التلفيق السياسي والغطاء الدولي 

أيمن خالد | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يعتمد صانعو الرأي العام والقائمون على توجيهه، بل تضليله أحيانا، على قواعد علمية بهذا الخصوص تعتمد على دراسات وأبحاث تتداخل فيها مجموعة من العلوم النفسية والاجتماعية والقانونية والسياسية وغيرها.

ذلك أن مفهوم الرأي العام لا يقف تفسيره وماهيته عند حدود علم معين. وكذلك أغراضه تتعدى إلى اتجاهات كثيرة، يحاول النافذون عبر الزمان والمكان السيطرة على هذا العلم الذي تتم من خلال آلياته، السيطرة على عقول الناس وتقييد اتجاهاتها وإخضاعها بكافة وسائل التوجيه المختلفة من الإعلام والدعاية والإعلان إلى منصات التعليم والتدريس وحتى منابر الخطب الدينية.

ولا تكاد حكايات وقصص الأطفال تتفلت من هذا العلم الذي يحاول التسلل إلى القواعد الأولى في البناء العقلي للعقول. لذلك تشاهد الدول التي تنهار منظومتها الاجتماعية والنفسية والعلمية تبعا لانهيارها السياسي والعسكري نتيجة الهزائم والاحتلالات والغزو. فتجد أن منظومة الانهيار تأتي على جميع المستويات وبجميع المراحل وهذا من طبيعة فكرة التداعي.

التلفيق السياسي أحد مخرجات منظومة السقوط التي تمر به الأمم والشعوب ويكاد هذا النوع من الانحراف السياسي يجد المرتع على أرضية الشعوب المغلوبة التي تمر عليها حقب من السنين العجاف، التي تضيق معها طرق الاهتداء إلى مصلحتها الحقيقية بعد طول فترة تسطيح العقول وتدريبها على طرق الفشل، وتصويرها زورا بأنها محطات نجاح.

للتلفيق السياسي أيضا أجواء مساعدة للنمو إذا ما توفر لها الغطاء الخارجي الذي ربما كان العامل الأساسي في صناعتها. وكثيرة هي شواهد التلفيق السياسي، مع جملة القرارات التي تصدرها حكومات البلدان المصنفة عالميا على سلم الفشل.

فرب سائل يسأل.. أين ذهبت الحملة الإعلامية التي غطت بالخبر والتحليل والمتابعة قرار الحكومة العراقية في الأول من تموز من هذا العام بإدماج الحشد الشعبي ضمن القوى الأمنية الرسمية والجيش العراقي، التي أعطت تلك الحكومة مهلة الشهر لتنفيذ هذا القرار؟ وهل سألت وسائل الإعلام وتابعت سير وآلية تنفيذ هذا القرار؟ الجواب بالنفي طبعا.. ذلك أن الإعلام العربي عموما والعراقي خاصة (ابن اللحظة) ومصاب بالنسيان. بل يبدو أنه في أكثره معد لهذا الغرض من جهة صانعيه ومموليه.

تشير المتابعات لهذا التلفيق السياسي إلى أن المهلة التي حددها رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي لدمج وحدات الحشد الشعبي في الجيش وقوات الأمن قد انتهت دون أن يطبق القرار، بل بالعكس فقد ظهرت أصوات تطالب بحل الجيش العراقي ودمجه بالحشد الشعبي.

وكان رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي قد نقض قراره عمليا في أول لقاء له في إيران بعد زيارة أجراها إلى العاصمة الإيرانية طهران في أواخر شهر تموز الماضي، حيث صرح من هناك بأن (دمج وحدات الحشد الشعبي في الدولة سيستغرق وقتاً طويلاً. ولن يكون سهلاً وأن وحدات الحشد الشعبي لن تدمج في الجيش العراقي والشرطة المحلية العراقية، بل ستعمل قوةً منفصلة تحت سيطرة الحكومة).

السؤال أين قوة تنفيذ القرارات؟ وكيف يتم اتخاذ القرارات المشوبة بعدم القدرة على تنفيذها. إنه التلفيق السياسي والغطاء الدولي المانع من المحاسبة. بل إنه التضليل الداخلي والدولي الذي يحجب رؤية جملة المفاسد التي أسس لها التدخل الخارجي منذ احتلال العراق عام 2003 ومحاولة تضخيم صورة منتجات ذلك الاحتلال وإعطائها حجما وهميا مزورا في عيون البعض.

