تصويت الديمقراطيين على الموازنة.. صفقة اضطرارية أم استسلام لترامب؟

منذ ١٦ يومًا

12

طباعة

مشاركة

قبل ساعات من الإغلاق النهائي للحكومة، وجد الديمقراطيون أنفسهم في مواجهة اختبار صعب يكشف عدم تماسك صفوفهم وغياب قدرتهم على التصدي لنهج الجمهوريين بقيادة الرئيس دونالد ترامب. 

ففي 14 مارس/آذار 2025، أقر مجلس الشيوخ الأميركي ميزانية مؤقتة حتى سبتمبر/أيلول من نفس العام، وبهذا جنب الإدارة الفيدرالية الشلل أو ما يعرف بـ "الإغلاق"، لكن من جهة أخرى كشف التصويت عن انقسامات عميقة داخل الحزب الديمقراطي.

وبعد تمرير مشروع القانون، غادر النواب الجمهوريون واشنطن عائدين إلى دوائرهم، في رسالة واضحة بأنهم غير مستعدين لمواصلة التفاوض، وفق ما يقول مركز "سيتا" التركي للأبحاث والدراسات.

معضلة صعبة

وفي الظروف العادية، كان مجلس الشيوخ يُعدّل مشروع القانون من خلال المفاوضات ويصوّت على نسخة موحدة، لكن برفضهم إدخال أي تغييرات، وضع الجمهوريون الديمقراطيين أمام خيار صعب: إما القبول بالمشروع كما هو، أو تحمل مسؤولية إغلاق الحكومة الفيدرالية.

وقال مركز "سيتا" التركي في مقال لمديره التنفيذي في العاصمة واشنطن قدير أوستون: إن موافقة الديمقراطيين على النسخة الحالية من شأنها أن تفقدهم أي تأثير على كيفية تخصيص الأموال الفيدرالية.

وهذا سيمنح الرئيس ترامب، المعروف بنهجه العدواني في تقليص حجم المؤسسات الفيدرالية، مزيدا من الحرية في تشكيل الإنفاق.

ونتيجةً لذلك، يواجه الديمقراطيون معضلة سياسية صعبة: إما تحمّل رد الفعل الشعبي العنيف على إغلاق الحكومة، أو المخاطرة بانقسامات داخلية بالرضوخ لأجندة ترامب.

وأبدى زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، معارضته، مُصرّحا بأن الديمقراطيين لن يُوافقوا على مشروع القانون بصيغته الحالية.

ومع ذلك، فإن التكلفة السياسية لإغلاق الحكومة أجبرته إعادة النظر، بحسب الكاتب، الذي أكد أن "هذا المأزق يكشف عن افتقار الحزب إلى إستراتيجية متماسكة وفعالة لمعارضة سياسات إدارة ترامب".

وتعرض الديمقراطيون في مجلس الشيوخ لضغوط شديدة لمعارضة مشروع القانون المدعوم من ترامب، وواجه "شومر" وآخرون ردود فعل عنيفة بعد أن ساعدوا في تمهيد الطريق لمروره.

وسُلطت الأضواء على التوترات المتصاعدة داخل الحزب، مع تسابق المشرعين نحو إغلاق كان سيترتب عليه عواقب بعيدة المدى عبر الحكومة الفيدرالية.

وهو ما يبرز الصراع الذي يواجهه الديمقراطيون في محاولة التصدي لترامب واحتكار الجمهوريين للسلطة في واشنطن.

استسلام لترامب

وقبل 90 دقيقة من نجاح الجمهوريين في مجلس الشيوخ في تجنب الإغلاق بتصويت كان تقريبا على أساس الانقسام الحزبي، عبَر شومر وتسعة آخرون إلى الجهة الأخرى من الممر لدعم المشروع في تصويت إجرائي حاسم، رغم الضغوط المتزايدة من كتلتهم لإفشاله تماما.

ودافع شومر عن قراره بالقول إن حزبه كان أمام خيارات سيئة عندما يتعلق الأمر بإغلاق الحكومة -ربما لشهور- لمعارضة ترامب.

أو قبول مشروع قانون الحزب الجمهوري الذي حذر الديمقراطيون من أنه سيخفض الإنفاق على برامج مثل الرعاية الصحية للمحاربين القدامى أو رجال الإطفاء والشرطة في واشنطن العاصمة.

وقال شومر دفاعا عن قراره: "أعتقد أن هذه أفضل طريقة لتقليص الأضرار التي سيسببها إدارة ترامب للشعب الأميركي".

وأضاف: "بوضوح، هذه معادلة مستحيلة، فمشروع القانون المؤقت سيئ، لكن السماح لترامب بالحصول على المزيد من السلطة عبر إغلاق الحكومة هو خيار أسوأ بكثير".

من جانبه، أشاد ترامب بشومر لإعلانه دعمه المشروع، قائلا للصحفيين بعد التصويت: "أقدّره وأعتقد أنه فعل الشيء الصحيح، حقا أنا معجب بذلك".

وخارج فريق القيادة لشومر، انفجر العديد من الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب بسبب خطوة حزبهم، والتي رأوها استسلاما في أول نقطة نفوذ حقيقية له في فترة ترامب الثانية.

