مبادرة تركيا وأذربيجان وقطر لنقل الغاز إلى سوريا.. الخلفيات والدلالات

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أسست تركيا وأذربيجان وقطر نموذجا فريدا للشراكات الطاقية الهادفة إلى تحقيق التنمية والاستقرار، وذلك عبر نقل الغاز إلى سوريا لدعم جهود تعافيها بعد سنوات من الحرب المدمرة.

وسلط مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا" الضوء على هذه المبادرة التي أكد أن دور تركيا فيها لا يكمن فقط بالعبور الجغرافي، مبينا أن أنقرة أصبحت فاعلا إقليميا في تحقيق التنمية والتهدئة بعد صراعات طويلة.

وفي الثاني من أغسطس/آب 2025 بدأ تدفق الغاز الطبيعي من أذربيجان عبر ولاية كيليس التركية باتجاه محافظة حلب السورية بشكل رسميّ، وذلك بطاقة سنوية تصل إلى نحو ملياري متر مكعب. 

يستهدف المشروع إيصال الكهرباء إلى ما يقارب خمسة ملايين أسرة سورية، عبر رفع ساعات التغذية الكهربائية من معدل لا يتجاوز 3-4 ساعات يومياً إلى ما لا يقل عن 10 ساعات، وهو ما سيتيح إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات والمصانع، فضلاً عن إنعاش سوق العمل المحلية.

أبعاد إقليمية 

كما يمكن عدّ هذا التطور عاملاً محفزاً لعودة جزء من اللاجئين السوريين في الخارج، حيث إن ملف الطاقة يرتبط مباشرة بملف الاستقرار الاجتماعي، وفق ما قال المركز التركي في مقال للكاتب “أرمان أكيلّي”.

وأشار الكاتب إلى أن الخطوة التركية لا تعني مجرد استضافة أنبوب جديد للطاقة، بل تضع أنقرة في موقع "المزوّد الفعلي" للتنمية الإقليمية. 

فالحرب السورية كانت قد خفضت القدرة الإنتاجية للكهرباء من 8500 ميغاواط قبل عام 2011 إلى نحو 3500 ميغاواط فقط، فيما يتيح الغاز الأذري إنتاج 1200 ميغاواط إضافية، بحيث تكفي لتشغيل البنية التحتية الحيوية بلا انقطاع.

وبذلك يظهر هذا التحول أن تركيا باتت تمزج بين دبلوماسية الطاقة والدبلوماسية الإنسانية، لتصوغ لنفسها صورة الوسيط الفعّال وصاحب الحلول العملية.

وتابع الكاتب التركي: لا يقتصر المشروع على التعاون بين تركيا وأذربيجان فحسب، بل ينخرط فيه أيضاً شريك ثالث وهي قطر، التي تولت جانباً من التمويل. وبهذا يتشكل محور ثلاثي جديد يقوم على "التضامن عبر الطاقة". 

ففي حين يوفّر المشروع لأذربيجان إمكانية الانفتاح على أسواق الجنوب والشرق إلى جانب الغرب، يمنح قطر من جهةٍ أخرى فرصة لتعزيز مكانتها خلال مرحلة إعادة إعمار سوريا. بالمحصلة، تنشأ بذلك شبكة اقتصادية – سياسية تعيد تشكيل موازين القوى في الساحة السورية.

وأضاف: ما يجعل المشروع أكثر دلالة هو أنه ينسجم مع نهج تركي مستمر في بناء "جسور سياسية" بين الأطراف المتنازعة. 

فقد لعبت تركيا أدواراً محورية خلال الأعوام الماضية: من إنشاء ممر الحبوب في البحر الأسود الذي خفف من حدة أزمة الغذاء العالمية، إلى رعاية إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال، والمساهمة في تيسير عملية السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وصولاً إلى إدارة تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.

ولفت إلى أن إنشاء "المديرية العامة للوساطة الدولية" عام 2024 قد مثّل خطوة مؤسسية لترسيخ هذا الدور، بما يعزز صورة تركيا كدولة لا تكتفي بإدارة ملفاتها الوطنية، بل تنخرط بفاعلية في إعادة إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.

