14 مليار دولار.. صحيفة عبرية: الجيش لا يعي الضرر الاقتصادي لنفقاته بغزة

مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يظهر التململ داخل المجتمع الإسرائيلي من تبعات وتكاليف "العمليات العسكرية".
ورجحت وزارة المالية الإسرائيلية في 25 ديسمبر/ كانون الأول 2023 أن الحرب في غزة ستكلف على الأرجح ما لا يقل عن 50 مليار شيكل (14 مليار دولار) في عام 2024.
وفي هذا الإطار، انتقدت صحيفة "كالكاليست" العبرية الاقتصادية آليات الإنفاق منذ بداية العدوان، وتحدثت عن ضخامة التكاليف حتى الآن رغم أن المعركة لم تنته بعد.
وشددت على أن "تكاليف تجنيد جنود الاحتياط في الحرب ارتفعت إلى أرقام فلكية"، لافتة إلى أن "ذلك بات يشكل صداعا كبيرا لوزارة المالية والجيش الإسرائيلي".
وأشارت إلى أن "المستوى السياسي يدرك حجم المشكلة لكنه يتجاهلها، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى تحميل التكاليف على الأجيال القادمة".
تكاليف ضخمة
وفقا للصحيفة، نشر المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل بيانات عن سوق العمل في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، الشهر الثاني من الحرب.
أوضحت البيانات أن عدد العاطلين عن العمل انخفض بمقدار 16.5 ألف عامل، وانخفضت نسبة مستوى البطالة من 3.4 إلى 3 بالمئة فقط.
علاوة على ذلك، انخفض عدد الغائبين عن العمل بسبب الحرب بمقدار 37.7 ألفا، وبذلك انخفض معدل البطالة المتوسع.
ومعدل البطالة المنخفض يشمل العاطلين الذين تغيبوا عن أعمالهم، وقد انخفض من 9.6 إلى 8.5 بالمئة، وينتمي ثلثاهم (نحو 64 بالمئة منهم) إلى فئة العمال الذين لا يأتون إلى أماكن عملهم بسبب الحرب.
ومع ذلك، توضح الصحيفة أن الرقم الأكثر لفتا للانتباه في البيانات الواردة يتعلق بالأسباب التي تفسر سبب عدم قدوم هؤلاء العمال إلى العمل.
فإذا كان 15 بالمئة منهم فقط لم يعملوا، خلال أكتوبر 2023، لأنهم خدموا في الاحتياط، فقد تضاعف هذا المعدل إلى أكثر من 30 بالمئة، في نوفمبر.
إلى جانب ذلك، أوضح أكثر من 46 بالمئة من الرجال المتغيبين عن أعمالهم بسبب استدعائهم للخدمة الاحتياطية، وذلك مقارنة بـ 26 بالمئة خلال أكتوبر.
وبناء على ذلك، باتت الخدمة الاحتياطية السبب الرئيس لغياب الرجال عن أماكن عملهم. وتعقب الصحيفة: "عندما اندلعت الحرب، لم يشك أحد في أهمية التجنيد الجماعي الذي حطم الأرقام القياسية".
وفي مراجعة أجراها كبير الاقتصاديين في وزارة الخزانة الإسرائيلية شموئيل أبرامسون، خلال ديسمبر/كانون الأول، كتب أن حوالي 140 ألف عامل تغيبوا في نوفمبر بسبب الخدمة الاحتياطية.
ولفتت الصحيفة إلى أن "هذا هو الرقم التقريبي الوحيد الموجود، حيث إن الأرقام الرسمية سرية".
جدير بالذكر أن مسؤولين تحدثوا عن عدد أكبر من الرقم المذكور، وذلك بعد موافقة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على حصة قدرها 350 ألف مجند.
وبحسب تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، فإن 100 ألف جندي احتياط يكلفون خزينة الدولة بشكل مباشر حوالي 70 مليون شيكل يوميا لدفع رواتبهم.
وأضافت الصحيفة: "هذا ليس الرقم النهائي، إذ إن هناك كلفة إضافية تتعلق بإيواء هؤلاء الجنود وإطعامهم، وبالتالي فإن الرقم أقرب إلى 100 مليون شيكل يوميا".
وأردفت: "وهناك أيضا تكاليف غير مباشرة، تقدر أيضا بـ100 مليون شيكل يوميا لكل 100 ألف جندي احتياط". لذلك، تتحدث التقديرات عن تكلفة إجمالية تبلغ نحو 300 مليون شيكل يوميا، وفق الصحيفة العبرية.
وتابعت: "على افتراض أن عدد الجنود الذين استدعوا للخدمة الاحتياطية يبلغ 150 ألفا في المتوسط. وإذا حسبنا حوالي 70 يوما من القتال، فإن التكلفة الإجمالية (المباشرة وغير المباشرة) تبلغ حوالي 21 مليار شيكل".