ورغم كونه إجرائيا، كان التصويت الأول محل متابعة دقيقة من الديمقراطيين في جميع أنحاء البلاد، الذين نظروا إليه على أنه اختبار لاستعداد قادتهم للقتال ضد ترامب.

وفي النهاية، صوت مجلس الشيوخ 54 صوتا مقابل 46 للموافقة على مشروع القانون المؤقت لتمويل الحكومة حتى 30 سبتمبر.

عواقب الإغلاق 

وتمثل حالات إغلاق الحكومة ظاهرة فريدة في السياسة الأميركية، ففي معظم الدول الأخرى، إذا فشل تمرير الموازنة، تواصل الحكومات عملها وفق خطة الإنفاق السابقة أو تُجرى انتخابات جديدة.

أما في الولايات المتحدة، فإن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة يؤدي إلى تعليق العديد من الخدمات الحكومية.

إذ تبقى الوظائف الأساسية ممولة، بينما تُغلق الوكالات الفيدرالية، ويوقف مئات الآلاف من الموظفين عن العمل دون أجر حتى تُقر موازنة جديدة.

وقال الكاتب: إن "الحزبين يستخدمان تهديد الإغلاق الحكومي كسلاح سياسي، فعلى سبيل المثال، فرض الجمهوريون إغلاقا عام 2013 لمنع تمويل برنامج "أوباما كير"، وكرر ترامب الأمر نفسه في 2018 للضغط من أجل تمويل جداره الحدودي.

وفي كلتا الحالتين، أجبر الضغط الشعبي الطرفين في النهاية على العودة إلى طاولة المفاوضات.

وأوضح الكاتب أن الجمهوريين يمتلكون ميزة أيديولوجية في هذه المواجهات، فهم يدافعون عن تقليص حجم الحكومة الفيدرالية، مما يجعلهم أقل قلقا بشأن التداعيات السياسية لتقليص الخدمات.

وكان ترامب، على وجه الخصوص، صريحا بشأن تفكيك برامج فيدرالية مثل المساعدات الخارجية والتعليم، ما يجعله أقل استعدادا لتقديم تنازلات.

في المقابل، يواجه الديمقراطيون ضغوطا لإبقاء الحكومة مفتوحة، لحماية البرامج الاجتماعية التي يستفيد منها الأميركيون من ذوي الدخل المنخفض بشكل خاص.

كما أن الأسواق المالية تميل إلى التفاعل السلبي مع حالة عدم اليقين السياسي المطولة، مما يشكل دافعا إضافيا لكلا الحزبين للتوصل إلى اتفاق، وفق الكاتب.

غياب الإستراتيجية

وقال: "خلال ولاية ترامب الأولى، ركز الديمقراطيون على إستراتيجية المقاومة، مستغلين وضعه كغريب عن النظام وسياساته المثيرة للجدل لتنشيط حركات المعارضة، وقد أثمرت هذه الإستراتيجية في انتخابات منتصف الولاية لعام 2018".

ومع تحكم ترامب بشكل أكبر الآن، بعد استبداله المسؤولين غير الموالين له، قد لا تكون نفس الإستراتيجية فعالة بعد الآن.

فعلى الرغم من القلق بشأن سياسات ترامب التجارية واحتمالية زيادة التضخم بسببها، فإن الحزب الجمهوري لا يزال موحدا خلفه.

علاوة على ذلك، فإن البيانات الاقتصادية الحديثة التي أظهرت أن التضخم كان أقل من المتوقع، ساعدت في تخفيف الضغط السياسي على ترامب.

وتابع الكاتب أنه "بالنسبة للديمقراطيين، فإن مجرد معارضة ترامب دون تقديم حلول بديلة يهدد بتعزيز التصور بأنهم يعيقون التقدم".

ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية لعام 2026، يسعى الديمقراطيون لاستعادة السيطرة على إحدى غرفتي الكونغرس على الأقل، لكن غياب القيادة والتوجه الواضح يجعل هذا الهدف صعب التحقيق.

وأكد أنه "إذا أغلقت الحكومة، فيجب على الديمقراطيين إيجاد طريقة لتحميل ترامب والجمهوريين المسؤولية في نظر الجمهور".

وأشار إلى أنه دون وجود إستراتيجية واضحة لفعل ذلك، من المحتمل أن يدفع الجمهوريون من خلال نسختهم المفضلة من الموازنة بحلول سبتمبر، ما سيشكل هزيمة مبكرة للديمقراطيين ويزيد من التوترات الداخلية داخل الحزب.

وبيّن الكاتب أن التقدميين داخل الحزب أصبحوا أكثر إحباطا، داعين إلى معارضة أكثر شراسة ومستندة إلى أيديولوجية لسياسات ترامب.

وشدد على أنه "دون قيادة جديدة وإستراتيجية أكثر فاعلية، يخاطر الديمقراطيون بأن يصبحوا غير ذوي صلة في الكونغرس، ويواجهون نتيجة مخيبة أخرى في الانتخابات القادمة".