورية الريف.
تحالف الإسبان والفرنسيون ضد الخطابي وأرغموه على الاستسلام بعد معارك طاحنة تلتها مفاوضات عسيرة جرت في وجدة وأبدت فيها القوى الاستعمارية صرامة شديدة تجاه الخطابي ورفضت أي تنازل، فاضطر الخطابي إلى الاستسلام واعتُقل ونُفي إلى جزيرة لارينيون الفرنسية، ثم سُمح له بالعودة إلى مرسيليا عام 1947 فتمكن من الفرار إلى مصر واستقر بها إلى أن تُوفي عام 1963.
واستخدمت قوات الاحتلال التي هاجمت قوات الخطابي الغازات السامة التي لا يزال شمال المغرب يعاني من آثارها إلى اليوم، إذ تسجل في المنطقة أعلى نسب الإصابة بالسرطان في البلاد.
في أعقاب استقلال المغرب عن فرنسا عام 1956، قامت حركة احتجاجية في الريف اختلفت التحليلات بشأن أسبابها بين من قال إنها نادت بتحسين الأوضاع المعيشية وإصلاح الإدارة وتمكين أهل الريف من حكم ذاتي، ومن قال إنها طالبت بإنشاء جمهورية مستقلة.
ورد النظام المغربي بقمع الانتفاضة قمعا شديدا قاده ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا) والجنرال محمد أوفقير الذي حاول الانقلاب على حكم الحسن الثاني عام 1972 بإسقاط الطائرة الملكية في الجو.
ويفتخر أهل الريف أيضا بوقوفهم في وجه السلطة، إذ تعد مدينة الحسيمة مركز الاحتجاجات التي تعرف "بانتفاضة الخبز" عام 1984، وكانت الحسيمة أيضا المدينة الوحيدة التي وقع فيها قتلى في احتجاجات 2011 المتزامنة مع ثورات الربيع العربي.
مصادر الدخل الرئيسية في الريف هي الأموال التي يرسلها المهاجرون إلى أهاليهم، وأموال التهريب، ويعتقد أن مساحات شاسعة تزرع اليوم بالقنب الهندي (الحشيش) في الريف من 800 ألف شخص، ويتسلل نحو 50 ألف شخص من سكان الريف إلى مدينتي سبتة ومليلة التابعتين إداريا لإسبانيا في رحلات تهريب تشمل المخدرات والسلع الاستهلاكية وغيرها من المواد، مثل الملابس والخمور، والتبغ.
إرث الحكومة الثقيل
ولأن مطالب الريف كانت في الأساس اقتصادية واجتماعية شاكية من سياسة التهميش والإقصاء، فضلا عن إعفاء وزراء سابقين بتعديل 2017 على وقع حراك الريف، فإن الحكومة الجديدة ستكون معنية بإيجاد حل لتلك الأزمة ضمن أولوياتها بجانب الصحة والتعليم، وغيرهما.
ليس هذا فحسب، بل إن خطاب العرش الأخير للملك الذي تحدث عن الضرورة لتعديلات وزارية متزامنة مع الدورة البرلمانية الجديدة، تضمن توجيهات مباشرة للحكومة بحل أزمة الريف.
الملك دعا في الخطاب إلى مرحلة جديدة للحد "من التفاوتات الصارخة في المملكة"، مشيرا إلى أنه رغم الإنجازات المحققة فإن بعض المواطنين لا يلمسون آثار المشاريع المنجزة "في تحسين ظروف عيشهم وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية والحد من الفوارق الاجتماعية".
وقال: إن المملكة مقبلة على مرحلة جديدة ستعرف "جيلا جديدا من المشاريع تتطلب نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة".
لكن هذا الكلام قد يكون حبرا على ورق، ولا يفضي إلى شيء ملموس ينعكس على واقع الريفيين، الذين يستقبلون كل وعود وتعهدات السلطات وعلى رأسها الملك، بحالة استياء ممزوجة بلامبالاة، ربما لأنهم وصلوا إلى مرحلة كاملة من فقدان الثقة بوعود التنمية والتطوير.
في 2015، أطلق العاهل المغربي مشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، يتضمن مشروعات تنموية عدة لتحسين عيش السكان، وخلق الثروات المحلية، وإنشاء مستشفى تخصصي كبير، وإحداث نواة جامعة شاملة، وغيرها من الخطوات الجادة، أو على الأقل التي بدت كذلك في بادئ الأمر.
لكن تنفيذ المشروعات تأخر كثيرا عما كان مخطط له، وهو ما شكل بداية مثلى لانطلاق احتجاجات الريف المغربي في أكتوبر/تشرين الثاني 2016، وعلى مدار 10 أشهر كاملة، اتسعت لتشمل مدنا أخرى خارج حدود الحسيمة.
ليس هذا فحسب، بل إن اللجنة التي شكلها الملك عقب اندلاع الاحتجاجات من مفتشية وزارتي الداخلية والمالية، للتحقيق في التأخر بتنفيذ تلك المشروعات، باتت في طي النسيان، ولم يعرف أحد إلى أي شيء توصلت ومن عاقبت، سوى بمجموعة إعفاءات لوزراء ومسؤولين.
إرث كبير ومتراكم من الأزمات تحمل كاهله حكومة العثماني الجديدة، تتضاعف مسؤوليته كلما تجددت الأحداث التي تهدد باشتعال شرارة الاحتجاج مرة أخرى، ليبقى التساؤل: هل تنجح الحكومة في إنهاء الأزمة أو حلحلتها، أم ينفجر بركان الريف مجددا؟
وبجانب الحلول الاقتصادية والتنموية، فإن المقاربات السياسية والأمنية تبدو مهمة إلى حد كبير في التعامل مع سكان منطقة ترسخ شعورهم بالإقصاء والتهميش من الدولة المركزية، إلى حد خروج بعض الأصوات المطالبة بالانفصال.
العفو عن قادة الحراك، وتخفيف القبضة الأمنية على المنطقة، وإحداث عملية تقارب بين المواطنين والمسؤولين على مختلف مستوياتهم، بدءا بالمحليات وصولا لرئاسة الحكومة والملك، خطوات يراها البعض ناجعة ليهدأ صوت الريف بعد أن ينعم بالتنمية والاستقرار.