ولذلك تجد صورة التهويل والإسناد الإعلامي للحظات صدور القرارات التي توحي بقوتها. فيما تختفي تلك التظاهرات الإعلامية والدعائية وحملات التضليل عن متابعة ما ستؤول إليه تلك القرارات من حالة الفشل والانتهاء دون تنفيذها.

في حديث ذي صلة يشير موقع (المونيتور) الأمريكي إلى أن العديد من القواعد والمكاتب العسكرية التابعة لوحدات الحشد الشعبي لا تزال تعمل في مناطق سكنية في بغداد ومدن أخرى. وتشارك وحدات الحشد الشعبي في العديد من المشروعات التجارية وفي سوق الخردة المعدنية، على حد وصف وكالة رويترز أيضا. 

يسأل سائل أيضا.. هل سيكون قرار الحكومة العراقية أخيرا بمنع الطيران العسكري الأجنبي من التحليق فوق سماء العراق قرارا قابلا للتطبيق؟ وكيف يتم ذلك مع وجود العشرات من القواعد العسكرية الأمريكية على أرض العراق بما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب؟ وحكاية مراقبة تهديد إيران للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط كما تدّعي أمريكا نفسها التي أطلقت يد إيران في العراق والبعض من الدول العربية؟

بداية القرار جاءت بصيغة منع الطيران الأجنبي العسكري، ومع بدايات تفسير القرار تبين أن الممنوع هو الطيران (المسيّر) فقط. وربما مع تتابع التفسيرات قد يصل قرار منع التحليق بالطائرات الورقية فقط قبل أن نشهد تلفيقية القرار من أصله.

كثيرة هي شواهد التلفيق السياسي والكذب، فلو رجعنا ليس للبعيد كثيرا لنتساءل! أين المصداقية في احتفال رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي والشعب العراقي بإعلان خلو البلد من تنظيم الدولة؟ ذلك الاحتفال الذي باركه وأشاد به أيضا وأعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017.

والحديث اليوم بعد سنتين يدور عن عمليات ملاحقة ومواجهة داخل المدن العراقية وعلى المناطق الحدودية بين العراق وسوريا لخلايا الإرهاب. إنه التلفيق السياسي والغطاء الدولي وقوة القهر وتغييب الشعوب وقتل الحقيقة.

لا تكاد تحصى مثل هذه التلفيقات ولا حد لحدودها، وإذا ما تذكرنا التلفيق الأمريكي بقرار الانسحاب من سوريا العام الماضي والذي تبعه مباشرة تكثيف الوجود الأمريكي من دون فاصل زمني دون اعتذار عن عدم مصداقية القرار الأول. ودون استئذان باستئناف القرار العكسي. إنه التلفيق السياسي والغطاء الدولي.

لكن هل يعني ذلك أن الشعوب لا تدرك ذلك الأمر؟ الحكاية لا تخرج عن إشكالية الإخضاع بجميع طرق القوة والتهديد والخوف والتجويع والترهيب.

بالمقابل تشير الكثير من تجارب الشعوب والأمم إلى أن أهم عوامل انكسار جبروت الطغاة، هي حالة الاندفاع بوهم النصر المطلق المتحصل من حالة خنق الشعوب حتى يظن المنتصر وهمًا تحت غطاء التزييف، أنه قد أحكم قبضته، غير مدرك بأن حراك الشعوب لا يمكن ضمان تغييبه. وأن ثورات الشعوب تبدأ عندما تصل درجات الخنق أعلى مستوياتها.

كثيرة هي الأمور التي يغلفها التلفيق السياسي ويطويها لفترة قد تطول. ولكن اجتماع الخطأ على الخطأ لا ينسجم مع نواميس الحياة. والسياسة مهما غرقت في أوحال المستبدين تبقى علما لا يحتمل الاندثار. إلا أن الفرق يكمن في الفهم لما هو بعيد عن فهم وإدراك قصيري النظر.