رغم أنها رافعة قوية.. ما سر إحجام عمالقة الطاقة في الخليج عن الاستثمار بإفريقيا؟

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

من الملاحظ اقتصاديا، ضعف الحضور الاستثماري لشركات النفط الخليجية الكبرى مثل “أرامكو” السعودية و"أدنوك" الإماراتية و"قطر إنرجي" في قطاع النفط والغاز بإفريقيا، رغم توسع استثماراتها في مجالات أخرى بالقارة. 

وأشارت مجلة "جون أفريك" الفرنسية إلى أن هذه الشركات "تفضل التركيز على مشاريعها المحلية أو استثماراتها في آسيا وأميركا، حيث يعد العائد على الاستثمار أعلى والمخاطر أقل".

وتشمل التحديات الرئيسة التي تواجه الشركات الخليجية في دخول السوق الإفريقية "عدم الاستقرار السياسي في العديد من الدول الإفريقية وتعقيدات اللوائح التنظيمية، بالإضافة إلى أسباب أخرى". 

وفي الوقت نفسه، تحدثت المجلة عن أن “الشركات الخليجية تتجنب المخاطرة العالية في الأسواق الإفريقية التي تواجه تغييرات سياسية متكررة وضعفا في البنية التحتية والحوكمة”.

قلة اهتمام

وذكرت المجلة الفرنسية أن "الاستثمارات في المعادن الإستراتيجية والطاقة المتجددة واللوجستيات والبنى التحتية عززت وجود دول الخليج في إفريقيا على مر السنين من خلال استثمارات إستراتيجية". 

واستدركت: “لكن في مقابل ذلك، ورغم أن الهيدروكربونات قد تشكل رافعة قوية للتأثير في وقت انخفاض الإنتاج بشكل كبير من قبل الدول الإفريقية، إلا أن السعودية والإمارات وقطر، الدول الغنية بالموارد الأحفورية، تظل حذرة للغاية قبل الإقدام على الاستثمار في القارة”.

ولفتت إلى أنه بين الاهتمام العابر لـ“أرامكو” بأصول "شل" في جنوب إفريقيا، والاقتحام المحدود لشركة أبوظبي الوطنية للبترول "أدنوك" في مجال التوزيع، والمشاركات الطفيفة لـ"قطر إنرجي" في العمليات التي تقودها الشركات الكبرى الغربية، تظل مشاريع عمالقة الخليج في إفريقيا ضعيفة نسبيا وغالبا ما تقتصر على التصريحات.

ولتفسير هذا الحذر في الإقدام على الاستثمار في القارة السمراء، أوضحت المجلة أنه "من الوهلة الأولى، يمكن تفسير قلة اهتمام الشركات من شبه الجزيرة العربية بوجود احتياطيات كبيرة من النفط والغاز المثبتة في دولها المعنية". 

وفي هذا الإطار، قال مدير البحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية "إيريس" في باريس، فرانسيس بيرين، إن "هناك العديد من المشاريع التي يجب استغلالها وتحضيرها للتطورات المستقبلية، والأولوية لهذه المجموعات ليست بالضرورة الذهاب للاستثمار في الخارج".

وبالحديث عن "أرامكو"، ذكرت "جون أفريك" أنها “ثالث أكبر منتج وأكبر مصدّر عالمي للنفط الأسود”، مضيفة أنها "تعمل على تطوير المشاريع المحلية في قطاع المنبع وتنويع محفظتها من الأنشطة في الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات في الخارج".

ونوهت إلى أن "الانفتاحات، التي تظل هامشية، للمجموعة التي تمتلكها بشكل رئيس الدولة السعودية، تبقى غير موجهة إلى القارة الإفريقية". 

جدير بالإشارة إليه، أن العملاق السعودي يمتلك مصالح في تكرير النفط في الصين وماليزيا وكوريا الجنوبية وبولندا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى مشروع "بيرو إل إن جي".

وهنا، أكد بيرين أنه "على عكس القارتين الآسيوية والأميركية، لا تُعد إفريقيا أولوية في إستراتيجية استثمارات شركة أرامكو" السعودية الدولية التي نُفذت في السنوات الأخيرة".

فيما أوضحت المجلة أن "المجموعة السعودية تعد الأسواق الناشئة مثل الصين والهند، حيث ينمو الطلب على الطاقة بسرعة أكبر من القارة الإفريقية، بصفتها مناطق جغرافية إستراتيجية ذات إمكانات كبيرة تسمح لها بتنويع عملياتها على طول سلسلة القيمة لصناعة الطاقة في الخارج".