وأكملت "كالكاليست": "حتى لو كانت هذه تقديرات تقريبية وغير دقيقة ومبالغا فيها، وكانت التكلفة الإجمالية، على سبيل المثال، 15 مليار شيكل فقط -وهي أرقام ضخمة لا يمكن أن يتحملها الاقتصاد الإسرائيلي- والحرب لم تنته بعد، فهذه مبالغ تتطلب تفكيرا جديدا في هذا الموضوع".
ولفتت إلى ضرورة عدم تجاهل أن تكلفة جنود الاحتياط ليست سوى جزء فقط من نفقات الأمن.
وفي هذا السياق، توضح أن "الذي يتحمل تكاليف الخدمة الاحتياطية في الأوقات العادية هو الجيش الإسرائيلي، من ميزانية الدفاع، إلا أنه يحصل في أوقات الحرب على تعويض كامل، وحتى متزايد، من الدولة عن هذه المدفوعات".
وهو ما يعني -حسب الصحيفة العبرية- أن دفع الأجور لجنود الاحتياط لا يأتي من ميزانية الدفاع منذ 7 أكتوبر، بل من خزينة الدولة.
لا يعي الأضرار
وفي هذا الإطار، تحدثت الصحيفة عن أن "الجيش لا يشعر أنه ينفق شيئا من ميزانيته فيما يتعلق بتكاليف الجنود الاحتياط، وهو ما يعني -وفقا للأدبيات والنظريات الاقتصادية- الإفراط في الاستهلاك".
فعندما لا يدفع أي فاعل اقتصادي في مقابل مورد يستهلكه، فإن ميله الطبيعي هو الاستهلاك أكثر مما كان ليفعله لو دفع ثمنه.
وأشارت إلى أن "وزارة الخزانة لا تعرف عدد جنود الاحتياط العاملين حاليا في الصفوف الاحتياطية".
وتابعت مستنكرة: "أي أنه لا يوجد إشراف ورقابة على نفقات الجيش، لأن ذلك ليس له أي تكلفة من وجهة نظره".
وشددت الصحيفة على أن هناك مؤشرات كثيرة توضح "الاستخدام المفرط لمورد يبدو أنه مجاني بالنسبة للجيش".
وفي ذات السياق، ذكرت أن النتيجة الأخرى لمجانية المورد أو قلة تكلفته هي قلة الاستثمار في البدائل.
وهو ما يعني أنه لا يوجد حافز للاستثمار في إيجاد بدائل أكثر كفاءة أو استدامة.
وبحسب مراجعة اقتصاديين، فإن أكثر من 29 ألفا من أصل 41.4 ألف عامل في مجال التكنولوجيا الفائقة (أكثر من 70 بالمئة) ممن غابوا عن وظائفهم بسبب الحرب، فعلوا ذلك لأنهم تجندوا في الاحتياط.
وتعقب الصحيفة: "لو اضطرت وزارة الدفاع إلى دفع رواتب جميع هؤلاء الموظفين من ميزانيتها -على أساس متوسط راتب يبلغ حوالي 29.4 ألف شيكل في نوفمبر- لفكرت مرتين".
إذ ستبلغ التكلفة التراكمية عليها 850 مليون شيكل شهريا، وربما في مثل هذه الحالة ستكون النتيجة تجنيدا أصغر وسيتم توجيه بعض الأموال إلى أهداف أخرى.
وحذرت الصحيفة من أن لهذا الأسلوب تأثيرات اقتصادية واجتماعية على المجتمع برمته.
وأوضحت أن "للجيش مهمة واحدة، وهي الحفاظ على أمن إسرائيل، لكنه ليس مسؤولا عن نمو الاقتصاد، لكن الحكومة من جانبها ينبغي أن تهتم بالأمرين معا".
وأردفت: "لذلك، فإن الجهاز الأمني أقل وعيا بالأضرار التي تلحق بالاقتصاد نتيجة الغياب الطويل لرجال الاحتياط".
ولفتت إلى أن "الخبر غير السعيد هو أن المسؤولين الماليين لا يملكون في الوقت الراهن حلا حقيقيا لهذه المشكلة".
فمن ناحية، لن يطالبوا بتخفيضات في ميزانية الدفاع، وبالتأكيد ليس بعد أن وافق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على زيادة الإنفاق الدفاعي بمقدار 20 مليار شيكل، أي 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
واختتمت الصحيفة العبرية: "تعترف وزارة الخزانة أيضا بأنها لا تملك الأدوات والمعرفة اللازمة لتقرير ما إذا كان يتعين على الجيش أن يكون لديه فرقتان أو ثلاث فرق مناورة في الميدان من أجل كسب الحرب".
كما "لا تنوي الوزارة إدارة مخزون الجيش من الأفراد العسكريين، فهي لا تريد أن يتم تصويرها على أنها منظمة تضر بالجهود الحربية للجيش الإسرائيلي".
إلى جانب ذلك، ألمحت الصحيفة إلى أن محاولة حل هذه المعضلة حاليا تواجَه بضغوطات وعقبات شديدة، قد يكون أهمها ممانعة اليهود المتشددين ومقاومتهم لأي محاولة للمس بجنود الاحتياط.