هجوم بئر السبع.. هل ينذر بتكرار سيناريو 2021 بين الفلسطينيين والاحتلال؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

ما إن يقترب شهر رمضان حتى تشد تل أبيب الحزام الأمني وتبدأ في التحسب لسلسلة مواجهات مع الفلسطينيين، قد تهدد بإشعال انتفاضة جديدة، كما جرى عام 2021.

هذه المرة جاءت عملية بئر السبع بالنقب التي قتل فيها أربعة مستوطنين وأصيب اثنان في 22 مارس/آذار 2022 مؤشرا على ما ينتظره الاحتلال خلال شهر رمضان، بسبب تزامن أعياد إسلامية ويهودية فيه، وتصاعد الاحتقان مبكرا بفعل جرائم المستوطنين.

قوة العملية التي نفذها الأسير المحرر الشهيد محمد أبو القيعان، أزعجت الأوساط السياسية والأمنية خاصة أنه ينحدر من النقب ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وسط تصاعد ملحوظ في الأوضاع خلال الشهر الأخير.

إسرائيل كانت تستعد لمنح الفلسطينيين ما تسميها "سلسلة تسهيلات"، بشأن الصلاة في الحرم القدسي، وزيادة عدد المصلين، لتخفيف الاحتقان والاستفادة من خطأ العام 2021، حسبما يقول "نير دبوري" بالقناة 12 العبرية في 23 مارس 2022.

كانت تسعى للاستفادة من التهدئة قدر الإمكان كي يمر شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي دون مواجهات، لكن جاءت عملية بئر السبع لتنسف الخطط الإسرائيلية وتطرح تساؤلات عن مصير هذه التسهيلات المفترضة في ظل التصعيد قبل رمضان.

عاموس هارئيل المحلل العسكري لصحيفة هآرتس العبرية قال لشبكة "كان" في 23 مارس 2022 إن "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تميل لعدم إلغاء التسهيلات للفلسطينيين في رمضان لأن إلغاءها يزيد التوتر و يغذي العنف".

لأن الهجوم يهدد بخلط الأوراق بدأ كافة الخبراء الإسرائيليين ينصحون حكومتهم ببذل جهود متزايدة لإعادة الأمور إلى مسار التهدئة لا التصعيد، حتى لا يكون شهر رمضان القادم "أكثر عنفا ودموية من أي وقت مضى"، وتتكرر حرب مايو/أيار 2021.

صحيفة "يديعوت أحرونوت" اعترفت في 22 مارس 2022 أن التقديرات الإسرائيلية عشية شهر رمضان كانت تتركز على الضفة الغربية والقدس، ولم يتوقع أحد عملية تقع في النقب، لذا امتد الاستنفار الإسرائيلي إلى هناك.

رعب رمضان

الخوف من توتر الأوضاع في رمضان لم يكن غائبا عن قمة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد بمدينة شرم الشيخ المصرية في 21 مارس.

فقد ناقش الزعماء الثلاثة "الخوف من التسخين الأمني ​​قبل شهر رمضان" بحسب ما نشرت صحف عبرية في 22 مارس 2022.

هذا "الرعب" جرى إدراك شيء من ملامحه بعد القمة بقليل في هجوم بئر السبع، وجاء اللقاء الثلاثي ليكشف عن عمق العلاقات التي تتشكل بين إسرائيل ودول عربية لحد مناقشة قادة عرب إخماد انتفاضة الشعب الفلسطيني مع رئيس وزراء الاحتلال.

ويتوقع الاحتلال أن تكون الأيام القادمة صعبة، لذا يحاول تحشيد مصر والأردن والإمارات والسلطة الفلسطينية للضغط نحو وقف التصعيد القائم، حسبما يقول المحلل الفلسطيني مصطفى الصواف.

يؤكد الصواف لـ "الاستقلال": "لا أعتقد أن الأمر سيأتي على هواهم" ويحذر من "تكرار ما حدث في رمضان الماضي لأن شواهده حاضرة ولكن الأمر يتوقف على سلوك الاحتلال، الذي يتصرف بشكل مضطرب وقلق جدا من تطور الأحداث رغم احتياطاته".