غير جذابة

وإبرازا لأحد أسباب عدم اهتمام عمالقة الخليج بالاستثمار في القارة الإفريقية، أشار مدير مكتب "جيوبوليا"، فيليب سيبيل-لوبيز، إلى أن "الدول الإفريقية لا توفر بالضرورة بيئة مثالية في نظر كبار مشغلي النفط أو الغاز من حيث الأمان، وكذلك من حيث التنظيم، وأخيرا من حيث الربحية". 

وأضاف الباحث: "سواء كانت "أرامكو" أو "أدنوك" أو "قطر إنرجي"، فإن هذه الشركات تفضل الانطلاق في بيئة مستقرة لضمان عائد استثماري موثوق"، مؤكدا بذلك أن "عمالقة الخليج ليس لديهم ميل كبير لتحمل المخاطر".

وبالحديث عن المخاطر، ذكّرت المجلة الفرنسية أنه منذ عام 2019، تتوالى الانقلابات في إفريقيا، لا سيما في البلدان التعدينية مثل مالي وغينيا وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى الدول المنتجة الأصغر مثل الغابون والنيجر، ناهيك عن عدم الاستقرار السياسي في تشاد والسودان. 

وعند النظر إلى شمال إفريقيا، نوهت المجلة بأن السعودية والإمارات وقطر كان بإمكانهم الاستثمار في ليبيا أو الجزائر -وهما دولتان مسلمتان وعملاقتان في القطاع- لتعزيز نفوذها في المنطقة. 

ولكن من وجهة نظر فيليب سيبيل-لوبيز، فإن المشاعر الكبرى تتوقف عند باب المصالح المالية، وهو ما يعيق هذا الاستثمار في ليبيا أو الجزائر.

من جانبها، لإعادة التفاوض على الاتفاقيات النفطية والغازية مع الشركات الأجنبية، لفتت المجلة إلى أنه "مع الإرادة المعلنة للحكومة الجديدة في السنغال، التي ستكون لاعبا رئيسا في مجال الغاز الطبيعي المسال، فإن أي مراجعة للأطر التنظيمية أو السياسات الضريبية والتعاقدية قد لا تحسن الوضع".

وفي هذا الإطار، أوضح مدير عام "جيوبوليا" نظرته الانتقادية قائلا إن “الدول الإفريقية ليست نماذج فيما يتعلق بالإدارة والتمويل، ومخاطر تعديل قواعد اللعبة طوال فترة استغلال الحقول تدفع شركات النفط إلى التفكير مرتين قبل الإقدام على الاستثمار في إفريقيا”.

شركات كبرى

وبينما تُعد "أرامكو" شبه غائبة عن قطاع النفط في المنبع بإفريقيا، لفتت "جون أفريك" النظر إلى أن شركتي "أدنوك" و"قطر إنرجي" تقتصران على بعض المشاركات الصغيرة في موزمبيق وناميبيا وموريتانيا ومصر، مع شركاء غربيين مثل "توتال إنرجي" و"إنوي" و"شل" و"بريتيش بتروليوم" و"إكسون موبيل". 

ونقلت المجلة عن أحد المسؤولين في منظمة منتجي النفط الأفارقة أن "النفط والغاز في إفريقيا يعدان منطقة محجوزة للغرب، الذي كان موجودا هناك لعقود من الزمن، حتى وإن كانت الأبواب مفتوحة دائما للمشغلين الآخرين".

وبحسب فرانسيس بيرين، فإن "الاستثمارات القليلة لشركات الخليج في إفريقيا تُعد استثناءات تؤكد القاعدة".

وأوضح أن عمليات الاستحواذ على الحصص تتم ضمن إطار تحالفات؛ لتستفيد من خبرة "الشركات الكبرى" الغربية في إفريقيا، بالإضافة إلى مشاركة المخاطر وتجنب التعرض المفرط خارج أراضيها المفضلة.

وبالتأكيد مرة أخرى على أن "شركات الخليج ودولها عقلانية وحذرة للغاية من حيث الاستثمار"، أكد بيرين أن "أرامكو" و"أدنوك" و"قطر إنرجي" تركز استثماراتها بشكل أساسي في البنى التحتية النفطية والغازية المحلية أو في المشاريع الدولية الإستراتيجية.

واختتمت المجلة تقريرها بنقل ما يراه المتخصص في الجيوسياسية الطاقية،  جان-بيير فافنيك، حيث قال إن "هذه الشركات لن تحاول أن تحل محل الشركات الكبرى التقليدية في مجال استكشاف النفط في إفريقيا". 

وأضاف المتخصص أنه "مع آفاق الانتقال الطاقي، ستراهن دول الخليج على المعادن الإستراتيجية بدلا من الهيدروكربونات".