وهكذا، فإنّ مشروع نقل الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا يتجاوز البعد الاقتصادي البحت، ليصبح نموذجاً لكيفية توظيف الطاقة كأداة لتحقيق السلام والتنمية. 

فهو يجمع بين منطق المنفعة المتبادلة والدبلوماسية الإنسانية، ويعكس رؤية تركية أوسع تقوم على جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من استراتيجيتها الوطنية. 

وبهذا، تتحول أنقرة من مجرد نقطة عبور للطاقة إلى فاعل إقليمي يسهم في صياغة مستقبل أكثر استقراراً لمنطقة أنهكتها الصراعات.

تحالف ثلاثي

وواصل الكاتب: أصبح مشروع نقل الغاز الطبيعي من أذربيجان إلى سوريا عبر الأراضي التركية محطة فارقة في مسار دبلوماسية الطاقة التي تتبناها أنقرة. 

فالمبادرة لا تقتصر على توفير الكهرباء لملايين الأسر السورية، بل تعكس رؤية أشمل ترى في التنمية الاقتصادية وأمن الطاقة شرطين لا ينفصلان عن ترسيخ السلام الدائم في المنطقة.

وأردف: إن استدامة تدفق الطاقة لا تتوقف عند الغاز وحده، فقد أعلن ائتلاف من الشركات – كاليون، وجنغيز هولدينغ، وشركة الإنشاءات المتحدة، وباوار الدولية – عن خطط لبناء محطات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي وأخرى بالطاقة الشمسية خلال السنوات الثلاث المقبلة. 

وبذلك، فإنّ هذه الاستثمارات ستعزز أمن إمدادات الكهرباء في سوريا، وتدعم التحول نحو طاقة نظيفة، وتسرّع وتيرة التعافي الاقتصادي. 

ولفت الكاتب إلى أن دمج الطاقة المتجددة في المشروع يعكس بُعداً استراتيجياً يربط بين إعادة الإعمار والاستدامة البيئية.

وتابع: البعد الأوسع للمشروع يتمثل في دبلوماسية الطاقة التركية. فالتدفق الجنوبي للغاز الأذري يُعد امتداداً لخط الأنابيب العابر للأناضول.

وهو ما يعزز مكانة تركيا كمركز إقليمي للطاقة، ويمنح أوروبا مسارات بديلة لتأمين احتياجاتها بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية التقليدية. 

في السياق نفسه، يحمل استكمال ممر زنغزور بين نخجوان وأذربيجان فرصاً كبيرة، وذلك لتعزيز تدفقات التجارة والطاقة من آسيا الوسطى وحتى البحر المتوسط. 

وهذا الممر يمتد لمسافة 32 كيلومترا داخل محافظة سيونيك جنوبي أرمينيا، وقد تحول إلى بؤرة توتر إقليمي منذ أن طرحت أنقرة فكرة تنفيذه.

وأضاف الكاتب: أهمية المشروع (نقل الغاز إلى سوريا) لا تنحصر في أبعاده الاقتصادية، بل تمتد إلى كونه ثمرة تعاون ثلاثي بين تركيا وأذربيجان وقطر. 

فمن خلال دعمها المالي، تسهم الدوحة بتعزيز إعادة الإعمار، بينما تقدم باكو مواردها الطاقية، وتوفر أنقرة البنية التحتية والدبلوماسية اللازمة لنجاح المشروع. 

وبهذه الصيغة تؤسس لنموذج جديد من الشراكات القائمة على الطاقة كوسيلة للتنمية والاستقرار، وليس كعامل للصراع.

وختم الكاتب مقاله قائلاً: إن خط الغاز الممتد من كيليس إلى حلب يجسد رؤية تركية تقوم على دمج دبلوماسية الطاقة بالوساطة السياسية والمساعدات الإنسانية. 

فالمشروع لا يضيء فقط منازل ملايين الأسر السورية، بل يبعث الأمل في عودة الحياة إلى منطقة عانت من ويلات الحرب. 

ومن خلال هذا النهج، تضع أنقرة الطاقة في موقع يتجاوز كونها سلعة تجارية، لتجعلها جسراً للسلام والاستقرار الإقليمي، وتؤكد مسؤوليتها تجاه شعوب الجوار.