بين، أن "الاستعدادات تجري من المقاومة والاحتلال على قدم وساق والكل ينتظر الوقت المناسب"، و"ستعمل إسرائيل على تعزيز قواتها أكثر في كل المناطق وتوسع من الاعتقالات والتحقيقات ونصب الحواجز".

ضمن هذا الاصطفاف مع الاحتلال ضد انتفاضة الشعب الفلسطيني، ذكرت إذاعة "كان" الإسرائيلية في 22 مارس 2022 أن ملك الأردن عبدالله الثاني سيصل إلى رام الله قريبا ليطلب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس "السعي لتهدئة الفلسطينيين قبل رمضان".

قالت إن وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد طلب من الملك عبد الله الثاني حث عباس على منع انفجار هبة شعبية فلسطينية في رمضان.

إذاعة "كان" توقعت أيضا أن يزور رئيس المخابرات المصرية عباس كامل إسرائيل لتجديد محاولات الوساطة المصرية لإتمام صفقة تبادل أسرى بينها وبين حركة المقاومة الإسلامية حماس والحث على التهدئة قبل رمضان، وذكرى معركة "سيف القدس".

وفي فبراير/شباط 2022، حذرت وثيقة أمنية إسرائيلية، من تفجر الأوضاع بالأراضي الفلسطينية خلال شهر رمضان المقبل، بحسب قناة "كان" الرسمية التي نشرتها.

الوثيقة عبارة عن رسالة بعث بها قائد فرقة الضفة الغربية بالجيش الإسرائيلي العميد "آفي بلوت" للقادة العسكريين، يقول فيها إن "مواد الاشتعال موجودة بالفعل، ينقصها فقط عقود ثقاب لإشعال المنطقة برمتها".

حذر في الوثيقة أن: "أيام رمضان مقترنة بالأعياد الإسرائيلية، ومن الممكن، كما حدث سابقا، أن يوفر عدد غير قليل من أعواد الثقاب"، أي المواجهات بين الفلسطينيين والاحتلال، "وعلينا أن نكون مستعدين لهذا اليوم".

يزيد من هذا الاحتقان، كشف مصادر فلسطينية لموقع "عربي بوست" في 21 مارس 2022، عن قرار سيادي مصري بوقف مشاريع إعادة الإعمار بقطاع غزة بسبب أزمة ارتفاع أسعار الإسمنت وفرض مصر قيود على تصديره وتوقف مشاريع الإعمار، بسبب إجراءات إسرائيلية على وارداته.

وبعد عملية بئر السبع، قال الجنرال المتقاعد "مئير إلران" رئيس برنامج الأمن الداخلي بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، إننا "في فترة حساسة للغاية ومتفجرة قبل رمضان".

وبين في مقال نشره 23 مارس/آذار 2022، أنه "يجب بذل جهد خاص ومركز من قبل الشرطة الإسرائيلية، وقوات الأمن، حتى يمر شهر رمضان بهدوء ولا تتكرر أحداث مايو 2021، والقتال والمواجهات العنيفة، التي نشأت بين العرب واليهود وتتسبب في أضرار جسيمة".

دعا إلى "تهدئة الأجواء ومنع ردود الفعل العنيفة على العملية، من قبل العناصر المتطرفة"، كي يمر رمضان بهدوء.

عد رد فعل الجمهور العربي في "إسرائيل"، وقيادته على إدانة عملية بئر السبع القتل "مشجعا للغاية"، حيث أدانوا جميعا الهجوم، بما فيهم الحزب الإسلامي (القائمة الموحدة المشاركة في الائتلاف الحكومي)، ودعوا إلى التعايش بين اليهود والعرب.

"طال ليف" المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" دعا أيضا لمراعاة أننا "على مشارف شهر رمضان الحساس".

وحذر في 23 مارس 2022 بالقول: "يجب ألا نحول القطاع البدوي إلى عدو"، داعيا إلى "الاستثمار في التعليم والبنى التحتية، وتعليم اللغة العبرية، واحتضان الجيل الشاب (العربي البدوي) الذي لا يتحدث عدد كبير منه اللغة العبرية".

فاتحة العمليات

مع هذا قال "اليؤور ليفي" الكاتب الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" 23 مارس 2022 إن "الحكومة تفكر في إلغاء خطوات لتخفيف القيود على الفلسطينيين قبل شهر رمضان، مع أن هذا قد يؤدي إلى مزيد من العنف وهدية لحماس"، وفق زعمه.

شدد على أن عملية بئر السبع منحت المقاومة الفلسطينية دعما كبيرا، وأن حماس تلقت مساندة غير متوقعة لتنفيذ عمليات داخل الخط الأخضر وسط جهودها للتقارب مع العرب هناك.

أكثر ما يقلق المحللين الإسرائيليين هو أن تكون عملية بئر السبع الناجحة نبراسا للشبان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل لاستنساخها.

المحلل العسكري "يوآف ليمور" أكد في صحيفة "إسرائيل هيوم" 23 مارس 2022 "الخوف من ظاهرة تقليد منفذي العمليات بعد كل هجوم"، و"إن مثل هذه الهجمات الناجحة تشجع شبانا آخرين على تكراراها".

قال: "لقد علمتنا التجربة السابقة أن المنظمات المسلحة ستحاول الآن تشجيع الهجمات المماثلة كما هو الحال دائما، وسيجري تنفيذ أنشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، من شأنها أن تمنح الشباب أكبر قدر من الإلهام".

اعتبر: "حقيقة كون المنفذ هو مواطن بدوي من سكان النقب من شأنه أن يؤجج الأوضاع، ومن المحتمل أن ينظر إليه الكثيرون على أنه بطل نفذ عمليته بدوافع قومية".

ونقلت "القناة الـ 12" العبرية في 24 مارس 2022، عن مصدر سياسي قوله: "نأمل ألا تكون عملية بئر السبع هي الفاتحة لما نتوقعه في شهر رمضان". 

وذكرت "القناة 13" أن هذا الهجوم "هو الأقسى في السنوات الخمس الأخيرة".

دفع هذا إسرائيل لمطالبة السلطة الفلسطينية بلجم أي احتفالات بعملية بئر السبع، وعدم إطلاق أي تصريحات مؤيدة لها، وأبلغتهم السلطة أنها لن تدين العملية خشية إغضاب الفلسطينيين، بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت 23 مارس 2022.

الإذاعة الإسرائيلية العامة ذكرت في 23 مارس 2022 أن "تلفزيون فلسطين" استجاب لطلب إسرائيلي، وحذف ملصقا من على منصته في "فيسبوك" كان يتضمن صورة لمنفذ عملية بئر السبع مع وصفه بـ "الشهيد والأسير المحرر".

وقال مراسل الشؤون الفلسطينية غال برغر إن مصدرا فلسطينيا في رام الله أبلغه أن جهات إسرائيلية طلبت من التلفزيون الفلسطيني الرسمي حذف المنشور عن صفحته في "فيسبوك". 

أكد أن "المخابرات الإسرائيلية تعتقد أن تمجيد منفذ العملية في بئر السبع محمد أبو القيعان من حورة بالنقب، قد يخلق أجواء تدفع فلسطينيين داخل الخط الأخضر لتنفيذ عمليات فردية مثلما حصل في القدس عام 2015".

خبير الشؤون الأمنية والسياسية، إسلام شهوان، توقع لوكالة "قدس برس" 22 مارس 2022 أن تكون تلك العملية "بداية مرحلة ستشهد الكثير والكثير من العمليات البطولية والنوعية للمقاومة الفلسطينية".

اعتبر أن عملية بئر السبع "أصابت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مقتل عقب فشلها الذريع في تقديرات المواقف، وتأكيدها مرارا أن منطقة النقب هادئة، ويجب الاهتمام أمنيا بالقدس فقط في رمضان".

 سيناريو 2021

محللون إسرائيليون حذروا أن مسيرات المتطرفين الدينيين والمليشيا اليهودية المسلحة "سرية بارئيل" التحريضية، قد تدفع لوقوع عمليات أخرى وتتجه الأوضاع داخل الخط الأخضر إلى انفجار للأوضاع ومواجهات بين العرب واليهود، على غرار أحداث هبة الكرامة في مايو/أيار 2021 التي رافقت حرب غزة.

افتتاحية صحيفة هآرتس في 24 مارس 2022 بعنوان "لا للعقاب الجماعي للفلسطينيين"، دعت حكومة بينيت "ألا تنجرف إلى جانب الشعور اليميني المتطرف الذي يسعى إلى الانتقام من كل الفلسطينيين".

شددت على أن "دعوات العقاب الجماعي" لا سيما خلال فترة حساسة دينيا بشكل خاص، وقبل أيام قليلة من شهر رمضان، ستدفع للتصعيد الذي يخشى منه الجميع تكرار سيناريو 2021.

أكدت أن التحركات الصارمة للغاية في الضفة الغربية ستؤدي إلى نتيجة معاكسة لما هو مرغوب؛ وتسريع التصعيد، بدلا من وقفه".

لكن هذا لم يمنع إسرائيل من استفزاز الأهالي العرب، حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية بعد مرور 24 ساعة من عملية الطعن هناك نيتها إقامة 10 تجمعات سكنية لليهود في النقب ومصادقة الحكومة على ذلك 27 مارس 2022.

وأكدت وزيرة الداخلية المتطرفة أييليت شاكيد ووزير الإسكان والبناء زئيف إلكين الموافقة، على أول قرار حكومي يقضي بإنشاء خمس بلدات أخرى على طول محور بئر السبع -ديمونة (طريق 25).

المحلل "عوديد شالوم" برر ذلك في مقال بصحيفة يديعوت أحرونوت 23 مارس 2022 بأن "النقب يوشك على التحول إلى دولة مستقلة وبؤرة للتطرف الإسلامي" حسب زعمه.

قال: "لا يتعين على المرء أن يكون خبيرا كبيرا في شؤون البدو أو باحثا أكاديميا لفهم أن هناك زيادة في شعبية التطرف الديني بين المجتمع البدوي"، مفسرا ذلك بتزايد بناء المساجد هناك.

زعم بالقول: "تنظم المساجد بتنظيم وتنسيق أنشطة اجتماعية بريئة تهدف إلى إبعاد المراهقين والشباب عن الشوارع والعصابات العنيفة، ولكنها أيضا مؤشر على ظاهرة أوسع نطاقا هي تعزيز المؤسسات الدينية والإسلامية".

وأن "هذه الظاهرة أدت إلى خلق مجموعة متنوعة من الجماعات الإسلامية المتطرفة والمتوسعة باستمرار بين المجتمع البدوي في الجنوب".

توقع التصعيد في نهاية المطاف وتكرار سيناريو 2021، دفع الكاتبة الإسرائيلية سميدار بيري لطرح السؤال الصعب: "ماذا سيحدث لو وقع تصعيد مفاجئ؟ ماذا سيكون عندها موقف إدارة بايدن، التي ترسل رسائل صارمة لحكومة بينت؟".

تساءلت في صحيفة يديعوت أحرونوت: "إلى أي جانب سيقف حلفاؤنا في واشنطن؟ وإذا وقعت مواجهة مع غزة، وبدعم من إيران، في نفس الوقت الذي تتجه فيه أميركا لرفع اسم "الحرس الثوري" من قائمة الإرهاب، ماذا سيحدث؟".

قالت إن شعور حلفاء إسرائيل المطبعين العرب "بالمرارة" من إدارة بايدن "يقلق "إسرائيل"، لأن بايدن لا يتحاور مع السعوديين، ويرسل رسائل حادة بسبب حقوق الإنسان، وينظر له كمن يتجاهل "الحلفاء السنة لمصلحة مفاوضات مع إيران الشيعية".

زعمت أن بايدن يفعل أكثر من ذلك، و"يفتح أبوابه لقطر المقربة من إيران، ومن جماعة الإخوان المسلمين، وحماس".